الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«باب الحيرة » للروائي الأردني يحيى القيسي بعد اقامته الطويلة في تونس * بابّ مفتوحّ على الشك والحيرة والسؤال

تم نشره في السبت 12 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
«باب الحيرة » للروائي الأردني يحيى القيسي بعد اقامته الطويلة في تونس * بابّ مفتوحّ على الشك والحيرة والسؤال

 

 
حيـــاة الـرايس
تعاني المدن كما الاشخاص تماما اليتم و النسيان و الاهمال ما لم تحض بذاكرة الرواة و المحدّثين و الساردين و المبدعين ، و المدينة يحييها من يبدعها لا من يسكنها و يكتفي بالنوم فيها ، و الروائي هو الذي يُحيي المدن و يخلدها في ذاكرتنا و يستدعي الأمكنة الموقظة لهذه الذكريات النائمة في قرار الوجدان..مما يجعل نصه سياحة باطنية في دهاليز الذات.. ذلك ان علاقة الاديب او الروائي بالمدينة هي علاقة ذاتية او لا تكون.
الروائي الاردني يحيى القيسي كان قد عاش مدة في تونس لاتمام دراسته الجامعية حتى تخرج ، و لما قفل راجعا الى الاردن كانت تونس قد تسللت بين طيّات ثيابه و ثنايا روحه وقبعت في قاع حقائبه.،.... تندثر الاثواب و الحقائب.... و تتجمّع تفاصيل سنواته في تونس لتنسج حكاية عشقه لهذا البلد و لو بعد حين ....
تدخل الرواية كما تدخل بابا من تلك الابواب العتيقة للاسوارالمطوقة للاسرار ....اسرار المدينة التي تنتظر الرواة و الحكائين و الساردين لتفتح لهم قلبها و تهمس لهم بالبوح ليحدثوا عنها و لا حرج ...فهل المدينة غير قصة مدوّنة في كتاب ؟ تفتح الرواية فيشرّع لك بابها على مصراعيه فاذا انت تسير" في شارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة باتجاه المدينة العتيقة ...تحت رفرفة العصافير على الاشجار الكثيفة و رنين المترو و ثرثرة الجالسين في المقاهي و الحانات .....ثم تدخل في"ضيق السوق العربي"المظلّل بالسقوف حيت تتمازج دقات النحّاسين و رائحة الدبّاغين و تزويقات الخزّافين ....صعودا باتجاه "مقام سيدي بن عروس و "جامع الزيتونة ، زنقة تفضي الى زنقة الى سوق جديد ل"السرّاجين و الدّباغين و الغرابلية والشمّاعين و الشواشية ....قبل ان تدلف الى نهج العطارين حيث "دار الكتب الوطنية"كل ذلك جاء على لسان الراوي و انا أتبعه من قريب و أسير و راءه حيثما يسير وألهث احيانا مأخوذة بسحر الدهشة الاولى كأنني أراها لاول مرة انا التي عشت فيها عمرا كاملا ...إن للمدن لونا استثنائيا و سحرا آسرا لما نراها بعين الاخر .... تدور احداث الرواية أغلبها في أزقة و شوارع العاصمة و ضواحيها من ساحة القصبة الى كلية الاداب بشارع 9 افريل الى المطعم الجامعي الى نهج زرقون الى نهج "عبدالله قش"( شارع البغاء الرسمي في تونس ) الى ضاحية"سيدي بو سعيد"الى جبل بو قرنين ....و من الحلفاوين الى ضاحية الزهراء.......
تظن في الاول انها لعبة أمكنة و انت تركض وراء الراوي من مطعم الى حانة الى بيت حتى تدخل "دار الكتب الوطنية"و ما تزخر به من المخطوطات الضاربة في القدم و تفاجأ به يفتح مخطوطا من تلك المخطوطات المركوزة في الحفظ منذ الف سنة او يزيد....""دوّخني ذلك المخطوط الغريب .... و لم اعد اعرف كيف ارجع الى ماكنت عليه من قبل ....منذ ان عثرت عليه مغبرّا بين الأرفف و انا اشعر بفيض من الحيرة تجتاح كياني ، و صرت احب ان ابقى متوحّدا تماما و بعيدا عن كل البشر...كان شيئا ماحقا لم اقرا مثله من قبل قط ، يموج بشتى المعارف و الحكم و النصائح و الفنون و الاشارات و الُلمع و المقامات و الهرطقات و الحيل و السحر و الشعوذة و الطلاسم و كانه قد حوى علوم الاوّلين و الاخرين من الانس و الجن ..." و لم يكن ينقص صاحبنا الذى تبدّلت احواله منذ ان فتح ذلك المخطوط و اضطربت اقواله و صار يهذي بما جاء في ذلك اللسان القديم من تضارب بين الشك و اليقين .... لم يكن ينقصه غير التعرف الى" سعيدة "طالبة الفلسفة التي "دمّرت الفلسفة نصف طمانينتها"كما كانت تردّد على مسامعه دائما :"آه يا ربي كيف سأوفق بين كل هذه الفلسفات و أصحابها : كروتشة الايطالي و مثاليته و رسل الانجليزي و دعوته لنزع كل رومانتيكية من الفلسفة و هنري بركسون و تصوفه المسيحي و براغماتية شيلر و ذرائعية ديوي و وجودية ياسبرس و تاريخية نيتشه .... كل فلسفة يعتقد اصحابها انها و حدها تملك الحقيقة و ما سواها باطل ....هنيئا للمطمئنين في جهلهم ..اما انا فقد كتب عليّ القلق يوم و لدتني امّي و لا مفرّ منه على ما يبدو حتى اموت ...،""باب الحيرة ": باب مشرّع على مصراعيه ياخذك في الاول بين احضانه في وصلة نوستالجي تظنها اغنية شوق و حنين و صحو صبح باكر على ذاكرة أمكنة نائمة .... حتى تكتشف انها متاهات لحيرة و سؤال وقلق وشك وجودي ، ميتافيزيقى ، يعصف بمعتقداتك و يضع كل" تقليدياتك و بديهياتك "على حد قول ابي حامد الغزالي موضع السؤال.... "باب الحيرة"" باب مفتوح على الشك و القلق و الحيرة.... ربما تلك هيّ ايضا تونس ،
كاتبة تونسية
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش