الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بدأ طه حسين نشره قبل ثمانين عاما * «الأيام».. النهاية المنتصرة مبرّر كتابة السيرة الذاتية * * د. فيصل درّاج

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
بدأ طه حسين نشره قبل ثمانين عاما * «الأيام».. النهاية المنتصرة مبرّر كتابة السيرة الذاتية * * د. فيصل درّاج

 

 
يُقصد بالسيرة الذاتية ، نظرياً ، تسجيل خبرة شبه منجزة ، تعلن أنّ مستقبل صاحبها أصبح وراءه ، وأنّ في الخبرة المسجّلة ما يفيد بشراً تنقصهم الخبرة.
ينطوي القصد على مفهوم: المرتبة ، الذي يقول أنّ مَنْ عاش طويلاً يعلّم أجيالاً لاحقة ، وأنّ تدوين الخبرة مقصور على "نخبة" دون غيرها. خرج طه حسين ، في كتابه "الأيام" ، على التعريف النظري المتعارف عليه ، وكتب سيرته قبل أن يبلغ الأربعين ، مدفوعاً بأزمة ذاتية صادرة عن نشر كتابه "في الشعر الجاهلي" ، والاستنكار الذي أثاره في أوساط معيّنة. فقد وصفه رشيد رضا ، آنذاك ، بـ "المخذول" ، وهو ما وصف به المؤرخ "الذهبي" أبا العلاء المعرّي ، قاصداً مخلوقاً خذله الله ، وتركه في هذيان يقود إلى جهنم. واتهمه صادق الرافعي بالخروج عن الأمّة ، وتمنّى له عودة حميدة إلى صفوف المؤمنين ، وأخذ عليه محمد فريد وجدي "الخروج على الجماعة" ، والبحث عن المخالفة.
بدا حسين ، في مرايا الاتهام المتعدّدة ، مرتدّاً ، تابعاً للغرب ، زائف المعرفة ومروّجاً للضلال. وواقع الأمر أنّ في كتاب "الأيام" سيرة معنوية عنوانها التحدي والاستجابة ، وسيرة ثقافية تفصل بين الفكر المعطى والفكر الذي يتكوّن ، وسيرة أدبية تعيّن الكتاب أثراً خالداً في تاريخ النثر العربي.
ولعلّ هذه السير ، المندرجة في سيرة واحدة ، هي التي جعلت لويس عوض يقول: "كل كلام عن طه حسين يجب أن يبدأ بكتابه الأشهر: الأيام ، على الرغم من أنّ الأيام ، ليس أول كتبه ولا هو من أوائلها". وتقول الباحثة الأمريكية "فدوى مالطي دوغلاس" ، التي وضعت عن "الأيام" كتاباً عنوانه "العمل والسيرة الذاتية": "من المؤكد أنّه لا يوجد عمل أدبي عربي معاصر آخر أكثر شهرة منه في العالمين العربي والغربي ، بل قد يكون هذا الكتاب هو الأكثر شهرة حتّى بين الكتب الكلاسيكية إنّ نحن استثنينا ألف ليلة وليلة".
ظهر الجزء الأول من "الأيام" عام 1929 ، بعد ثلاث سنوات من "في الشعر الجاهلي" ، وبعد نشره ، لمدّة عام كامل ، في مجلة الهلال ، ابتداء من أول كانون أول ــ ديسمبر عام 1926.
وكتب حسين الجزء الثاني عام 1939 ، ونشره في العام الذي تلاه ، تاركاً الجزء الثالث إلى عام 1972 ، حيث ظهر بعد رحيله بعام واحد. بيد أنّ الجزء الأول ، الذي أعقب الأزمة وردّ عليها ، يظل أكثر الأجزاء إشراقاً وفتنة ، بفضل فردية مبدعة برهنت ، غير مرّة ، أنّ الإنسان المتمرّد يكون ما أرادت له إرادته أن يكون. كان حسين يعرف ما يريده ، ويعرف أكثر أنّ فيه ما يحقق ما يريد. كتب في الفصل الرابع من الجزء الأول: "كان من أول أمره طُلْعَةً لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم" ، فإن تقدّم قليلاً: "ومن ذلك الوقت عرف لنفسه إرادة قوية" ، "وهذه الحادثة أخذته بألوان الشدّة في حياته ، جعلته مضرب المثل في الأسرة وبين الذين عرفوه حين تجاوز حياة الأسرة إلى الحياة الاجتماعية..".لم يختر حسين أسئلة حياته ، لكنّه اختار إجاباته عنها ، واختار كتابة "الأيام" ردّاً على الحصار والمحاصرين ، مبرهناً أنّ الأزمة ، كما الرّد عليها ، وجه من وجوه حياته لا جديد فيه. فقد حرّره العقل من قيود العمى وحرّرته الإرادة من قيود المكان ، وأدرك ، في أطوار مختلفة أنّ الحياة هي القيود وتدمير القيود في آن.
ولم يكن ما لحق به بعد "في الشعر الجاهلي" إلاّ قيدا شبيهاً بقيود سابقة ، وصورة عن أزمة مؤقتة الحضور. يقول فيليب لوجون : "كتب روسو اعترافاته في لحظة أزمة ، كي يشرح صلة جوهرية بين كتبه وحياته". وهو ما أعاده جان ستاروبنسكي بشكل آخر ، حين كتب: "وبقدر ما كان جان ــ جاك يغوص في هذيانه و يفقد صلاته مع الناس ، كانت معرفة الذات تبدو له أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة" ، و "اعرف نفسك" ، التي قال بها سقراط ، "لم تكن أمراً سهلاً" على الإطلاق. أضاء حسين ، كما روسو ، العلاقة بين كتبه وحياته ، مع فرق أكيد بين الطرفين ، ذلك أنّ أزمة حسين لم تنبثق من داخله ، بل سقطت عليه من خارج معادْ ، اتهمه في دينه ومعرفته ومقاصده. كان عليه أن يبقى حيث كان ، وحيث سيكون كما يريد أن يكون ، مؤمناً بأنّه دافع ، ويدافع ، عن الصحيح بأدوات صحيحة ، وأنّ اعتناق الصحيح لا يصدّ الكآبة ، التي تأتي وتذهب كي تعود من جديد. ولهذا أعطى سيرته عنواناً محايداً: "الأيام" ، إذ الأيام اختبار متجدّد ، وإذ في الأيام ما يتجاوز الفرد ويفيض عليه.
كان محمود عباس العقّاد ، المطمئن إلى رومانسية جامحة ، قد اختار لسيرته عنواناً موحياً: "أنا" ، وكان أحمد أمين قد أخذ بعنوان أكثر إلفة وتواضعاً: "حياتي" ، محيلاً على تجربة خاصة لم يعشها غيره. أما طه حسين ، الذي اختبرته الحياة وينتظر اختبارات لاحقة ، فاكتفى بـ "الأيام" ، التي لا تحتمل في سطوتها الغريبة أيّة إضافة خارجية.
سقطت على طه حسين ، كما أشرنا ، صفتان ، تتهمانه في دينه وإيمانه ، هما : الخروج عن الأمّة ، والخروج على الجماعة. لم يكن حسين يهجس بالدين أو بالإساءة إليه ، بل كان يعبّر عن معنى الفردية الحديثة ، معلناً عن أكثر من انفصال: انفصال عن المجتمع الراكد ، الذي يرى في الإيمان عادة وفي العادة إيماناً ، وانفصال عن ثقافة معطاة راقدة ، تضع "السيرة الهلالية" وقارئها في زمن واحد أخير.
لن يكون كتاب الأيام إلاّ النقد الواضح البسيط لما هو راكد وراقد متناتج في ركوده وسباته ، أي لكل ما لا يسمح بالنقد والمقارنة والتقويم. ذلك أنّ المجتمع الراكد لا يتحرّك إلاّ بأداة وافدة ، ولا يُشرح إلاّ بمعرفة من خارجه ، ولا يستضيء إلاّ بعلم ليس منه. كأن حسين أراد في "الأيام" أن يشرح الأسباب ، التي دفعته إلى كتابة "في الشعر الجاهلي" ، متخذاً من قوّة البيان غاية ووسيلة في آن. يقوم كتاب الأيام ، في جزئه الأول على الأقل ، على جدل الاتهام والانتصار.
فصاحب السيرة يتهم مجتمعاً قاده إلى العمل ، وينقد فيه منظوراً مريض النظر ، لأنّ العمى ، بالمعنى الفعلي والمجازي ، يدثّر المجتمع كلّه. فهو يذكر جدّه الأعمى المسرف في الأدعية ، و "سيدنا" في "الكُتّاب" ، الذي يدّعي البصر وما هو بمبصر ، وصبيّة "الكتّاب" المجتهدة ، التي تقاسم الصبي شقاء العمى ، و "حملة كتاب الله" ، وهم جمع من المشايخ مكفوفي البصر.
وهناك المطبّب المتوارث ، الذي يسكب في العين الرمداء قطرات حارقة ، تودي بالبصر إلى الأبد. يقف وراء عمى البصر عماء البصيرة ، الذي يربط بين المبصرين وغير المبصرين بحبل ثقيل يدعى: ثقافة الأدعية. والاتهام الذي يسوقه طه حسين ليس بعيداً عن "عاهة العقم" ، التي يشير إليها لويس عوض في سيرته الذاتية "أوراق العمر" ، كما لو كان الطرفان يدخلان إلى الريف المصري من باب مجازي واسع هو : المرض. يبدأ حديث "الأيام" بالاتهام وينتهي بالانتصار ، بل أنّ النهاية المنتصرة هي مبرّر كتابة السيرة الذاتية واستعجال كتابتها.
أراد المؤلف أن يذكّر نفسه بما كان وبما أصبح عليه ، وأراد تذكير الآخر بأنّ معركته ضد العمى الاجتماعي لا تزال قائمة. دعاه هذا التذكير المزدوج إلى العودة إلى الطفل الشاحب زري الهيئة ، الذي كان يُرمى "كالشيء" ، قبل أن يصبح علماً في الجامعة والكتابة والمعرفة.
فوظيفة السيرة الذاتية تبيان الفرق الصريح بين ما مضى وما أتى ، ومديح الإرادة المقاتلة ، التي أعطت البداية الأولى ولادة مغايرة غير متوقعة. وهذا ما يؤكّده المؤلف في صفحات أخيرة موجهة إلى ابنته: "كان نحيفاً شاحب اللون مهمل الزي أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى ، تقتحمه العين اقتحاماً في عباءته القذره وطاقيته التي استحال بياضها إلى سواد قاتم ، وفي هذا القميص الذي يبين من تحت عباءته وقد اتخذ ألواناً مختلفة من كثرة ما سقط عليه من الطعام ، وفي نعليه الباليتين المرقّعتين .... ، فإن سألتني كيف انتهى إلى حيث هو الآن.... ، وكيف استطاع أن يثير في نفوس كثيرة من الناس ما يثير من حسد وحقد وضغينة.... ، فلست أستطيع أن أجيبك: وإنّما هناك شخص آخر هو الذي يستطيع هذا الجواب. فسليه ينبئك. (جـ:1 ، ص: 151) لا تقدّم السيرة الذاتية ــ هنا ــ "اعترافات" عن الرذيلة ، ولا تلتفت إلى الوعظ والهداية والإرشاد ، فموضوعها إنسان ضرير ، تصرّفت حياته به وتصرّف بحياته وأحسن التصرّف ، حتّى أثار حقد الآخرين ، وأثار احترام وتقدير غيرهم.
تنطوي الأيام على سيرتين: سيرة فرد محدّد العائلة والميلاد والقرية ، وسيرة الإرادة الإنسانية كما يجب أن تكون ، كما لو كان حسين يسرد سيرة "انتصار الإنسان العاقل" على بيئة محكومة بالخرافة والمعتقدات الساذجة.
ولعلّ نزوعه إلى الدفاع عن الإنسان العاقل ، من حيث هو ، دفعه إلى إنابة صيغة "الهو" عن صيغة "الأنا" ، هاجساً بموضوعية متحرّرة ، ولو بقدر ، من الذاتية. فهو يتحدّث عن: "صاحبنا ، الصبي ، الفتى ، التلميذ ، ..." ، جاعلاً من نفسه آخر ، يتأمّله بهدوء ورويّة ، كأن يكتب: "النهار هو نهار التلميذ في "الكُتّاب" ، والليل ، أخيراً يجد الصبي النوم ، أو الأرق مع العفاريت" ، أو "وفي الحق أنّ الفتى قد قطع الصلة بينه وبين الأزهر في دخيلة نفسه وأعماق ضميره" ، أو : "وكان صاحبنا موزّعاً بين مذهبين من مذاهب الكتابة في ذلك الوقت".
استعمل حسين جملة بدائل محاذراً ضمير "الأنا" واضعاً مسافة بينه وبين ذاته ، ومتيحاً للقارئ أن يتأمّله علاقة محدّدة بين علاقات أخرى. بل أنّ في "تبعيد الأنا" ما يسمح للكاتب أن يسرد سيرته من وجهة نظر القارئ ، طالما أنّ ضمير الغائب يتوزّع على الطرفين ، فالقارئ يقرأ سيرة غيره والكاتب يسرد صيغة "آخر".
يتقارب الطرفان ويتأملان ، بإلفة ، موضوعاً "خارجهما". ولعل هذا النزوع ، الذي يدرس "حالة إنسانية" كظاهرة "موضوعية" بين ظواهر اجتماعية أخرى ، هو ما وضع في كتاب طه حسين نصين متداخلين ، يحيل أحدهما على سيرة ذاتية ، ويرى ثانيهما إلى الظواهر المحيطة به بمنظور عالم الاجتماع. وواقع الأمر أنّ في "الأيام" سيرة ذاتية ونصّاً روائياً في آن ، أو نصاً روائياً يحتضن سيرة إنسان معروف العاهة والمسار.
وإذا كانت السيرة تتجلّى في مسار"شيء" أعمى أصبح "عَلَمَاً" ، فإنّ ما هو روائي يتأتّى عن مفهوم "السببية الاجتماعية" ، الذي أخذه الكاتب عن ثقافته الفرنسية ، رابطاً الظاهرة بمسبباتها ورابطاً ، بوضوح أكبر ، بين السبب والنتيجة. يقول أندريه موروا في كتابه "فن التراجم والسيرة الذاتية": "إنّ الطفولة في زمن الحروب والثورات تخلّف ذكريات أكثر من الطفولة السعيدة". كانت طفولة طه حسين حرباً ، وكان في حربه يهزم خصماً غريباً ، يطمئن إلى المعروف ويرى في الطمأنينة الراقدة انتصاراً.
وهذا الفرق بين مَنْ يقاتل وينتصر ومَنْ ينتصر ، وهماً ، دون أن يذهب إلى معركة ، هو في أساس السخرية اللاذعة المحايثة للنص ، مضمرة كانت أو صريحة.
فقد محا طه حسين عماه "الموروث" بالمعرفة المتجدّدة ، ومحا مجتمعه "البصيرة" بموروث لا تجدّد فيه. قبل ثمانين عاماً ، وفي مثل هذه الأيام ، أعطى طه حسين بعض الأوراق لبعض أصدقائه ، ونصحه الأصدقاء بنشرها ، غير مدركين أنّ في هذه الأوراق نصاً نثرياً عربياً فريداً ، ستُعاد طباعته أكثر من أربعين مرّة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش