الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوسف غيشان يعاين طفولته بعين ناقدة منحازة للكوميديا والحياة

تم نشره في الأربعاء 29 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
يوسف غيشان يعاين طفولته بعين ناقدة منحازة للكوميديا والحياة

 

الدستور ـ إلياس محمد سعيد

"كشف علامات وليس شهادة" كان العنوان الذي اختاره الكاتب الساخر يوسف غيشان لـً (شهادته) على جزء من تجربته مع الكتابة الساخرة ، والدوافع التي جعلته يتجه إلى هذا النوع من الكتابة الإبداعية. قرأ هذه الورقة على الحاضرين في الأمسية التي أقيمت له مساء أول أمس من ضمن فعاليات "أمسيات الأدب الساخر" التي ينظمها مهرجان الأردنّ في المركز الثقافي الملكي المسرح الدائري ، اختار يوسف غيشان أنْ يحكي لنا نًتَفاً من طفولته ، وبالطبع كان ذلك بأسلوبه الساخر الذي يتسم بفرادة خاصة وضعته في منزلة ريادية من بين الذين يكتبون في هذا الحقل ، وليس هذا على مستوى الأردن فحسب ، بل على مستوى العالَم العربي أجمع. راح غيشان ، في الورقة نفسها ، يحكي لنا عن اللحظة التي رأتْ عيناه فيها شعلة هذا الكون من بعد تسعة أشهر قضاها في ظلام رحم والدته: فقال عن لحظة ولادته: "مَزَطَتْني الدّايَةُ لبيبة المَقابْلة فجر يوم الأربعاء في 18 ـ 9 ـ 1956".

"ولًدتُ من أسرة ماكْلًهْ هَوا ومْطَرْمًجة" ، بهذه الكلمات وصف يوسف غيشان الفقر الذي كانت تعانيه أسرته أيام طفولته. وإذْ لم يكن هذا الفقر من اختصاص عائلته وحدها آنذاك ، فهو يصور لنا فصل الربيع الذي كان مصدراً لكثير من الأطعمة النباتية التي كان الناس (وأظنُّ كثيراً منهم ما زالوا) يعتمدون عليها ، وهي نباتات يسميها الكاتب "نباتات الربيع الجرباء" ، ويذكر أمثلة عليها "الخبيزة والعلت وجْريّة الحمامة والبابونج والعكّوب والفيتة". ويعتبر الكاتب نفْسَه ، وهذا كله بسخرية منقطعة النظير ، أنه كان يتحول "في الربيع إلى (تأبّط خُوصة)". ثلاث جرعات من الفصام النفسي تعرض لها يوسف غيشان منذ ولادته: الأولى كانت عندما اختلف الأهل على تسميته قبل أنْ يفرغوا من توزيع "نُصًيَّة الحلاوة بكرم مفتعل" يوم ولادته: فمنهم مَنْ سمّاه جريس ، ومنهم مَن سمّاه يوسف ، وها هو يحمل "الاسمينً حتى الآن". أمّا "الجرعة الثانية من الفصام تلقاها الطفل" ، يقول يوسف غيشان: فكانتْ "حينما أدرك أنّ الوضع الطبيعيّ للأتراب أنْ يحظى الولد بأم واحدة فقط لا غير ، بينما كان يتوزع هو بين أمّينً: أمّْ بيولوجية ، وزوجة أب". اكتشف يوسف غيشان الطفلُ الجرعة الثالثة "متأخراً" ، كما يقول ، وكان ذلك "حينما أدرك أنه ، وخلافاً للمقولات السائدة وللقصص المحكية حول جَوْرً وظلم زوجة الأب: فإنّ زوجة أبيه الأولى تبنَّتْهُ منذ الولادة ، وكانت تحميه من هجمات الأم الانفعالية ، الغيورة ، أحياناً".

تكمن أهمية عمل يوسف غيشان في - وهذا رأيّ شخصيّ جداً - هو قدرته الباهرة ، والاستثنائية بشكل استثنائيّ ، وقدرته الذاهلة ، والفائقة أيضاً ، على تبيين أنَّ هناك جوهراً آخر لما هو تراجيديّ: لا يقل جوهرا عن أهمية المأساويّ نفسه: إنه الساخر والهزليّ ، وربما الكوميديّ ، ولذلك لا يجب أنْ نستغرب حين يستخدم غيشان تعبير "التراجيوكوميديا" ليصف معظم الأحداث والوقائع التي نأسى لها إلى حد البكاء أحياناً. هكذا نرى يوسف غيشان ، وعلى العكس مًنْ معظمنا ـ إنْ لم يَصًح لي الزعم بأنه على العكس منا جميعاً ـ يفرح لذًكْر الحصبة الألمانية.. أمّا لماذا ذلك؟ ، فيوضح الكاتب بذكر الحادثة التالية كما رواها للحاضرين قائلاً: "كانت أوَّلَ جرعة بون بون (حلويات) أتعاطاها حين تعرضتُ لمرض الحصبة الألمانية ، حيث أنعمَ عليّ الوالد بورقة دفتر مليانة بالملبس الحثان المكسر من قاع مطربانه العتيد ، وما زلتُ أرتعش فرحاً حتى الآن عند ذكر الحصبة الألمانية التي كانت رعشات حمّاها مثل السيمفونية الرائعة لًما حصلتُ عليه من تدليل ولأنها أوقفتْ الضرب (التدليك) ، ولو إلى حين".

كانت حياة يوسف غيشان ، كما قال هو نفسه ، "مرسومة في اتجاهينً فقط: فإمّا أن أتحوّل إلى سَرْسَرًيّْ ونصاب ولص وربما شاذ ، وإمّا أنْ أتحول إلى ساخر يضحك من الجراح ويعلو عليها ، وقد اندفعتُ تلقائياً نحو الخيار الثاني ، ربما لأني أجْبَنُ من أنْ أكون قاطع طريق أو نصاب".

يوسف غيشان قرأ على الحاضرين مجموعة من المقالات اختارها من كتابيه: "لماذا تركتَ الحمار وحيداً" ، و"مؤخرة ابن خلدون". وهنا لا بد لي أنْ أنوًّه إلى أنّ عنوان هذا الكتاب ورد في المطوية التي أصدرتها إدارة المهرجان حول فعاليات "ملتقى الأدب الساخر" كان "مقدمة ابن خلدون". أمّا ما ادهشني مما اختاره يوسف غيشان ، وقرأه علينا بشكل مقتضب من "مؤخرة أبن خلدون" فهو مقالته فساد التي وردت في الكتاب على نحو صفحتين: فتلك المقالة لا تتكون إلاّ من تكرار كًلمة فساد. في الواقع استغربتُ ذلك حين قرأتُ الكتاب ، لكنه ، أول أمس ، أشار إلى المناسبة التي كتب ذلك المقال لها ، فقال عن رئيس وزراء في أواخر التسعينيات من القرن الفائت إنه أعرب لوزير الإعلام في حكومته أنه لا يحبّ سماع كًلمة فساد ، وبالطبع أراد يوسف غيشان أنْ يُسمًعَهُ ووزيرَهُ إياها عشرات المرات، أرجو من يوسف غيشان أنْ يضع إشارة ، ولو بسيطة ، تجعل القارئ يدرك مدى السخرية الهائلة التي تنطوي عليها تلك المقالة.

قدّم الكاتب ، وأدار الحوار الذي تلا الأمسية الشاعر والكاتب زياد العناني.

التاريخ : 29-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش