الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ندوة عن «العقل والنقل والمصلحة»

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
ندوة عن «العقل والنقل والمصلحة»

 

 
د. عودة الله منيع القيسي
ما بين الساعة الواحدة وقبيل الثانية ادار الاستاذ حسين الرواشدة ندوة ، في الاذاعة الاردنية في يوم الجمعة 23 ـ 3 ـ 2007م ، وكان في الندوة ثلاثة أ. د احمد الريسوني ، أ. د علي الصوا ، د. احمد مناعي ، اثنان داخل الاذاعة والثالث يتكلم بالهاتف.
وقد اثيرت نقاط حيوية ، واجاب عليها المتحدثون ، اجابات مقنعة ، غير ان لي توضيحات قليلة اجملها ، في النقاط :
1 - قال احد المتحدثين: «المصلحة والنص.. لا يتعارضان» اقول: وهذا على عمومه ، صعب قبوله ، لان المصلحة ليس لها دائما وجه شرعي ، فقد يرى الناس المصلحة في اتباع النظام الرأسمالي ، في الاقتصاد. ومن المعلوم ان النظام الرأسمالي ، في الاقتصاد ، لا يحقق - العدالة - في توزيع المال ، فهو اشبه - بالربا - الذي.. حقيقته انه يزيد الغني غنى ، والفقير فقرا. وهذا واضح ، في كل بلد يقوم نظامها الاقتصادي على النظام الرأسمالي. فالثروات الطائلة تتجمع في ايدي ثلاثة بالمئة تقريبا ، وثلاثون بالمئة تقريبا يعيشون على الكفاف. والنسبة الكبرى هي دون خط الفقر - على تفاوت - ما بين فقر مُقلع ، وفقر مُدقع.
- اذن.. ما يراه الناس مصلحة قد يتعارض مع النص ، او - مع اصل من اصول الشرع.
- اذن.. العبارة الدقيقة هي «المصلحة - الشرعية ، والنص ، او الاصل الشرعي.. لا يتعارضان ، وقد اشار الغزالي - رحمه الله تعالى - الى مثل هذا ، اذ رأى ان المصلحة ليست مطلقة ، وانما هي مقيدة - بمبادىء الشرع ، واصوله ، فما خالف المبادىء او الاصول.. فليس مصلحة ، وانما هو مفسدة ، فكل ما خرج على الشرع فلا مصلحة حقيقية فيه.
اقول: ولكن هذا.. لا يعني ان اكثر ما اصطلح عليه الناس انه مصلحة هو مفسدة ، بل الحق ان اكثر ما اصطلح عليه الناس انه مصلحة هو مصلحة. وقد نحتاج الى تكييف قليل لمنحاه.. هو مصلحة.. لان فطرة الانسان مهدية ، بنسبة كبيرة الى المصلحة والاسلام.. ما جاء ليغير الفطرة ، بل جاء لينظمها ليس اكثر.
2 - التعارض بين العقل والنقل.. يُحل بتعمق النظر في النقل عن طريق العقل. اقول: العقل ليس نمطا واحدا ، وانما للناس اربعة انماط من العقول: عقول العباقرة ، ثم عقول المتفهمين والمفسرين لما يبدعه العباقرة ، ثم العقول التي تفهم التفسير ، ثم العقول التي لا تفهم الا المعلومات ، والعموميات ، والاخبار.
ثم.. انا ارى ان هذه الثنائية «العقل والنقل» شوّهت الفكر ، ولا سيما فكر المعتزلة الذين كانوا يناقشون القضايا نقاشا نظريا بحتا ، ولذا.. لم يطوروا «نظرية» في السياسة تؤدي الى تغيير في حركة الواقع. لقد ظل الخلفاء والامراء ، والوزراء ، والقادة.. يعيشون حياتهم الخاصة المترفة ، والشعب.. ليس له من ينظر فيما هو فيه من بؤس وشقاء.
والحق عندي هو ما نشرته قبل حوالي شهرين جريدة الدستور هذه ، وهو انه ليس هناك عقل ونقل ، هذه ثنائية مضرة ، بل هناك «عقل كلي وعقل جزئي» القرآن الكريم ، وما صح من الحديث الشريف هو العقل الكلي ، وعقل الانسان هو العقل الجزئي ، أليس العقل هو العضو الذي ينتج الفكر؟ وان القرآن فكر ، فهو عقل ، ولكن بصورة اخرى ، والعقلان من مصدر واحد لا يتجزأ - حاشاه - هو الله تعالى ، كل ما في الامر ان عقل القرآن يعلم كل شيء ، اما عقل الانسان.. فيضل في اشياء يسيرة ان لم يهتد بتوجيهات العقل الكلي ، عن طريق المبادىء والنصوص ، مثال ذلك ان العقل الانسان ليس فيه معيار يجزم به ان الزكاة في النقد هي (2,5) اثنان ونصف ، في كل مئة ، فالذي ينص على ذلك نصا هو العقل الكلي. «الى آخر ما اوردناه من تفصيلات ومن ادلة في تلك المقالة».
اذن.. العقل الجزئي اذا اهتدى بتوجيهات العقل الكلي مبادىء ونصوصا لا يضل ، بل هو اداة التفصيل ، وعلى هذا.. فالقول بوقوع اي تعارض بين عقول العباقرة الموكول اليهم التفهم والتفسير وبين ما سمي النقل مستحيل. وعلى هذا ايضا.. فمصطلح «العقل والنقل» مصطلح مضلل ، لانه يوحي بالثنائية التي قد يقع منها تعارض.
3 - هل صحيح «لا تتغير الاحكام ، وانما يتغير مكانها «او مناطها»؟ كما قال المتحدثون الجواب.. ان الفقهاء قالوا «تتغير الاحكام بتغير الازمان» وانهم قالوا: «الحكم يدور مع علته ، وجودا وعدما» وانا اضيف الى قولهم قليلا ، وهو ان الاحكام تتغير بتغير العلل. وان العلل نفسها تتغير بتغير المصلحة الشرعية ، و«كلمة الشرعية - ضابط ضروري» - والمصلحة الشرعية لا تتغير الا بتغير الزمان والمكان - اي - لا تتغير الا بتغير الظروف.
4 - وقال احدهم: «الرخصة.. مخالفة للقاعدة لانها تأتي للتيسر» فهل الرخصة مخالفة للقاعدة؟ أحسب ان الجواب دقيق هو: «الرخصة استثناء على القاعدة» وهي في موطنها قاعدة اخرى ، احيانا ، بمعنى ان استعمال القاعدة العامة ، في هذه الحالة ، يوقع ضررا ، مثلا.. في الحرب.. عندما يتواقف الحيشان في القديم وتشتد زخات القذائف ، في العصر الحديث.. لا يجوز ان نصرف كل المقاتلين الى الصلاة ، وانما يجب ان يصلوا على دُفعات ، والا.. اصاب منهم العدو مقتلا ، وربما هزم.. او ضعضع صفوفهم.
واذن.. القاعدة الخاصة هنا هي ان يصلوا على دفعات. واذن القاعدة الاصلح في ظرف ، ولنفس الموضوع ، لا تخالف القاعدة الاصلح ، في ظرف آخر ، ولنفس الموضوع ، بل - كل منهما اصل في ظرفها.
5 - قال احدهم ممثلا على تغيّر الاحكام بتغير الظروف - قال: مثلا ، الغنائم لا يعطى منها الجند - اليوم - لو كان ثمة غنائم.
وأقول: لم يوفق المتحدث بضرب هذا المثل ، وانما قال: لو كان ثمة غنائم اليوم ، اقول: لأنه مثل غير واقعي ، والمطلوب ضرب أمثلة من حياة الناس ، وفضلا عن هذا ، ففكرة الغنائم.. أضحت ممجوجة ، لا يستسيغها الذوق العام.
- وقد يقال: أليس الاسلام.. أحل الغنائم؟ - والجواب.. أجل. لكن الاسلام يعامل «بالمثل». فلأن فكرة الغنائم ألغيت - رسميا وقانونيا ، في الحروب الحديثة. فالمسلمون ، لو اضطروا ان يخوضوا حربا هذه الايام ، (وقد اضطروا ، ولم يحاربوا للأسف. لقد ذهلت عندما قيل ، قبل شهر بأن قتلى الأمريكان في العراق ، على اربع سنوات.. هم ثلاثة آلاف،، لقد كان الواجب ان يسقط هذا العدد من الجيش الامريكي ، قبل ان يدخل البصرة وألا.. فأين خمسة ملايين جندي عراقيا؟؟ لكننا امة فقدت «ارادة» القتال ،
- أجل.. لو اضطروا ان يخوضوا حربا - لما كانت فكرة الغنائم واردة ، بسبب المعاملة بالمثل. فما قيمة ضرب مثل.. انتقل من الضرب الى القتل؟ ،
- قد يقال: ولكن اسرائيل - غنمت - فلسطين - وامريكا أكلت اموال العراق أقول: لكن هذا.. موضوع آخر ، لا يعالج تحت باب - الغنائم - والحديث عنه طويل.
6 - وقال أحدهم: (سئل امام من أئمة التصنيف في الحديث: - كيف تعتبر هذا الحديث صحيحا - وذاك الحديث موضوعا ، ؟ فقال: لا أدري،).
أقول: هذا.. كلام افرزته وأمثاله عصور الانحطاط ، فما يجوز لأحد ان تكون أحكامه على اخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي أحاديثه قائمة على الذوق او الحدس. لأن اعتبار حديث - صحيحا - او موضوعا.. هو علم بنسبة 90% وذوق او فن بنسبة 10% ليس اكثر لان الحديث دين ولأن الحق لا يقوم على الذوق.
- أجل.. الشاعر - عندما تسأله عن بعض شعره: كيف نظمه؟ يقول: لا أدري. اقول: لأن الشعر وليد الوجدان ، بحيث يأتي - فيضاً - أحياناً ، عند الشاعر الكبير ، وجوابه هذا يمكن نفهُّمه ، لأن الوجدان - كما يولد الحلم الذي لا يدري به الحالم: كيف تولد - كذلك يفيض - احيانا - بالشعر ، والشاعر في حالة - وسطى - بين الحلم واليقظة ، اما كان اللغوي العظيم - عثمان ابن جنًّي يسأل الشاعر العظيم - المتنبي عن بعض معاني شعره ، فيقول: أنت أعلم بذلك مني، وقد صدق.
- ان القول: (لا أدري) - في تصحيح الحديث او تضعيفه - ترك لنا آلاف الاحاديث التي عدوها.. صحيحة ، وهي تخالف العقلين (الكلي والجزئي) - ولا مندوحه لعاقل عن الحكم بضعفها وردها ، ولكن مصيبتا اننا نقدس اقوالا ليست مقدسة ، لرجال - ليسوا غير مقدسين - فحسب - بل هم جاؤوا ، في فترة انحطاط وجمود ، أمست اكثر العقول - فيها - تقتات الأوهام - وضلال الافهام. والله تعالى اعلم.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش