الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بورتريه * زياد قاسم.. سادن عمّان وعاشقها وحارس ذاكرتها * خليل قنديل

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
بورتريه * زياد قاسم.. سادن عمّان وعاشقها وحارس ذاكرتها * خليل قنديل

 

 
حين يرتبط المكان بحبل مشيمة الابداع والكتابة ، فإن إنغراس المُبدع في مكانه يتحول الى ما يشبه الشجرة السامقة ، التي تمد جذورها عميقا في المكان ، لتأخذ اوكسجينه ، وتنفث ثاني أوكسيد كربونه ، وليتحول المكان الى ما يشبه التميمة أو الأيقونة التي تُمغنط المشهد وتستدرجه نحو التحبير والكتابة. وحين يعتبر المبدع مكانه كنزه الذي يغرف منه الرؤى والبناءات الكتابية ، فإن مساحة الحدقة المُبدعة تتسع لاستقراء المخبأ والمكنون في هذا المكان.
هذا الانتماء الصميمي للمكان هو ما يُميز تجربة الكاتب الاردني الراحل زياد قاسم. ذلك أن زياد المولود عام 1945 عاش طفولة مُبكرة في جبل القلعة ، طفولة في جبل يُطل على التكوين الجنيني العمراني الأول لعمان. ومن شهد إطلالة جبل القلعة على المدرج الروماني ، وعلى "سيل عمان" الهادر المحاط بخضرة نادرة في مطلع خمسينيات القرن الماضي ، يستحيل عليه ، الا أن يُقيم في روح عمان وحميمية ادراجها ، وطرقها الترابية الزاحفة نحو جبالها المجاورة لوسط عمان.
وكلما ابتعدت الطفولة عن وسط المكان التأسيسي لعمان فقد المُقيم حميمية هذا الاتصال والتواصل مع المكان العماني. ولهذا كان على الراحل زياد قاسم ان ينذر نفسه كسادن وحارس لذاكرة عمان التشيدية والانسانية.
وقد كان يمكن للفتى الذي دخل رحاب الجامعة الاردنية عام 1965 أن يذهب في السُعار الوظيفي الذي كان يتلبس كل من يحصل على شهادة جامعية ، آنذاك ، لكن روحه الابداعية القلقة على روح عمان وتاريخها ، جعلته يختار المنضدة والاوراق والحبر والمقعد الذي كلّس فقرات عاموده الفقري وأورثه الديسك ، كي يكتب عمانه كما يُريد ويشتهي.
فإذا كانت روايته الاولى "المدير العام" إحدى التعبيرات الضرورية عن مرحلة وظيفية عاشها ، فإن كد الرواية المكانية هو ما قاده نحو ذاكرة طفولته في جبل القلعة ، حيث كانت له الريادة في رواية المكان العماني ، من خلال روايته" ابناء القلعة" التي استطاع من خلالها ان يقوم بتفكيك البُنى العمرانية والسكانية لجبل القلعة ويعيدهما الى براءتهما التكوينية الأولى ، والى إشتباكاتهما الاجتماعية والى التأسيس الإنتاجي ، وما يُخلفه هذا التأسيس من تشكيلات إجتماعية. ولعل الخصوصية الكتابية التي سرد من خلالها "قاسم" سيرة أبناء القلعة ، تجعل من الرواية مرجعية توثيقية ، لا لجبل القلعة وحده ، بل للذاكرة التي توثق لوسط عمان ، وقاعها المديني. لكن زياد قاسم لم يتوقف عند هذا ، بل ذهب نحو سداسيته الروائية التي حملت اسم "الزوبعة" بأجيالها الثلاثة ، وأتبعها برواية "الوريث" ، وبكتابة مسلسل حمل عنوان "قارئة الفنجان".
ولأن المدن له خبثها الخاص وخصوصا حينما تأتي طيعة ولينة للمبدع ، فإنها تقتاده نحو مقاهيها ومواخيرها وازدحاماتها ، المُلّغمة بغواية التواصل ، فقد ذهب زياد قاسم بروح "زورباوية" نحو أدق التفاصيل في عمان وتجريحات أسواقها وحوانيتها وحتى أدراجها. ولم يدر أن ثمن ذلك سيكون تخثرات سوف تستقر في أوردة الدماغ ، وأن الجسد بدأ ينصب أفخاخه القاتلة لـ"زياد".
وكان أن اصطادته الجلطة الاولى في اللاذقية ونجا منها ، لكن الجلطة الثانية حدثت هنا في عمان. تسعة وثلاثون يوما غاب فيها زياد قاسم في الموت الاكلينيكي ، كي يُقيم في منطقة البرزخ العماني. وربما كان عليه قبل أن يموت أن يعود الى جبل القلعة ، كي يُطل على عمان التي حبرها من روحه ، بتوق العاشق المُقيم والمجاور لمريده. ربما صعد أدراجا وعبر كنسمة جارحة في ازقة قديمة في جبل القلعة.
ربما هبط الى السيل الذي سقف بخرسانة قاسية وغرق في النحيب. ربما ذهب نحو باحة الجامع الحسيني ، والتف نحو سوق السكر ورأى باعته المُزمنين في يافطة "مال وقبان".
ربما سار في شارع الملك طلال وتنشق عرق إزدحام المارة فيه. أو ربما صعد درج مقهى الاوبرج وصافح كل صعاليك قاع المدينة. لكنه في النهاية ضجر كعادة الكتاب من برزخه السريري المُقترح ، وأسلم روحه للنومة الابدية ، ليدس جسده في بطن تراب عمان ، كما يليق بعاشق وسادن وحارس لذاكرة عمّان.

ہكاتب وقاص من أسرة الدستور [email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش