الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يمكن أن نفشل * * ميخائيل زادورنوف - ترجمة: د. سلطان قسوس

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
يمكن أن نفشل * * ميخائيل زادورنوف - ترجمة: د. سلطان قسوس

 

 
معرفتي «بفيتكا» تعود الى ايام الصبا ، وبعد المدرسة افترقنا لزمن طويل. التقينا صدفة فيما بعد في سنوات الدراسة الجامعية وكان على عجلة من أمره الى موعده مع فتاته ، وأنا كذلك. قلت له انني سأتزوج ، فسألني ان كنت أعرفها منذ زمن بعيد فأجبته منذ شهر. هز فيتكا رأسه وقال: أنت متسرع. الزواج خطوة مهمة وجادة. قبل الزواج عليكما ان تعرفا بعضكما جيدا ، والا يمكن ان تفشلا. بعد الزواج تكتشف ان اهتماماتكما وعاداتكما مختلفة.. فيحصل الطلاق ويبقى الجرح في القلب مدى الحياة. مثلا انا وفتاتي «ليوبا» نتواعد منذ نصف سنة ونحب بعضنا ، ولكنني حتى الآن اختبر اسلوبها في الحياة ، عاداتها وتفكيرها. نحن نذهب الى الرقص والسينما ، نتحاور حول الكتب التي نطالعها..
التقينا بعد ثلاث سنوات بالصدفة. مرضت زوجتي فأخذت على عاتقي شراء حاجيات المنزل ، فالتقيت «فيتكا» واقفا في الطابور في المتجر. لم يتغير تقريبا ، وسوى ان خديه قد امتلأ قليلا ، وبدأت تتشكل ملامح كرش صغير كما يحصل للشبان الرشيقين في السنوات الاولى بعد الزواج. تجاذبنا اطراف الحديث بشكل عام ، ثم سألته ان كان تزوج الفتاة التي كان يحبها ايام الدراسة ، فأجاب بالنفي فقلت له: من المؤسف انكما افترقتما ، فقد كنت تحبها من أعماق قلبك. فرد مستنكرا: ومن قال اننا افترقنا؟
فقلت متعجبا بدوري: ماذا؟ هل ما زلت تتحقق من مدى انسجامكما؟
اخذ يشرح بهدوء: لا ، نحن منسجمان تماما ولكن كما تعلم فالزواج خطوة جادة ، وعندما يبدأ الزوجان بالعيش المشترك تختلف تصرفاتهما. المعيشة اليومية ليست الذهاب الى المسرح او السينما. يمكن ان نفشل. ربما هي لا تتقن الطبخ او لا تنظف المنزل جيدا ، ربما تحب الثرثرة بالتلفون...وهذه امور لا أحتملها. المهم قررنا اختبار عواطفنا بأقسى الطرق بالنسبة لحديثي الزواج ، اي بالعيش المشترك لقد انتقلت منذ سنتين للعيش معي. أتدرى؟ الامور ممتازة فلا زلنا متحابين ، واذا استمرت الامور هكذا سأعرض عليها الزواج.
بعد هذه المصادفة لم نلتق لعشر سنوات. هذه المرة صادفت فيتكا في الحديقة العامة ، في ملعب الاطفال حيث احضرت ابني ذا الثلاث سنوات الى حوض التراب الناعم ليلهو ، كان فتيكا يلاعب توأمين جميلين كأنهما ملاكان يرتديان اجمل الثياب المستوردة.
- هذان طفلاك؟ - سألته.
- أنت تهينني - طبعا طفلاي. اجاب متفاخرا.
- مبروك.
- بماذا تبارك لي؟
- كيف بماذا؟ وأخيرا حسمت امرك وتزوجت.
- من قال هذا؟ - رد باستياء - أنا لم أتزوج بعد.
- وكيف.. ولم اكمل سؤالي.
- أتعلم؟.. نهض فيتكا من حوض التراب الناعم نافضا بذلته ، شد قامته وأخذ نفسا عميقا ، ثم بدأ يشرح ، الزواج مسألة في غاية الجدية. مع اننا في الحياة اليومية منسجمان ، ولكن بعد الزواج يأتي الاطفال. ربما لن تكون الزوجة قادرة على تربيتهم والاعتناء بهم ، لذا يمكن ان نفشل ، الزوجة قبل كل شيء ام لذا قررت ان أتحقق اي ام ستكون ، ورزقنا بهذا التوأم.
شاءت الاقدار الا نلتقي لعشرين سنة. في البداية لم نعرف بعضنا مع اننا كنا جالسين في الحديقة العامة على نفس المقعد. كان يحمل عكازا خشبيا وعلى رأسه برنيطة من القش ، وكان يقرأ في الصحيفة المسائية عن الاحوال الجوية وتأثيرها على الحالة الصحية. عرفته من صوته حين قال لصبي راكض نحوه :
- هيا الى البيت يا بني. حان الوقت والا فإن الجدة «ليوبا» ستوبخنا.
كان حفيده اكبر من حفيدي بسنة.
- أتذكر التوأم؟ هذا ابن احدهما - قال متفاخرا وأضاف - انه عفريت صغير.
- ألا تزال تتحقق؟ سألته مازحا.
- من ماذا أتحقق؟ لم يستوعب سؤالي في البداية فقلت :
- كيف من ماذا؟ الزواج مسألة جدية ، يمكن ان تفشل. سيأتي الاحفاد بعد زمن. قد لا تستطيع الزوجة ان تكو جدة ممتازة لهم ، خاصة في ايامنا هذه اذ تقوم الجدات بكل امور الاحفاد. لذا قبل الزواج يجب ان تتأكد ان الزوجة يمكن ان تكون جدة مناسبة ، والا يمكن ان تفشل . صحيح.
- صحيح - اكد فيتكا مسرورا - لقد بدأت تتحدث بحكمة. بالمناسبة فقد تأكدت ان «ليوبا» جدة ممتازة ، لذا بعد ايام سأطلب يدها.
إلتقينا بعد عدة ايام في نفس المكان.
- كيف سارت الامور؟ هل عرضت عليها الزواج؟
- كلا ، اتدري .. لقد قررت التروي سأتقاعد بعد ايام وأرغب في التحقق ان كانت قادرة على ادارة شؤوننا بتقاعدينا ، خاصة انني وبسبب تقاعدي سأحصل من عملي على قطعة ارض صغيرة في الريف القريب. يجب ان أرى ان كانت تستطيع العناية بها ، والا قد نفشل. انا الآن في عمر لا يسمح لي بالاقدام علي الزواج دون تفكير.
شاءت الصدف ان احصل على ارض صغيرة محاذية لقطعة فيتكا. عندما اقتربت من منزلهما الخشبي الصغير الجميل رأيتهما يعملان معا في الحديقة بهمة وسعادة. اقترب فيتكا مني ، ومن وراء الحاجز الخشبي همس في اذني :
- اننا كما ترى نعمل معا ، نزرع الفراولة. اذا أثمرت سأتزوجها.
منذ ذلك الوقت كنا نلتقي كثيرا ونتزاور.
في صباح ذات يوم جاءنا حزينا وقال انها هجرته. سألته: لماذا؟
- تبين انها طوال تلك السنين كانت تتحقق ان كنت حازما وجادا ام لا.
وقد اكتشفت انني متردد - كان فيتكا منهارا - يا للعجب ، لقد احتاجت الى خمس وأربعين سنة لتعرف انني متردد.. ألم تستطع التحقق من البداية؟ لدينا الآن ابناء واحفاد ، وعما قريب سيرزق احفادنا بأطفال. كما انني أحبها جدا. بعد كل هذه السنوات التي عشناها معا، لم نتخاصم تقريبا ، وفجأة وجدت انني لا أناسبها.
استمر فيتكا بالشكوى لبعض الوقت ثم قال حازما :
- انتهى.. أنا ذاهب.
- إلى أين.
- سأشتري باقة ورد وأذهب إليها. سأطلب يدها ، وسترى انني حازم
استحسنا قراره وشجعناه ، وكان هو في قمة السعادة ، احتسى قطرات من شراب منشط ، واتجه راكضا تقريبا نحو الباب ، وهناك التفت قائلا :
- أخشى من شيء واحد ، ان يحصل لي عارض مفاجئ ، خاصة ان قلبي في الفترة الاخيرة ليس على ما يرام وأشعر احيانا بوخزات في صدري. كيف ستقوم بحمل اسرتنا الكبيرة وحدها؟ وكيف ستحفظ ذكراي؟ يجب ان أتأكد. ما رأيكم؟ والا يمكن ان نفشل.
لم يبق لدي انا وزوجتي الا ان نفتح ذراعينا عجبا ونضرب كفا بكف.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش