الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أفق * مقاومة الإبداع * جمال ناجي

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
أفق * مقاومة الإبداع * جمال ناجي

 

 
مضت عصور كثيرة على وجودنا المكابر على هذه الارض ، وشهد التاريخ الوسيط والحديث حقبا ومراحل حملت أسماء وعناوين متعددة: عصر الاستكتشافات ، الصناعة ، التنوير ، النهضة ، التكنولوجيا ، وأخيرا المعلومات.
ما يربط بين هذه العصور هو الإبداع المدعم بقوة العمل التي نفذت الأفكار الخلاقة ، فالذين قادوا عصر الاستكشافات الجغرافية هم مبدعون امتلكوا البصيرة النافذة ، والرؤية الصائبة الجسورة: كولومبوس ، هنري الملاح ، فاسكو دي غاما ، وسواهم.
كذلك الحال في عصر النهضة الذي تصدرته مجموعة من المفكرين والأدباء والفنانين: ليوناردو دافنشي ، مايكل انجلو وميكافيللي أيضا ( رغم الإختلاف معه وعليه) ، ثم عصر التنوير الذي أشرق بجهود المبدعين في حقول الفكر: فولتير ، روسو ، ديفيد هيوم ، وكثيرين سواهم.
أما عصر المعلومات فقد تعهده بيل غيتس ومجموعته الأولى التي تمكنت من انتزاع القوة والمال من الأثرياء الذين يؤسسون المنشآت و يشغلون العاملين ، وتسليمها إلى المبدعين الذين قادوا عصر المعلومات والمعرفة الذي نعيشه. نحن اذن أمام عصر جديد يستمد جذوره من التراكمات التي رافقت ارتقاء الإنسان منذ نشوئه ، ويقوم على قوة الإبداع ونفوذه الذي يتسع يوما بعد يوم. لا يعني هذا التقليل من جهود العاملين العاديين الذين يمارسون نشاطهم المهني أو الثقافي أو العقلي استنادا إلى المساطر التقليدية السائدة ، لكننا بصدد التوقف عند الجهود الإبداعية للمتميزين الذين يحققون قفزات نوعية سريعة في حقول الإنتاج والمعرفة والثقافة. العبارة المتداولة منذ زمن "بقدر ما تعمل بقدر ما تكافأ" لم تعد قادرة على حمل متطلبات التطور ، وربما وجب استبدالها بعبارة "بقدر ما تبدع بقدر ما تكافأ" ذلك أن الجهد والوقت الذي يمضيه الانسان في عمله ، لم يعد حريا بالاهتمام الذي حظي به في ما مضى ، لأن المهم الآن هو نوع وجودة وحجم الإنجاز المقدم في أقل وحدة زمنية وبأقل قدر من الجهود والتكاليف ، وهو ما لا يمكن تحقيقه الا من خلال الأفكار الملهمة التي يمتلكها المبدعون في مجالاتهم ، أولئك الذين يمتلكون الحق في تسيد المشهد.
مفهوم أن هنالك مقاومة للإبداع والمبدعين ، خصوصا في عالمنا العربي الذي ما ان يظهر فيه مهندس أو طبيب أو حرفي مبدع قادر على التجديد المثمر وابتكار الحلول الفعالة الناجعة ، حتى تبدأ مقاومته ومحاصرته باعتباره زنديقا يريد تدمير عالم العادي المتثائب ، وربما اقتلاعه من مواقعه التي يتمترس فيها منذ عقود.
الأمر ذاته ينطبق على الآداب والفنون وسواها ، هنالك مقاومة للإبداع الأصيل ، في مقابل الإعتراف والتسليم العالمي بأن : الإبداع أولا وثانيا وثالثا ، ثم يأتي دور الجهد ، والمثابرة ، والمواظبة ، وسائر التوصيفات والوصفات التي يستخدمها مؤلفو الكتيبات الإدارية. وبالطبع ، فإن هذا لا يعجب حرس الأفكار التي لا تتزحزح ، وموظفي الدور اليومي الذي لا يتغير ولا يتطور ، ومتعهدي وفنيي ومنفذي النسخ المكررة ، لذا فهم لا يكفون عن مقاومتهم الباسلة ، ويقومون بتوظيف علاقاتهم الشخصية والعامة ، واعتباراتهم العصبوية والعشائرية والعائلية ، لقطع الطريق على أولئك المبدعين الخطرين الذين يتوجب عرقلتهم ، حتى لو أدى ذلك إلى عرقلة تطور المجتمع برمته، على أي حال ، بوسع العاملين أن يزاولوا أعمالهم مثلما اعتادوا.
بوسع الفنانين أن يملأوا الجدران بلوحاتهم إياها مع تغييرات طفيفة في الاستخدامات اللونية والشكلية ، بوسعهم ملء المسارح والشاشات بعروضهم إياها مع اختلاف الزوايا والألفاظ.
بوسع الكتاب أن يغرقوا الأسواق بكتبهم الغزيرة التي تتكدس في نهاية الأمر في المستودعات الرطبة.
بوسع الواعظين أن يستمروا في تكرار مواعظهم استنادا الى النصوص إياها مع اختلاف النبرات وبوسع الصحفيين كتابة تقاريرهم بالأدوات ذاتها ، مع اختلاف المعلومات والأخبار.
هذا هو الأداء التقليدي وغير المبشر للحياة وللقائمين على تسيير شؤونها ، خصوصا في عالمنا العربي الذي لا يريد الانتباه الى القيمة العظمى والحاسمة للمبدعين ، الذين يستطيعون تغيير مسارات العمل وأنماط التفكير والتعبير والإنتاج ، ويبثون الحياة في عروقه التي تكلست وجفت.

ہ روائي وقاص أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش