الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المحتوى الثقافي والعقل النهضوي : الغرب في سياق الغريب والعجيب

تم نشره في الجمعة 30 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 مـساءً
المحتوى الثقافي والعقل النهضوي : الغرب في سياق الغريب والعجيب د. زهير توفيق ہ

 

 
تعرف المثقفون العرب على الغرب وتمثلوه بصورة نمطية مغايرة لواقعه التاريخي ، او لحقيقته الكلية ، وتراوحت مقارباتهم بين التوصيف الخارجي ، والتحليل المتحيّز ، سواء بالعقل الرغائبي ، والمركزية الشرقية التي قاست المنظومة الغربية بمعاييرها التراثية ، او بالتغريب: أي بالتحيز للغرب الذي وجد فيه الليبراليون ضالتهم المنشودة ، فتعددت تصورات العرب لهذا الغرب المركب ، الذي تجاوز دلالته الجغرافية منذ أمد بعيد.

وفي معرض توصيفهم له اكتسـبت الدهشة والإعجاب دلالة أعمق مما نتصور باسـتعمال مفردات: العجب والعجائب ، والغريب والغرائب ، والمفردات الأخرى المرادفة لها ، لوصف المنجزات الغربية: كالاختراعات ، والاكتشافات العلمية ، وعبر بواسطتها رواد النهضة عن شـعورهم النفسي ، وآليّـات تفكيرهم النمطية في استيعاب وتمثّل ما شـاهدوه ولمسـوه في الغرب.

سأركز في هذه المقالة على المحتوى الثقافي والمعرفي (الابستمولوجي) الذي تنطوي عليه هذه المفردات ، وعلاقاتها بالعقل النهضوي ، كمنظومة من الطرائق والمفاهيم المدرجة في شبكة مفاهيمية أغلبها مستعار من التراث والغرب نفسه لمقاربة الواقع والأفكار بالتحليل والتركيب مبتدءا بتحليل معاني المفردات ودلالتها: كالعجيب والعجائب ، لنكتشف ما هو قار في اللاشعور العربي ، وموقفه من الجديد والتجديد ، وخاصة طرق العمل والنظام العام ، والتقدم المادي ، أما التقدم الفكري والمغايرة التي رصدها المثقف السلفي على مستوى ديني او ثقافي ، فقد أنكرها واعتبرها بدعة وضلالة ، وأغلق منظومته الثقافية في وجه الجديد والتجديد ، واعتبرها مكتفية بذاتها ، لا تحتاج لغيرها ، ولم يتسن له التفكير في قيمتها ، وكبّـله القياس ، فامتنع عن تصفيتها من الشوائب ، وفرز حمولتها المعرفية عن الايدولوجيا ، او مقارنتها بغيرها مقارنو موضوعية ، كما حصل مع مفاهيم الديمقراطية ، وحوار الأديان ، وحقوق المرأة ، وإلغاء مظاهر العنف والتمييز ضدها ، وحقوق الإنسان بشكل عام ، واعتبرت منافية للخصوصية الإسلامية ، ومثلت تلك الخصوصية جوهراً ثابتاً لا يتغيّر ، فتأخرت المنظومة الفكرية السلفية بأدواتها وموضوعاتها عن مجاراة العصر والدخول في المعاصرة.

وأما دلالة هذه الكلمات (العجيب والغريب) ومعناها في اللغة العربية ، التي لم تكن مجرد أداة تعبير او اتصال فحسب: بل وعاء الثقافة والفكر العربيين ، فتأثرت وأثرت به ، وتضمنت وجهة نظر انطولوجية لهذه الثقافة ، وعكست ذلك في تراكيبها ونحوها وصرفها.

فالعجب كما جاء في القاموس المحيط هو: إنكار ما يرد على الإنسان من قلة اعتياده ، وعند اللغوي ابن الأعرابي: هو النظر إلى شيء غير مألوف ولا معتاد ، ويتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم عنده ، وخفي عليه سببه ، والعجاب الذي تجاوز حد العجب ، وفي اللغة: إن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثاله ، قال: عجبت من كذا وكذا.

ومن ذلك نستنتج الدلالة اللاشعورية لموقف الرحالة والمثقفين العرب ، الذين تعرفوا على الغرب ، وصدمتهم انجازاته العلمية ، وتعاملوا معها كأحداث: أي بمعنى الجديد الطارئ ، الذي يفتقر للديمومة والثبات الإلهي ، واقتطعوها من تاريخها الكلي: تاريخ التراكم والاستمرارية ، الذي مهد لظهورها بالنظريات ، والفرضيات ، والتجريب الاعتباطي ، ثم بالمنهج العلمي (الاستقراء) ، واعتبرها معجزات وخوارق منافية للمألوف: أي لما ألفه هو واعتاد عليه ، وكأنه مركز العالم الذي يفترض تماثل معرفته: بل وتفوقها على الآخرين ، وما دام الأمر كذلك ، فهي انجازات معيارية لا تقاس بما هو موجود ، ولهذا فبدلاً من تعديل معاييره لتستوعب المستجدات ، نراه ينفي شرعية وجودها في العقل ما دام لا يقوى على إلغاء وجودها في الواقع ، وما دامت معجزات ، فهي نافية للسببية ، ولا تعترف بالعليّة ، وتستبدلها بالتجويز ، فكل شيء جائز ، وحتى الأحداث الطبيعية التي تحكمها قوانين السببية ، ليست إلا تتابع وتعاقب بين حدثين ، وهي مقولات أساسية ، ومثالا على نمط التفكير التقليدي الذي أحكمت إغلاقه وتعقيمه أعلام الصوفية والأشعرية الذين طبعوا العقل العربي بطابعهم منذ عصور الانحطاط وحتى الآن ، ودمروا حيوية العقل العربي بالفلسفة والعقلانية الواعدة ، وأصبحت المعجزات والسحر والسيمياء والكرامات واختراق الزمان والمكان وتغيير طبيعة الأشياء مكونات أساسية في المنظومة المعرفية العالمة ، وبالتالي ، فالعقل النهضوي الذي لم يقطع قطعاً معرفياً مع التراث ، ذ؟هل وتعجب لما صادفه مفارقا للواقع ، وهو في الحقيقة مفارق لتصوره هو عن حقيقة هذا الواقع ، ولهذا لم يكن الرحالة ولا الرواد الذين زاروا أوروبا ، وجالوا في مدن الغرب طلبا للعلم والمعرفة وتحقيق مهمات سياسية وسفارات معينة اقل ذهولا وتعجبا من أسلافهم الرحالة والجغرافيين الذين جالوا العالم القديم ، الإسلامي وغير الإسلامي ، ولا اقل ولعا بوصف الغرائب والعجائب ، وقدموا اثنوغرافيا (وصف أساليب حياة الشعوب) ثرية ، ولكنهم أصدروا أحكامهم القيمية على الآخرين من موقع التفوق والأفضلية ، وأضافوا ما يمكن إضافته من غرائب وعجائب ليس لها علاقة بالواقع ، وتذرعوا بالنقل عن فلان... والحديث عن أهل كذا... وما يزعم سكان كذا... لتحقيق الإثارة والتسلية أكثر من اهتمامهم بالمعرفة الحقيقية المطابقة للواقع والموثقة ، وتحفل كتابات ابن بطوطة وابن جبير بتلك المبالغات والتهويمات والأحكام القاسية ، لخلق نص عجائبي ، او رسـم معجبة ، فهذا ابن فضلان يقدم صورة عجيبة وكاريكاتورية للروس قائلا: ((هم أقذر خلق الله (وكأنه عرف كل خلق الله) ... والغريب أنهم لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من طعام بل هم كالحمير الضالة))

وحتى التوحيدي الذي يمثل النزعة الإنسانية في الفكر العربي الإسلامي لا يتردد في إصدار الأحكام على عواهنها ناهلا من مخزونه الثقافي التقليدي ما ينافي إنسانيته قائلا في الإمتاع والمؤانسة((الصين أصحاب أثاث وصنعة ولا فكر لها ولا روية والترك سباع هراش والهند أصحاب وهم ومحرقة وشعوذة وحيلة والزنج بهائم هائمة ، أما العرب فهم أعقل الأمم لصحة الفطرة واعتدال البيئة وصواب الفكر وذكاء الفهم))

ومثل ذلك رحالة عصر النهضة العربية ، الذين لم يجدوا في معجمهم الانثروبولوجي واللغوي غير العجب والعجائب للتعبير عن مشاعرهم.

فهذا عبد الرحمن الجبرتي ، الذي أرّخ للحملة الفرنسية على مصر سنة 1790 ، واحتك برجالها وبعلمائها ، يقول في معرض وصفه للتجارب العلمية في مختبرات الفرنسيين التي دعوه لمشاهدتها ((لهم فيها أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا)).

أما معاصره ، الشيخ حسن العطار ، أستاذ الطالب النجيب رفاعه الطهطاوي فيقول ويصف في مقامته الشعرية ، مقامة "الأديب الرئيس في وصف الفرنسيس" الفرنجة او الفرنسيين بألفاظ العجب والعجاب ، ومثل ذلك وصف تلميذه الطهطاوي لباريز ، وهو منذ اللحظة الأولى التي هم بها وتأهب للسفر ، ومفردات العجائب والغرائب تملأ عقله ووجدانه فيقول (( فلما رسم اسمي في جملة المسافرين وعزمت على التوجه أشار علي بعض الأقارب والمحبين لا سيما شيخنا العطار فهو مولع بسماع عجائب الإخبار وغرائب الأخبار والاطلاع على غرائب الآثار أن أنبه على ما يقع في هذه السفرة وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة وان أقيده ليكون نافعاً)).

والنص بتكرار نفس المفردات دال على ذاته بذاته ، وعلى هذا فلم تكن تلك المعجزات إشارات او علامات خطر على الشرق ، او على التفوق التاريخي للغرب ، الذي كان وما زال محصلة الثورات والقرون المتتالية من التقدم والنمو ، نقيض الانحطاط العربي القائم منذ مئات السـنين ، فتم نزع هذه المنجزات من سـياقها الموضوعي ، ونقلها إلى سياق آخر: أي من الغرب إلى العقل الغيبي: عقل الخوارق والمعجزات والأعاجيب لتفهم فهما غرائبياً خاصاً يطابق المعجزات والاختراعات ، فهي غرائب وأعاجيب او "غرائب الغرب ورغائبه" كما يقول محمد كرد علي ، وهي خارقة للعوائد ، لا تحفز إرادة ولا تفكير ، بل تدفعنا للسـكينة والاستسـلام والدهشة المفرطة التي تشل المسـاءلة والنقد ، وسـرعان ما تتحول إلى حالة شعورية وسلوكية تتلبس الفرد العاجز بدلا من تحفيزه على التعلم والاقتباس ، وحتى تتجاوز الذات العربية المجروحة دونيتها أمام التفوق الغربي ، وتعود لنرجسيتها ووهمها بالتفوق والقوة على الغرب والآخرين ، تتحايل وتكابر للتقليل من أهمية تلك المنجزات ، وكأن شيئا لم يكن: كالإعلان عن السـبق الحضاري الذي سـجلته الحضارة العربية الإسـلامية على الغرب ، ونقلته إلى أوروبا ، وكان سـببا في نهوضها وتقدمها ، إلى آخر معزوفة التنويه الذاتي ، او بحيلة أخرى ، تتلخص بتبخيس قيمة تلك المنجزات على اعتبار أنها تقدم مادي لا قيمة له مقارنة بالسـمو الأخلاقي والروحي للعرب والمسـلمين... إلى آخر السردية التي تداولها المثقفون العرب ، من جمال الدين الأفغاني ، إلى العقاد ، وتوفيق الحكيم ، وسيّـد قطب.

وتحفل كتب الرواد والرحالة في العصر الحديث بهذا الشعور الدوني ، الذي يخفي يأسـاً ومرارة من أوضاع الشـرق مقارنـة بالغرب ، ويجدون العزاء لأنفسـهم بتلك التهويمات والسرديات التي تجاوزها العقل والتاريخ ، ويبقى الإعجاب بغرائـب الغرب متغيرا ثابتاً على صعيد ابستمولوجي ، فهذا فرنسـيس فتح الله المراش الليبرالي يصف باريز في رحلته الباريسـية قائلا ((هي مركز مجد العالم وأعجوبته ومصب أنهار العجائب وموقع أنـواع التمدن والآداب)).

وأما الشيخ محمد إدريس العمراوي المغربي ، الذي زار باريس في مهمة خاصة سنة 1860 ، فعبّر خير تعبير عن التأويل العجائبي للأشياء مرددا مفردات العجيب والغريب ، والغرائب والعجائب عشرات المرات فيقول عن القطار الذي دخل الخدمة قبل ذلك بسنوات قليلة ((والقطار من عجائب الدنيا أظهرها الله في هذا الوقت على أيديهم تحير فيها الأذهان ويجزم الناظر إليها بديهة أن ذلك من فعل الجان وانه ليس من طرق الإنسان)).

ومثله مثل فقهـاء الشـام ، الذين ترددوا في تحليـل ماكينـة الخياطة ، وبريموس الكاز ، وتصوروه مسـكونا بالجان والعفاريت ، أما الشيخ المصلح محمود شكري الالوسي 18566( - )1924 في العراق ، فاضطر للرد على المشـايخ والعوام ، الذين من فرط إعجابهم بأحد المدافع التي اسـتخدمها السـلطان العثماني مراد ضد الفرس لإخراجهم من العراق ، حولوا إعجابهم إلى نوع من التقديس والوثنية ، وأصبح موقع المدفـع مزاراً شـريفـاً ، فكتب رسـالته ((القول الأنفع في الرد على زيارة المدفع)).

لقد حال القياس والتفكير الغيبي دون تمثل الحداثة في معناها الحقيقي ، ولن تتحقق كما يقول المفكر التونسي محمد الحداد ((إلا بالفصل بين الإيمان والتمدن ، وإدراك الذات أن قوة إيمانها لا تزيدها شيئاً لمواجهة ضعف تمدنها. وفي هذا السياق ، تبطل أن تكون المنجزات الغربية عجائب وآيات لعظمة الله او قرائن لنقمته على الكفار)).

ولكن أزمة العقل الغربي تكمن في مكابرته ، وعدم الاعتراف بهزيمته ونواقصه ، التي تفرض عليه الاقتباس والتعلم ، فعندمـا يضطر اضطراراً لذلك ، يسـوغ ذلك بشـتى الطرق والفتاوى والتأويلات التي ترفع عنه الحرج لتســويغ وقوننة الحداثة الماديـة الغازيـة ، مبقياً على تصوراته وسردياته التي تجاوزها التاريخ لذاته ، لا يغادر مواقعـه الفكريـة ليتوهم ويجد نفسـه مسـتهدفاً بتراثـه ، وممتحناً بإرادته وإيمانه في دار البلاء ، أمـا مشـكلات النمو والتغير الاجتماعي الناتج عن الثورة العلمية في الغرب فاعتبرها أزمة روحية ، ومرضاً عضالاً لن تشفى منه حضارة الغرب إلا بالدواء الذي يملكه الشـرق ، فبدلا من تجاوز سلطاته المعرفية المتحكمة فيه جر الغرب اليها.

لقد كان الإعجاب بالغرب وتنميطه جزءا لا يتجزأ من عملية اكبر تتمثل في غربنه الغرب لخلق غرب من المشاهدات السطحية والنصوص بعيدا عن الغرب الحقيقي ، حتى تنطبق عليه أدوات التمثل والسيطرة التقليدية ، التي تعجز عن امتلاكه في حقيقته الكلية المطابقة لذاته ، وبالتالي ، فعملية امتلاكه او محاولة امتلاكه على حقيقته تعني أسرها هي في قوانين الغرب وشرقنته ذاتها الشرقية ، ما دامت فاعلية الغرب وقدرته على الاحتواء والسيطرة السياسية والمعرفية ماثلة للعيان ، ولن تنال من الغرب: بل من المحكومين بسلطاتها المعرفية لتأبيد هيمنتها ، وتعزي نفسها بالهروب إلى الأمام بوعدها استعادة مجد العرب والمسلمين بالعودة إلى الإسلام واللحاق بالغرب: بل والسيطرة عليه وتجاوزه ، وما هي إلا بضع سنوات تمتد من خمس سنوات عند شكيب ارسلان ، إلى أربعين سنة عند الكواكبي حتى يتم استعادة هذا المجد الضائع ، ولا يعكس هذا كله إلا عقم التحليل والمنهج الرغائبي الميتافيزيقي ، والجهل المطلق برهانات التاريخ والتاريخانية.



ہ كاتب وشاعر أردني

[email protected]



Date : 30-01-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش