الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اطلالة على سحر المكان * جدارا أُمُّ قَيس ، إمكيس أمْ مُكُوس؟ * أ.د. سلطان المعاني

تم نشره في السبت 18 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
اطلالة على سحر المكان * جدارا أُمُّ قَيس ، إمكيس أمْ مُكُوس؟ * أ.د. سلطان المعاني

 

 
تنثال الذكريات في ربوع أم قيس مُبْكًراتُ ندىً.. تمنح الأرض خصباً.. وشلال بًذار .. فهي بوابة التوق لًعَذْبً الإياب..ودرب البراري الجميل.. وتحنان الخطى.. تبوح زرقة حجارتها بحكمة فلاسفتها ، فها هو أرابيوس يسكب روحه لكل العابرين "أيها المار من هنا إليك أقول ، كما أنت الآن كنت أنا ، وكما أنا الآن ستكون أنت ، تمتع بالحياة فإنك فان".
وكأنما وقف أرابيوس في القرن الرابع قبل لميلاد مستغيثا إطلاق العنان للفرح ، ليعلن في غيابه الحضور فأم قيس سيدة مدائن العشق.. ما هجرها الفرح.. ولا تيبس عود الزهر فيها.. ولم تسكت أحاديث السمار في ليلاليها العذاب ، أم قيس المدينة التي تقرئ الدنيا السلام.. وتلقي عليها التحايا ما مرَّ بها بشر.. أشرعت نوافذ الفرح للآراميين والفينيقيين واليونانيين ، تهديم تحاياها وأمنيات طول البقاء. فالعبارات التي انفلتت من ميلاغروس حنينا ظلت مشبوبة لتلقى الحنين.. فنقش على عالم الحجر الأزرق خبايا روحه.. ليتناهى النداء مسامع كل من مر بقبره في جدارا ، فاستيقظت الدروب على أثير الكلمات: "إن كنت سورياً ، فلك مني تحية ، وإن كنت فينيقياً ، فلتعش يا سيّدي ، وإن كنت يونانياً فأتمنى لك الصحة ، وأما أنت ، فأجب على التحية بمثلها إنَّ الذاكرة التي نجسدها من خلال الكتابة تتلون بعددنا وبعدد الأماكن التي احتضنتنا في إطار التذكار والواقع.. وهنالك من الأماكن ما لم نألف وإيًّاه تذكاراتنا الفردية ، بل يَعظُم ليشكل فينا ذاكرة جمعية ، ترقى به لًيُكوًّن جزءا من الكينونة الوطنية ، وذاكرته التاريخية التي تُوَلًّفُها أوابًدُهُ وزخم المكنوز التراثي المادي والشفاهي.. فيكون بحجم الوطن حدودا ، ترتسم ضفافه عند حد الذاكرة وما حلا لها من امتدادات في الأفق.. فجدارا صرح نبلائها ، ومدارج المروءة والإباء ، وقد زرعت الوجدان علياء وآلاء بيمين طهرها ، وهي تهتف بعبق سناها ، وسفر خلودها ، وشمائل عظمتها ، حيث آدابها وأشعارها وشعاع نورها ووحي رسلها.. حضارةً.. ورسالة.
وذاكرة المكان الحقيقية لا نتسلخ عن الواقع بأية حال ، إلا في الغياب الزمني المحسوس ، والذي يُبقي يَقينَهُ الأثرُ المحفوظ في جوهره المادي الباقي ، أو فيما يعتلج في الصدور من مشافهات وبقايا صور تلونها الذاكرة وفق المشتهى.. وشأو القصائد بأنسام معانيها وحروفها حيث تزهو حصافتها وفصاحتها. فالذاكرة في أم قيس فن إبداعي نسكبه بوحا كيفما نتوق ، ولا نؤدلج فيه أي بُعدْ كان سوى تفكيك الواقع وإعادة تركيبه كما ينبغي لبهاء جدارا ، وهي مهمة عسيرة يحار فيها المبدع والملهم ، إذ أن حنق المسافة وضيقها بين الواقع الفتان والمتخيل المبدع تترك للذاكرة الترحال بين ما ترى العين وما تنظره البصيرة ، وتنحصر المسافة بينهما حد الالتصاق.
ورغم السكون الظاهري في آثار أم قيس ، فإن البنى التاريخية والوظيفية لهذه المواقع تشي بحركية صاخبة تسرد منتجا فكريا وأدبيا وتاريخيا يجعل المكان توليفة نتاج مبدع يُحفًّزُ الذاكرة على نبش المكان وصوغه حاضرا جميلا ، له ذات الحضور أيام ارابيوس وميلاغروس ، والديكابوليس.. فجدارا.. حضور التاريخ.. والتَّوَرُّد.. يُجَلًّلُ هاماتها الشوق.. تَوْأمَت نفسها بأحداق شموسها وبراءة الطفولة.. تزرع نعناعها لفرسانها.. وتريق على شرفة الحق واللظى دماء غاصبيها.. وهي المليحة تَعْصُب جَبهَتَها بأَنَفً الأردنيات كما يشأن لا كما يشاؤون. جدارا مدينة القصائد والشعراء ، ماذا تراهم كتبوا فيها ولها؟ ومن الذي منح الآخر بهاءه ، وعبقرية الإلهام ، ميلاغروس ، ومينيبوس ، أم حجارتها السود؟ وقد زركشت الأفق بالأخضر والأزرق ، وكل أقحوان البراري وزهر البساتين ، وماذا همست لهم أرض بيسان والجولان عن فاتنة الديكابوليس جدارا؟ ففي لحظات الكبرياء ، وعلى خشبات مسارحها علا صوت ثيودوروس خطيبا ، يعلم مدن العالم في القرن الأول الميلادي الفصاحة ، وعبقرية المكان ، ويبثهم المجد والعنفوان في سَوْرَةً البناء والتحدي.
وتصبح جدارا سيدة المدائن في القرن الثاني الميلادي ، يكسوها التألق والمجد بغاياته ووجوهه الفكرية ، والثقافية فخرا لم تدانيه في زمانها سوى أثينا ، وقد رأى ميلاغروس في مسارحها وأعمدتها وشوارعها المبلطة ومعابدها ما يؤهلها لأن تكون قرينة أثينا في الشرق ، غير أنها ربيبة الحضارة الهيلينستية ، التي مازجت روح الشرق بخصوصيتها مع الفكر الروماني المادي ، مما منحها روحا نتقمصها ولا يدرك سحرها سوانا ، في الصف العلوي من المسرح الغربي لجدارا تحضر الأشياء ومكنوناتها ، وتقفز كل لحظات الزمن الجميل أمامك عالًمةً ومُعْلًمَةً ، فعلا خشبة مسرحها ، ميلاغوروس وأرابوس وثيودوروس ، وهم ينتظرون السيد المسيح مباركا المكان بجلاله وروعته.
تسامرك في ليالي جدارا الأنجم الضاحكات.. وعذوبة الأنسام الندية.. ورجع الصدى من غابر التاريخ ، وهي التي نفثت في قلم استرابو عشق المكان ، فكتب في القرن الأول قبل الميلاد: "إن الرومان الذين يتلذّذون بالحياة يصعدون إلى جدارا".. يأتون إلى مدينة العشق والشعر والمسارح.. يأتون إلى أنوثة الأرض وهي تزدان بخصبها.. "لينعموا برطوبة قممها" .. حيث تفجؤهم الدهشة بباكورة النظرة الأولى نحو طبريا واليرموك والأخضر الممتد في الصدر قبل ترابها وحجارتها.. فيا لأشجان روما في جدارا ، وأهلها "يقضون أوقاتهم بمشاهدة المسرحيات التي تقام على مدرّجاتها".
جدارا تعلو كما النسر ينشدها إلفاً وسكناً.. تشرف على الأزرق الممتد في الأفق.. وعلى بساط الأرض المختالة ريا وخضرة.. وتحاكي التاريخ بكل اللغات ، وهي التي حملت لنا مخطط المدينة اليونانية والرومانية ، واحتفظت بكل ألقها الروحي الشرقي منذ آلاف السنين.
فاحمل حدقة العين على التجوال في مدينة التاريخ الوادعة.. واطلق لها سحائب الذكرى في الأكروبوليس اليوناني ، وعرج على كل طرقاتها وورد بواباتها التي يفوح عبق التاريخ من ردهاتها ، وهي التي تأسست في عهد المقدونيين ، واصطبغت بالحضارة الهيلنستية بعد سيطرة انتيخوس الثالث عليها في القرن الثاني قبل الميلاد ، وتعرضت بعده في النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد للاحتلال على يد القائد الروماني جاتيوس ، الذي أكرمها وفاء لابنها ديمتريوس محرره من العبودية ، فنالت جدارا حظوة الانتساب إلى الديكابولوس حتى خضعت لسيطرة هيرودوس ، وقد دخلتها بعده جيوش الفرس ، وظلت مطمعاً لكل غريب ووافد إلى أن اعتمرت أكاليل الغار بدخول جيوش الإسلام زمن الفاروق وبقيادة شرحبيل بن حسنة إليها ، ففاضت تقىً وندىً تملأ الدنيا وتُذكي السُؤددا.
وحيثما وليت في جدارا فثمة ما يأسر الروح ويفيض الوجدان ، فما الذي يرويه لنا بيت الملكاوي عن الناس في أم قيس ، وعن ودورهم في بناء الأردن الحديث؟ وما الذي تحفظه لنا عتباته عن ذلك الاجتماع بين الشيوخ والزعماء تركي المفلح العبيدات وسليمان الروسان وعلي خلقي الشراري وغيرهم من رجالات الأردن في شماله ، وفرضهم حكومة وطنية على ممثل الحكومة البرطانية تضم كل ألوية الأردن؟ جدارا عروس الشرق لم تهدأ بيوتها ولا ساحاتها ولا طرقاتها ، مند العهد المقدوني حتى يومنا هذا ، فهي المدينة التي تسمت بهذا الاسم الآرامي والذي يعني الجدار والسور ، إنها المدينة التي تحتضنها الطبيعة بسياج تَشَكَّل واديا في بعض جهاتها ومرتفعا في آخر. أما الاسم أم قيس فله من الاشتقاق الشعبي قصة غير قصته التاريخية.
حيث إننا لم نجد بين أسفار التاريخ ما يشير إلى الاشتقاق الشعبي لاسم المدينة أم قيس ، وهو أن ملكة بلغت من العمر عًتيَّا دون أن يكون لها ولد ، وكانت قد نذرت أن تسميه قيسا إذا رزقت بمولود ذكر ، فلما ولدته دعته قيسا تيمناً باسم الإله السامي المعروف قوس.
وحقيقة اشتقاق التسمية ودلالته مأخوذة من طبيعة المنطقة التي كانت في العصرين المملوكي والعثماني ممرات تجارية مهمة ، حيث الشونة الشمالية ، مخزن الحبوب والقمح ، ومنطقة الخراج ، البلدة التي تؤخذ فيها ضريبة غلَّة الأرض على سكانها من غير المسلمين ، وتبقى هذه الضريبة التي فرضت زمن عمر بن الخطاب حتى لو أسلم أهلها ، ووادي الغفر ، وهو في العثمانية باج غفر ، وهي الضريبة التي تؤخذ من التجار مقابل استخدام الطريق ، وكذلك الحال في أم قيس ، والتي هي تحريف للكلمات: مقيس ، مكيس ، مكوس ، وهي ضريبة المُكوس التي تؤخذ على من يدخل البلد من التجار.
جدارا .. سيدة الفصول ، حورية طبريا.. حارسة حرمون.. وغزالة الجبل.. ينحاز لها القلبُ نبعَ مسراتْ يهمي في بيدر الصبوات .. فسيان تحدَّر القلب إليها أم صعد.. تبقى جدارا هناك.. تفرش زرقة السماء.. سجادة مخملية للروح.. ونهرا من رحيق.
[email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش