الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الأولى لغياب صاحب «مقهى الباشورة» * خليل السواحري.. ريادة في فن القصة والنقد الأدبي والصحافة الثقافية * د. إبراهيم خليل

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
في الذكرى الأولى لغياب صاحب «مقهى الباشورة» * خليل السواحري.. ريادة في فن القصة والنقد الأدبي والصحافة الثقافية * د. إبراهيم خليل

 

 
تكتمل في العاشر من آب الجاري سنة واحدة على رحيل الكاتب الأديب خليل السواحري ، الذي عرفناهُ بنشاطه الصحفي المتصل ، والنقابي ، فضلا عن النقدي والإبداعي.
والسواحري لم يكن - بالنسبة لي ، صديقا حسب ، بل كان إلى ذلك أكثر من أخ ، يشكو لي همومه ، وأشكو له همومي ، في منزله أو في منزلي ، أو في أي مكان يجمع الأصدقاء والكتاب. عرفت السواحري منذ العام 1969 عندما كنت طالباً في السنة قبل الأخيرة في الجامعة الأردنية.
كان إذ ذاك قد جاء إلى الجامعة برفقة عدد من الأدباء أذكر منهم أحمد دحبور الشاعر ، ومحمد القيسي. وقد أحيا الاثنان أمسية شعرية علق عليها الزميل الشاعر وليد سيف ، وأدار الأمسية خليل السواحري. تلك كانت هي المرة الأولى التي أصافح فيها هذا الكاتب الذي قرأت له مقالات في مجلة الأفق الجديد ، والدستور.
بعد ذلك تعرفت على خليل السواحري ، وعرفت أن الإسرائيليين هم الذين أبعدوه من بلده ، وأنه كان يعمل مدرساً في رام الله ، وأنه على صلة وثيقة ببعض الكتاب من أمثال محمود شقير وأمين شنار ومحمد شاهين ونهاد الموسى وفاروق وادي الذي درّسه السواحري ونشر له أولى محاولاته القصصية ، ومحمود الريماوي ، وآخرين. وفي إحدى المقاهي الصغيرة بعمان في الشارع الذي كان يعرف باسم شارع فيصل وكنا نسميها من باب التندّر مقهى (خبيني) إذ من الصعب الاهتداء إليها لمن لا يعرفها ، في تلك المقهى ، وعلى كراسي القنب القصيرة الارتفاع ، وحول طاولات خشبية مربعة ذات طلاء بني قديم كنا نلتقي ، ونتحلق ، ينضم إلينا بعد ذلك موسى صرداوي وعز الدين المناصرة وعلي فودة ومحمد ضمرة وعلي البتيري وفخري قعوار والفنان محمود طه ، وعيسى الشعيبي ، والقاص إبراهيم العبسي.
في العام نفسه بدأت صحيفة الدستور تخصيص صفحة واحدة من صفحاتها الثماني للأدب. وحذت حذوها صحيفة الدفاع. وبدأنا نقرأ أشعاراً جديدة ، وقصصا قصيرة ، ومقالاتْ في الأدب ونقده. وكان السواحري هو أول من نشر لي مقالات نقدية عن الشعر ، وقال لي إنه يتوقع مني أن أضيف جديداً في النقد. بعد ذلك قرر السواحري السفر إلى الجزائر في إعارة تمت الموافقة عليها بين وزارتي التربية في الجزائر والأردن.
غير أن الحوادث المؤسفة التي وقعت في الموعد المقرر لسفر المعارين ألغت الإعارة ، فبقي السواحري ليستأنف عمله مدرسا في مدرسة رغدان الثانوية بجبل الحسين قبل أنْ يتم انتدابه للمكتب التنفيذي لشؤون الأرض المحتلة.
وفي هذا الطور استأنف صلاته بمفيد نحله الذي كان في حينه مديرا لمدرسة التطبيقات ، وتعرف إلى الدكتور خالد الكركي الذي كان في حينه مدرساً حديث التخرج. سنة 1972 نظمت أمسية قصصية في غرفة تجارة الزرقاء في مقرها القديم داخل السوق شارك فيها إلى جانب السواحري كلّ من فخري قعوار ، وهند أبو الشعر. وأعتقد أن صاحب الفكرة هو المرحوم الشاعر إلياس خليل جريس ، الذي كان في حينه على صلة وثيقة بجريدة عمان المساء لياسر حجازي. وُطلب مني التعقيب على القصص ، وكانت تلك هي أول أمسية قصصية تشهدها الحياة الأدبية في الأردن. وقد حققت نجاحا كبيراً من حيث الحضور ، وُنشر التعقيب.
ثم تتابعت هذه التجربة ، فقد دعا الدكتور وليد مصطفى ، من المركز الثقافي السوفياتي ، لندوة مماثلة شارك فيها إلى جانب القاص فخري قعوار القاص إبراهيم العبسي (1973). وقدمتُ تعقيبا ومتابعة نقدية للقصص. وفي هذه الأثناء تعرفنا على عدد من الكتاب منهم سالم النحاس ، وعصام التل ، وجمال أبو حمدان ، وإحسان رمزي. ولاحقا عرّفني السواحري بمحمود سيف الدين الإيراني ، وعبد الرحيم عمر ، وأمينة العدوان ، وهدى صلاح ، التي كانت تشرف على مجلة رسالة الأردن التي تصدر عن دائرة المطبوعات والنشر في موقعها القديم على مقربة من الدوار الثالث في جبل عمان. وأول مرة التقيت فيها تيسير سبول كانت في منزل السواحري. وتناولنا في الحديث أوضاع الضفة الغربية في ظلّ الاحتلال لأنّ تيسيراً كان عائداً لتوّه من زيارة قام بها إلى الأراضي الفلسطينية بما فيها تلك التي احتلت منذ عام 1948 لاستكشاف الظروف الكارثية التي نجمت عن الاحتلال.
وأول مرة التقيت فيها أمين شنار كانتْ بفضل الأديب السواحري الذي اصطحبني إلى منزله في جبل الحسين ، وكان الأستاذ كامل الشريف أو محمود الشريف - لا أذكر - قد كلفه بإقناع المرحوم أمين شنار بالعودة بالكتابة في الدستور بعد أن أقيل من العمل في التلفزيون. والحديث مع أمين شنار ، على عذوبته ، لم يتجاوز الكلام على الأرواح ، والرؤى المنامية ، وكتب التصوف.
وفي العام 1973 تعرفنا إلى ذيب حماد ، وزوجته السيدة هيفاء حداد ، وكانا قد أنشآ داراً للنشر باسم دار فيلادلفيا بدأت أعمالها بنشر كتاب عن الفن التشكيلي في الأردن ، ومجموعة قصص لفايز محمود بعنوان "العبور دون جدوى". وقد دعا صاحبا دار النشر للقاءْ في مقرها في شارع الأمير محمد ، وحضر اللقاء عدد محدود من الأدباء أذكر منهم المرحوم عيسى الناعوري الذي بدأ الحديث بالتهجّم على الأدباء الشباب ، واتهامهم بأنهم لا يقرؤون. ولم تمْض إلا فترة قصيرة حتى كان تيسير سبول قد أنهى حياته بيده.
وجاء انتحاره المفاجىء لطمة قوية دفعت برموز الحياة الأدبية في الأردن للملمة بعضها إلى بعض. وبرز السؤال: إلى متى يظلّ الكتاب الأردنيون بلا رابطة ، أو اتحاد ، أو جمعية تضمهم ، وتهتم بالراحلين منهم على وجه التخصيص؟ فالظرف هو الذي فرض هذا السؤال.
وقد عُلم من الراحل الشاعر حسني فريز أن رابطة للكتاب كانت قد ظهرت في الخمسينات تضم عدداً من الأعضاء ، منهم: راضي صدوق ، لكن تلك الرابطة غيّبت عن الوجود ، وآلت موجوداتها لإحدى الجمعيات الخيرية. وفي هذه الأثناء تم عقد اجتماع في نادي خريجي الجامعة الأردنية في مقره القديم قريبا من الدوار الثالث في أول الشارع المؤدي من هناك إلى مستشفى الخالدي.
واتفق على وضع مسودة لنظام داخلي لرابطة أدبية باسم رابطة الكتاب الأردنيين. وعُهد إلى الزميل عدى مدانات بكتابة النظام بحكم كونه محاميا ، وكاتبا ، وأحد الأعضاء المؤسسين.
وتكررت الاجتماعات غير مرة ، وضمانا لموافقة الأجهزة المختصة ، تم إدراج عدد من المسؤولين في قائمة المؤسسين ، منهم - فيما أذكر - المرحوم سليمان عرار ، وجمعة حماد ، ومنهم: راكان المجالي ، من الرأي ، وآخرون.
وقد ظل خليل السواحري - وحده - هو الذي يتابع الموضوع لدى الدوائر المعنيّة ، كأنما هو العاشق الذي عناه بشارة الخوري في قوله: (أأنا العاشقُ الوحيدُ لتلقى ـ تبعاتُ الهَوى على كتفيّا) وظهرتْ الرابطة للوجود في أيار 1974 وكان أوّل نشاط لها هو نعْيُ أحد المؤسسين: القاص الأديب محمود سيف الدين الإيراني الذي انتقل إلى رحمة الله في 31 أيار 1974.
والسواحريّ مع نشاطه الصحفي ، لم يتوقف عن كتابة القصة القصيرة. وقد شهدتُ صدور المجموعة المشتركة (ثلاثة أصوات ، 1973) التي لم تكن في نظره بحجم الطموح الأدبي الذي يتوخاه. وظل يكتب القصص وينشرها في المجلات ، ولا سيما قصص "مقهى الباشورة" وعندما أنجز تلك المجموعة دفع بها للسيدة زهرة عمر من أجل طباعتها على الآلة الكاتبة.
وعندما أتمت الطباعة قمنا بمراجعتها سوية ، وتصحيح الأخطاء ، وقدمها للنشر في وزارة الثقافة بسورية. ما أتذكّره - في شيء غير قليل من التحفظ - هو أن زكريا تامر كان يعمل في وزارة الثقافة ، وكان محررا لمجلة المعرفة قبل أن ينتقل منها إلى مجلة الموقف الأدبي بعد أن تنحى عنها المفكر حافظ الجمالي. وكان أيضا من هيئة المحررين صفوان قدسي.
وقد اقترحت عليه اللجنة تعديلا طفيفاً في نهاية إحدى القصص. وعندما اطلعنا على التقرير لاحظنا أن نهاية القصة المقترح تعديلها تحتمل تفسيرات سلبية قد يستخدمها بعض المغرضين لإدانة الكاتب ، والتشكيك في موقفه من مقاومة الاحتلال ، وجاء التعديل الذي أجراه المؤلف تعديلا إيجابيا وفقا لجلّ الاحتمالات. وفي سنة 1977 أي بعد صدورها في دمشق بسنتين عرضت إحدى دور النشر في الكويت إعادة نشر المجموعة ، وطلب مني كتابة مقدمة للطبعة الجديدة ، ثم قمنا بنشر المقدمة في مجلة الأقلام العراقية قبيل أن تظهر الطبعة الثانية للكتاب عن دار كاظمة للنشر والتوزيع.
وبعد إنشاء دار الكرمل في عمان عاد السواحري ونشر المجموعة في طبعة أخرى (1989). ويعدّها كثيرون لبنة أولى في مبنى القصة الواقعية القصيرة في الأردن وفلسطين. وعندما قام مكتب صلاح الدين للنشر والتوزيع في القدس بنشر مجموعة محمود شقير خبز الآخرين (1975) وتلقيت نسخة منها ، قلت لخليل السواحري: إن وجوه الشبه بين أسلوبك وأسلوب محمود شقير كبيرة ، لا سيما فيما يخصّ العناية باللون المحلي ، والتركيز عليه ، فأجابني أنه هو أول من عني بهذا اللون من الكتابة ، وأنه ومحمود شقير كانا يتبادلان الاطلاع على ما يكتبان.
وعندما تناولت "خبز الآخرين" في مقالة نقدية نشرت في الدستور ، غضب محمود شقير بسبب هذه الإشارة ، وأخبرني فيما بعد أنه هو صاحب هذه الأسلوب وليس السّواحري.
وأودّ هنا أن أشير إلى أنّ قصة "المتفرجون" التي كانت قد ظهرت للمرة الأولى في مجلة الموقف الأدبي من القصص النادرة التي تظهر الرؤية النسوية لدى الكاتب في زمن مبكر لم يتحدث فيه النقاد لا عن النسوية ، ولا عن الجندر ، فالمتفرجون هم الفضوليون والثرثارون والمتشككون من الناس الذين لا هم لهم ، ولا شاغل يشغلهم ، سوى مراقبة المرأة ، والارتياب فيها ، وفي أخلاقها ، لأنها - باختصار - تقوم بعمل نضالي سري ، وهم لم يتعودوا من المرأة القيام بذلك. لذا ما إن يروها تغادر البيت ، أو تعود إليه متأخرة ، أو تستضيف فيه أشخاصا ، حتى يكثروا من الغمز واللمز. ولم يتضح لهم خواء ما يفكرون به ، ووضوح ما لديهم من سوء الظن ، إلا عندما تجلت الحقيقة لهم في وضح النهار ، وهي أن ما تقوم به تلك السيدة من تنظيم للتظاهر ضد الاحتلال ، والتصدي لمن يمسّون بقدسية المسجد الأقصى ، ضربّ من العمل السياسي غير المعلن.
عندئذْ تكتشف الغالبية العظمى من المتفرجين كم هم خاوون، ھولو لم يكتب السّواحري إلا هذه القصة لكان واحداً من أبرز القصاصين. بعد ذلك توالت قصصه ، وتنوعت جهوده ، بين مقالة صحفية ، وتحليل سياسي ، واجتماعي ، واقتصادي. واستمر في نشاطه على أكثر من مستوى ، في رابطة الكتاب ، وفي دار الكرمل ، وفي المؤتمرات ، التي شارك فيها في عواصم عربيّة ، وغير عربية كثيرة.
في مجموعته الأخيرة "مطرآخر الليل" قصتان في كل منهما ينعى الكاتب الأصدقاءَ كأنما كان على موْعدْ مع الموت. إحدى هذه القصص بعنوان: قاعة الدوريات ، وفيها يتغيب حسن الزيناتي الذي كان يألفه الراوي ، ويلتقيه يومياً ، ويراقبه ، وهو يقوم بحلّ المربعات ، طرداً للملل ، ودفعاً للسأم ، وعندما يتكرر غيابه لثلاثة أيام متوالية ، يعْمد الراوي ، من باب نبذ الشكّ باليقين ، للنظر في صفحة الوفيات ، ليجد نعيه فيها. لقد رحل الرجل - إذن - دون أن تتاح له - أي للراوي - فرصة التحدث إليه ، أو السير في جنازته مع من شيعوه. بعد ذلك توقف الراوي عن التردد ، والاختلاف ، لقاعة الدوريات.
أما قصة "دفتر الهواتف" ففيها يقوم الراوي بمراجعة الدفتر الذي يسجل فيه أرقام هواتف معارفه ، وأصدقائه ، ليجدَ كثيرين منهم قد فارقوا الحياة ، وأن يده لا تطاوعه في شطب أسمائهم ، وأرقام هواتفهم من الدفتر ، ولذلك يقرر شراء دفتر جديد بدلا من محو الأرقام التي امتلأ بها الدفتر القديم. وفي القصّتين يلاحظ القارىء المتأمل لما بين السطور ، أنّ السواحري - وكانت قد بدأت تظهر عليه أعراض المرض - يعبّر في هاتين القصتين عن وعْده مع الموت. لقد نشرت القصتان في عام 2003 وتوفي الكاتب في العام 2006. كان السّواحري - رحمه الله - على علاقة جيدة بالجميع ، وظلّ يتمتع بحب الكثيرين ، ومودتهم وتقديرهم ، واحترامهم ، على الرغم من الخلافات التي كانت تعصف أحياناً برابطة الكتاب. وعندما شيّع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير في شفا بدران - رجم الشوك - سار في جنازته كثيرون ، وترحّموا عليه ، وأما الذين كتبوا في المجلات ، والصحف ، باكين له ، مؤبّنين ، فكثيرون جداً.

ہ ناقد وأكاديمي أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش