الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فنون * بمناسبة استحداث جائزة فنية باسمه إسـماعـيل شـمـوط حُضور مُؤثر.. وغياب لا يُعوَّض * غـازي انـعـيـم

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
فنون * بمناسبة استحداث جائزة فنية باسمه إسـماعـيل شـمـوط حُضور مُؤثر.. وغياب لا يُعوَّض * غـازي انـعـيـم

 

 
يعد الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط الذي حقق أسلوباً متميزاً عبر المراحل المختلفة التي مرت بها مسيرته الفنية ، والتي دلل عبرها على تنوع طاقاته الفنية القادرة على التعبير عما يرغب به ، حتى استقرت تجربته على أسلوب خاص به. إنه أحد أهم الفنانين في الوطن العربي ، حيث تميز عن جيله من الفنانين العرب بأنه اختار منذ البداية أن يكون لفنه طعم الحياة الحقيقية ، حيث اختلط فنه بنضاله السياسي ، وبدفاعه عن حريته وحرية شعبه ووطنه ، وهذا ما ينعكس في قوله: "أنا لا أقدم فلسفة جديدة ، أنا من اللد في فلسطين وهذه بعض جراح شعبي وجراحي ، آلامهم آمالهم وآمالي ".
وظل يدافع عن فكرته وموقفه هذا حتى آخر حياته ، ولذلك فقد أحدث غيابه عام 2006 دوياً في الحياة الثقافية والفنية في فلسطين والوطن العربي ، ولا تزال الأوساط الفنية والثقافية تستعيد ذكراه وتتحدث عن تراثه الفني والنضالي بتقدير كبير. وها نحن بعد رحيله الذي لا يُعوّض ، نعود إليه ونرجع بالذاكرة إلى سيرته ومسيرته.
ولد الفنان الراحل إسماعيل عبد القادر شموط في مدينة اللد يوم 2 ـ 3 ـ 1930 ، لعائلة متوسطة الحال كانت تتاجر بالفواكه والخضار ، وقد برزت مواهبه في الرسم بالمرحلة الابتدائية الأولى في مدرسة اللد ، فرسم بقلم الرصاص والحبر الصيني والألوان المائية والطباشيرية ، وفي المرحلة الإعدادية مارس النحت ، وتعلم مبادئ المنظور والظل والنور ، ورسم الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية ، كما رسم الأشخاص والمواضيع الإنسانية العامة ، ومارس الزخرفة المدرسية بأنواعها المختلفة.
وفي المدرسة تعرّف على الألوان الزيتية لأول مرة عندما شاهد أستاذه الأول في الرسم والأشغال اليدوية داود زلاطيمو ـ كان يرعاه ويشجعه ـ يرسم اللوحات الزيتية بها فاجتذبته ، وأنتج بعض اللوحات الزيتية لمناظر طبيعية ولشخصيات إنسانية بأسلوب أقرب إلى الأسلوب الكلاسيكي ، لكن الأمر لم يدم طويلاً ، ففي عام 1948 حدثت النكبة.
بعد النكبة غادر إسماعيل وعائلته اللد إلى رام الله ثم خانيونس (وسط قطاع غزة) حيث عاشوا في مخيم مُسيّج بالأسلاك الشائكة ، وحينها لم يكن لدى إسماعيل شموط الوقت للتفكير أو التخطيط للمستقبل ، لأن همه كان ينحصر في تأمين لقمة العيش له ولعائلته ، وفي سبيلها عمل بائعاً متجولاً للخبز والعنب والكاز والحلوى ، فذاق مرارة زمانه قبل أوانه.
بعد افتتاح مدارس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين ، تطوع شموط وعمل مدرساً بلا اجر في الصباح وبعد الظهر كان يعود لمهنة البيع ، وهذا الموقف النبيل يعكس وعي شموط بما يعانيه أبناء شعبه الفلسطيني ، وبأهمية دور الفن في الحياة العامة. لذا كان تدريسه مثمراً سواء من الناحية الفكرية أو من الناحية الأكاديمية والعملية الفنية.. فكانت تلك بداية هامة في مساعدة الطلبة على فهم أهمية دروس التربية الفنية ، وخلق جيل متذوق ، وهذا ما جعله يحظى بحب طلابه وزملائه وأصدقائه. في هذه المرحلة ، وبعد أن وفّرت له المدرسة الألوان المائية والزيتية رسم وصوّر عشرات اللوحات التي عكست حياة أهله وناسه ، فصوّر الخيام والنساء والأطفال ، وطوابير الناس التي تنتظر الحصول على الماء أو على الغذاء بأسلوب ينتمي إلى الأسلوب الذي رسم به في اللد ، وقد درّت عليه لوحاته بعض المال الذي سيحقق له حلمه فيما بعد.
بداية المشوار.. كلية الفنون
بعد أن توفّر المال اللازم ، قرر شموط السفر إلى القاهرة لتنمية ملكته الفنية حيث قُبل في عام 1950 بالقسم الحر في كلية الفنون الجميلة ، وأثناء دراسته بدأت شخصيته الفنية في الظهور والتبلور ، وبدا واضحاً أنه لم يبارح همومه الإنسانية والوطنية ، وأن فكره الاجتماعي والسياسي مرتبط مع مفهومه الجمالي والفني ، وأنه معني بشتى المواجهات اليومية والحياتية التي تجابه شعبه الفلسطيني وأمته العربية ، لذلك اختار الأسلوب الواقعي التعبيري مع انتباه حاذق في الحفاظ على شخصيته ، والعوامل المرتبطة بها ، وفق أسس مدروسة وواضحة أيضا. في هذه المرحلة رسم شموط مجموعة من اللوحات ، وفضّل أن يعرضها في مدينة غزة لكي يتيح الفرصة لأبناء شعبه ، ليشاهدوا نتاجه ، ومن أجل أن يتبين مدى تأثيرها وفاعليتها عليهم.
في 29 ـ 7 ـ 1953 أقام شموط أول معرض للوحاته في نادي الموظفين في مدينة غزة ، وقد شارك فيه شقيقه الأصغر جميل شموط بعدد من اللوحات. وقد كان عدد اللوحات المشاركة لإسماعيل في ذلك المعرض حوالي ستين لوحة ، تتحدث عن أحداث النكبة والتشرد والضياع ومخيمات اللجوء الفلسطيني والتفكر والانتظار. وبمعنى آخر كانت شهادة على مرحلة ، وكشفت تلك الأعمال الإبداعية التي جسّدت المثال الأكثر تكاملا في الفن المرتبط بالناس ، عن عواطف وأحاسيس شموط تجاه الواقع الفلسطيني المر.
اتسمت هذه الأعمال من حيث الموضوع ، بالحزن والمأساة ، والغضب والاحتجاج بسبب الواقع الذي نتج عن النكبة ، ومن حيث الشكل في بساطة التعبير. أما بالنسبة للألوان فقد ساعدت على إبراز اللحظات الدرامية.
وقد نجح شموط من خلال معرضه في ترك آثار ايجابية عند أبناء شعبه في قطاع غزة ، لكي يتفاعلوا مع موضوعاته التي تصور واقعهم كشعب مشرد في الخيام ، والأمل بالعودة إلى بيوتهم التي هُجروا منها. واستطاع شموط أن يقدم شهادة حية عن تلك الظروف وأن يلفت النظر إليه ، ومنذ ذلك الحين لم يعد شموط يشك بمسؤولية الفنان وأصبح الرسم ، الذي كان بالنسبة له عملية تحرير لذاته ، وصياغة واعية لها. كان المعرض بالنسبة له محطة هامة في حياته ومسيرته الفنية ، ولهذا تتمتع لوحات هذه المرحلة بأهمية كبيرة لأنها جزء من الذاكرة الفلسطينية. في 21 ـ 7 ـ 1954 وتحديداً في السنة الدراسية الرابعة ـ الأخيرة ـ أقام شموط مع تمام الأكحل ـ رفيقة عمره فيما بعد ـ ونهاد سباسي أول معرض مشترك لهم في القاهرة تحت اسم "اللاجئ الفلسطيني" وقد افتتح المعرض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
لاقى هذا المعرض نجاحاً كبيراً ومردوداً مالياً مكّن شموط من السفر إلى روما ليتابع تحصيله الفني ولمدة سنتين في أكاديمية الفنون الجميلة بروما. وفي عام 1956 عاد شموط إلى مدينة بيروت ، وبدأ يرسم طريقه فيها نحو المجد والشهرة ، من خلال مشاركته في المعارض التي كانت تقام في بيروت. وقد أظهر في هذه المرحلة قدرة على التأليف والتحكم بالخطوط وتوزيع الألوان ، ولذلك اتسمت لوحات هذه المرحلة المنفذة بالأسلوب الواقعي التعبيري ، بالإتقان والتميز ، بعد ذلك راح يتعامل مع الرمز كضرورة فنية وسياسية في أعماله التي أنتجها في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي ، ومن أعمال هذه المرحلة: "ذكريات ونار" و"هنا كان أبي".
بعد أن انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965 ، اشتعل حماسة ، واتسعت آفاق أحلامه ورسم لوحات جديدة تعبر وتعكس الجديد في الحالة الفلسطينية ، فتبدلت صورة الفلسطيني من لاجئ ومصلوب إلى مقاتل ، وانتقل بفنه من مرحلة الشهادة إلى مرحلة التحريض والمقاومة ، وأصبحت اللغة الانفعالية المحرض الأساس. بالإضافة إلى ذلك أخذ الشكل يعتمد الألوان الحارة والتكوين الحاد والخطوط القوية الصريحة.
في بداية السبعينات أنتج شموط عدداً كبيراً من اللوحات التي عبّرت عن أجواء التفاؤل ، فالموضوع أخذ شكلاً آخر ، وأصبحنا نرى العناصر الإنسانية الشعبية بجمالياتها الفلكلورية من حكايا وأدوات مستخدمة في الحياة اليومية. وقاده البحث المحلي إلى انتقاء عناصر إنسانية وحيوانية تتلاءم مع اهتماماته التقنية وجمالياته وتأليفاته ، فتناول المرأة بجمالياتها المحلية ، والحصان كرمز أصيل ثم كانت الحمامة. وركز في هذه المرحلة على المقاتل بكوفيته المتميزة ، وعلى قبضة يده وهي تمسك بالبندقية ، ولعب الضوء دوراً رئيسياً في لوحات هذه المرحلة. بعد ذلك أنتج شموط مجموعة لوحات تعبر عن أحداث مخيم تل الزعتر وهو على فراش العلاج في ألمانيا الديمقراطية ، واستعمل في رسم هذه المجموعة الألوان المائية والأحبار الملونة ، التي لبت كمية الانفعالات والمشاعر المشحونة لديه جراء علاقته الحميمة بسكان ذلك المخيم ، وقد ضرب عرض الحائط وهو يرسم تلك اللوحات ببعض المسائل الشكلية للوحة فلم يعد للمنظور أهمية إلا بقدر ما يساعد على تأكيد المعنى المراد إيصاله.
وفي بعض لوحات نفس المجموعة قل استعمال الألوان ، وفي البعض الآخر لخّص كثيرا من التفاصيل من أجل تحديد مركز الاهتمام في اللوحة ، فاتسمت تلك اللوحات بحرارة خاصة وأسلوب متميز.
التنبؤ بانتفاضة 1987
بعد اجتياح بيروت عام 1982 من قبل الصهاينة عاد شموط ليعبر عن مأساة الإنسان الفلسطيني في الشتات. وأثناء إقامته في الكويت استبدل صورة المقاتل بالمرأة التي أعطاها أبعاداً تعبيرية ورمزية. بعد ذلك وتحديداً في عام 1984 أنتج مجموعة من اللوحات أهمها لوحتا "أطفال الحجارة" و"أطفال الدهيشة" ، مع العلم أن الانتفاضة لم تكن قد اندلعت بعد ، ولكنه تنبأ بها قبل ثلاث سنوات من ذلك ، كما أنتج في هذه المرحلة مجموعة من اللوحات اتسمت بأجواء التفاؤل.
وفي التسعينيات عبر من خلال أعماله عن مأساة الإنسان الفلسطيني في الداخل والخارج وعن فرحة الأهل في فلسطين باعتراف العالم بوجوده ، وفي عام 1997 دخل شموط تجربة الرسم على الكمبيوتر ، وأنتج مجموعة من الرسوم الملونة ، التي تمثل طابعه الخاص في الرسم.
في عام 1998 وتحديداً في الذكرى الخمسين للنكبة قرر الفنان شموط وزوجته تمام الأكحل أن يقوما بعمل يلخصان فيه تجربتهما الحياتية والفنية ، لتمام تجربتها اليافاوية وتمثلت بـ 8 جداريات ، ولشموط تجربته اللداوية التي تمثلت بـ 11 جدارية ، بمساحة 200 ھ 165 سم ، ولكليهما التجربة الفلسطينية التي تلخص مراحل الألم والحلم بشكل عام ، وقد استكمل المشروع في عام 2000 ، تحت اسم"السيرة والمسيرة ".
واستطاع شموط الذي ضمن جدارياته شحنات من التعبير الانفعالي من خلال إيقاعات غنائية متدفقة ، أن يعكس خبرته الحياتية والنظرية في مجال اللون والتكوين والموضوع. كما نجح في تحميل اللوحة معاني ثقافية وحضارية ، حتى إنه خلق مناخاً أسطورياً يُذكّر المشاهد بتاريخ فلسطين وما تعاقب عليها من أحداث.
أهمية "جداريات شموط"لا تكمن فقط في شكلها المتميز ، بل في محتواها أيضاً ، المحتوى الذي عكس رؤية الفنان لقضيته عبر مئات السنين ، فقد تناولها شموط في مئات اللوحات إلى أن وصل إلى هذه الجداريات "البانوراما ـ الملحمة" ذات المحتوى الفني الخاص التي تجمع بين عناصر مختلفة ، استقاها من مصادر عدة ، ومن مخزونه الذهني ليعبر عن الواقع بكل زخمه ، ليكون ابن مرحلته وشاهد عصره. تلك الجداريات التي وضع لها شموط الدراسات الأولية الخطية واللونية ، وأمضى في معالجتها من عام 1997 إلى 2000 وبشكل مستمر ، وكأنه يسابق الزمن ، في محاولة لتثبيت اللحظة الإنسانية وتخليدها ، تضمنت الأطفال والنساء والصبايا والشباب والرجال والشيوخ ، في آلامهم وعذاباتهم واستشهادهم الجماعي.. في صرختهم المستمرة.. في احتجاجهم وحركتهم الدائمة.. في دمهم الذي لم يجف.. في فرحهم وأعراسهم.. في بياراتهم وعملهم. كما تناول على مسطحات جدارياته الأم الفلسطينية رمز العطاء ورمز الصبر والصمود ، الواثقة بنفسها وبالمستقبل ، بالإضافة إلى رموز الوطن ، من مساجد وكنائس وآثار خالدة شامخة في عنان السماء ، كما رسم الأفراح والأتراح في مخيمات الشتات ، والفدائي الذي أنعش الآمال ونشر الفرح.. والصبايا وهن يحملن الورود والشموع أمام قبور الشهداء.. وأطفال الحجارة.. ومعاناة العمال على حواجز الاحتلال في معبر "أيريز" وغيره.
وقد عرض الفنان شموط تلك الجداريات مع جداريات رفيقة عمره الفنانة تمام الأكحل في العديد من الدول العربية والأجنبية ، بعد أن أرسى على امتداد نصف قرن ويزيد من الزمن دعائم الفن التشكيلي الفلسطيني ، وإبداعات تجاوزت فيها لوحاته المئات تنقّل بها في مختلف دول العالم معرفاً من خلالها قضية الإنسان الفلسطيني ـ الوطن والشعب ـ من جانب وبفن تشكيلي فلسطيني الولادة والمنشأ عالمي التواجد والحضور والمنافسة من جانب آخر.
أخيراً رحل إسماعيل شموط في يوم الاثنين 3 ـ 7 ـ 2006 بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز 76 عاماً ، وهو يحلم بالكثير: الوحدة العربية ، تحرير فلسطين ، متحف يضم أعماله ، متحف للفن التشكيلي الفلسطيني وكلية للفنون الجميلة. وقد استحدثت مؤسسة فلسطين الدولية في الذكرى الأولى لرحيله جائزة فنية تحمل اسمه.
ہ ناقد وتشكيلي أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش