الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نصوص * أوراق شاعـــر * زياد أبولبن

تم نشره في الجمعة 24 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
نصوص * أوراق شاعـــر * زياد أبولبن

 

 
نظر خلفه في انحناءة منكسرة حتى العظم ، لم يعرف أن هذا العالم أصغر من ذرة تدور في فضاء غرفته المعتمة عندما داهمته شمس الصباح ، فقد جمع أوراقه التي سجّل فيها أحلى قصائده ، كما كان يدّعي ، فكل الأصدقاء قالوا عنها قصائد أحلى من العسل ، فالذين قرأوا عناوينها في الصحف الصفراء ، أو قرأوها كلّها دون أن يفهموا منها كلمة واحدة ، ليس مهمّا إن كانوا قرأوا أو لم يقرأوا ، المهم أن كلمات الاستحسان والثناء دفعته كي يكتب عشرات القصائد بل المئات فامتلأت الدفاتر وأطراف الكتب وحواشي الصحف. يكتب في أي وقت ، وفي كل الظروف ، شاعر لا يشقّ له غبار أو عاصفة هوجاء ، فأين ذهبت كل هذه الكتابات التي لم يدرك أنها تُركت في زاوية غرفته المعتمة ، وداهمها مطر الأمس الذي لم ينقطع حتى أغرقت الأرض حدّ الضجر؟ مياه تسحب الأوراق في الممر الضيق الذي يفضي إلى مجاري الحي المكشوفة التي تفوح برائحة اعتاد عليها أهل الحي ، وأصبحت أمرا واقعا يتعاملون معه كأنه نسمات شمالية تهب في ساعات الليل ، وتتبخر في ساعات النهار.
قطع مسافة طويلة وهو يشمّر عن ساقيه ، يخوض غمار مياه الأمطار التي اختلطت بمياه المجاري ، حتى وصل بيته.
وجد بعض القصائد تطفو فوق سطح الغرفة ، أخذ يجمع الأوراق كمن مسّه الجن ، وهو يردد: أبو حيان التوحيدي أحرق كتبه ، وأنا أحرقتني الكتب ، نيرون أحرق مدينته ، والمطر أغرق مدينتي ، خليل الحاوي مات منتحرا ، وأنا أحيا منتحرا.
بقي يردد تلك العبارات في هلوسات يصاحبها ارتفاع في درجة حرارة جسمه. نام تلك الليلة يهذي من حرارة جسمه ، كأنه أصيب بحمّى. حلم أن أبا العلاء المعري يقف أمامه يقلده وسام شعراء ما بعد الحداثة ، وكان أبو العلاء يقرأ كلمة مكتوبة بخط يده ، ويجلس في الصف الأمامي من القاعة بشار بن برد الذي أخذ يرقص حاجبيه إعجابا بكلمة المعري ، ويغمز بطرف عينه لطه حسين ، وطه يهمس في أذن الرافعي أن الذي يجلس في زاوية القاعة ذاك محمود درويش ، وفي الزاوية الأخرى أدونيس ، فابتسم المتنبي لهما ، وكاد سعال ابن خلدون المتواصل أن يفسد جوّ الاحتفال ، وكلّما عطس قال له الجابر "يرحمكم الله". صحا فجأة من نومه أثناء تصفيق حار من الحضور. نظر حوله وكرر عبارة "اللهم اجعله خيرا".
كان الصباح مشرقا بشمس دافئة على خلاف ما كان يوم أمس ، فطقس آذار كما تقول العجائز "يوم شمس ويوم أمطار". نشر قصائده على حبل الغسيل ، ولم ينس أن يثبّت الأوراق بملاقط الغسيل. كان سطح بيته دفترا منشورا على الملأ ، وكلّ من مرّ من أمام بيته ينظر إلى صفوف الأوراق المعلقة ، وبعض المارة أخذ يتندّر بكلماته ، فأحدهم علّق قائلا: هذه أوراق شوقي ، وقال آخر: وأنت الصادق هذه أوراق الجواهري ، وقال ثالث: هذه أوراق شاعر الحداثة وأظنه أدونيس ...
سمع كلماتهم ، وابتسم في سرّه قائلا: كنت أظن أن أهل الحي لا يعرفون من الثقافة شيئا ، لكن أحمد الله الذي أحياني ، وسمعت كلماتهم ، وكنت أظنهم من حمقى ومغفلي ابن الجوزي ، ووجدت بعضهم من بخلاء الجاحظ ، و ...
فجأة هبت رياح شرقية شديدة عصفت بالأوراق في سماء الحي. بدأ يصرخ يا معري ، يا متنبي ، يا درويش ، يا أدونيس ، وهو يركض في شوارع الحي ، وأخذت ضحكات الناس تعلو شيئا فشيئا.

ہ قاص وناقد أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش