الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حتى لا يفسد الكومبارس العمل الفني برمته * العودة إلى الطبيعة والناس العاديين في أفلام مجيد مجيدي * أحمد طمليه

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
حتى لا يفسد الكومبارس العمل الفني برمته * العودة إلى الطبيعة والناس العاديين في أفلام مجيد مجيدي * أحمد طمليه

 

 
في خطوة جديدة على السينما استعان المخرج الإيراني مجيد مجيدي أثناء تصوير فيلمه "لون الجنة" ، بأشخاص عاديين لتأدية الأدوار التي تطلبها الفيلم: أشخاص يقفون أمام الكاميرا لأول مرة ، طلب منهم أن يتجاهلوا تماماً الكاميرا ويتصرفوا كما يتصرفون عادة في حياتهم ، أما القرية التي صوّر بها الفيلم فلقد أبقى سكانها فيها وطلب منهم ممارسة حياتهم كالمعتاد. وقد أنجز مجيدي فيلمه بممثل محترف واحد وهو الممثل الذي قام بدور الأب ، ونجح الفيلم ، وأضفى أداء الناس العاديين رونقا خاصا على الفيلم ، لعلها المصداقية التي يعجز أحياناً أعتى الممثلين عن اضفائها على أدائهم. والصحيح أن مشكلة الكومبارس ، أو الممثلين الثانويين مشكلة ، فرغم أن الدور قصير ، إلا أن الممثل الذي يؤتى به للمشاركة في التصوير يفسد المشهد برمته بحركة من عينيه ، أو بطريقة مشيته. غريب أمرهم، فرغم أن المخرج يطلب منهم أن يتصرفوا على طبيعتهم ، وأن يتناسوا أمر الكاميرا تماماً ، إلا أنهم يختلفون تماماً أثناء التصوير: نظراتهم تختلف ، مشيتهم تختلف ، وإذا طلبت من أحدهم أن يقدم فنجان قهوة أثناء التصوير ، فإنه يتلعثم ويفعل ذلك بافتعال شديد ، كأنه يقول للمشاهد: أنا أمثّل.
أذكر أثناء الدراسة أنني قمت بإخراج مسرحية على مستوى الطلبة ، وقد أثار غيظي يومها الشاب الذي طلبت منه أن يؤدي دور النادل ، فأثناء حديثي معه بدا متفهماً ، بل إنه أوحى لي أنه مدرك تماماً للصورة التي أود للمشهد أن يخرج بها ، ولكنه ما أن وقف على خشبة المسرح وواجه الجمهور حتى اختلف الأمر تماماً بدا كأنه "يتهبل" ، حتى مخارج الحروف اختلفت عنده ، وبدا وكأنه يمشي على عكاز. يومها تمنيت أن أدفعه عن خشبة المسرح.
السينما المصرية ليست بمعزل عن الأزمات مع الكومبارس الذين تجدهم يتواجدون في أماكن التصوير لتأدية مشاهد لا عناء بها. ولكن ما أن يعلن المخرج عن بدء التصوير حتى تبدأ المشاكل فإذا كان المشهد يقتضي ازدحاماً مثلاً من انفجار ، أو انهيار عمارة ، فإن أحدهم يبتسم أو يقوم بحركة غير لائقة تفسد المشهد مع العلم أن الدور يقتضى منهم جميعاً التدافع بهلع ، على اعتبار أن ما يتعرضون له كارثة.
في فيلم "تايتانيك" الذي استدعى ظهورا مكثفا للكومبارس خاصة أثناء غرق السفينة ، حرصت على مراقبة الكومبارس الموزعين على ظهر السفينة ، مدركاً في أعماقي أن أي حركة غير عادية من أحدهم ستفسد المشهد برمته ، فالأمر لا يحتمل ، والمشهد يقول إن السفينة الضخمة ارتطمت بجبل جليد وأن برودة المياه تدل على أن لا أحد يمكن أن ينجو من صقيعها ، بمعنى أن أي حركة شاذة من كومبارس ستفقد المشهد مصداقيته بالمطلق. ولكن المخرج كان منتبهاً تماماً لهذه المسألة ، ففي حين كان هو مهتما بالمشاهد الرئيسية للأبطال الرئيسيين ، كان مساعدوه يديرون الكومبارس بمكبرات الصوت ، طالبين منهم أن يظهروا أعلى درجات الهلع والخوف ، فالأمر لا يحتمل أية فلسفة زائدة. أعود إلى المخرج الإيراني مجيد مجيدي مبهوراً بقدرته على اضفاء المصداقية العالية على مشاهده ، وبحساسيته الخاصة للتعبير عن فكرته ، ففي فيلمه "لون الجنة" جعل النقاد يختلفون على النهاية التي انتهى إليها الفيلم ، فبعد أن نشاهد الابن الضرير على الحصان ووالده يقوده من الأمام ، ثم نرى الحصان يسير على جسر خشبي فوق نهر ثائر ، ثم نرى كيف تهاوى الحصان والابن عن الجسر وراحت مياه النهر تدفعهما بقوة ، يومها أزاح مجيدي الكاميرا عن الطفل وركز على الحصان وهو يتقلب في مياه النهر ليقول: إذا كان اندفاع المياه الشديد قد فعل هذا بالحصان فما هو حال الطفل؟ وبالفعل ، غابت الصورة عن الطفل وتم التركيز على الأب وهو يسبح عكس التيار باحثاً عن طفله ، محاولاً أن ينقذه ، وبعد وقفة للكاميرا أمام المياه وهي تتدافع بقوة ، ران الصمت ، وراحت الكاميرا تبحث عن أشلاء ربما ترصدها على حواف النهر ، واستمرت في تجوالها إلى أن استقرت على الأب ، الذي استيقظ وكأنه كان في غيبوبة وراح يتطلع حوله باحثاً عن ابنه ، إلى أن استقرت عيناه على ابنه ممدداً بلا حراك على بعد أمتار. اندفع الأب نحوه وأخذه في حضنه ، وكان السؤال: هل نجا الابن بأعجوبة ، أم أنه الآن جثة هامدة؟ لم تجب الكاميرا بل راحت تبتعد تدريجياً عنهما ، ثم أظهرت نوراً يشق السماء ويستقر على يد الابن الممددة على ظهر والده المجهش بالبكاء ، وفجأة تتحرك أصابع الابن ، بإشارة تركها المخرج مجيدي معلقة: فهل هذا يعني أن الابن يتعافى وأنه نجا من الموت ، أم أن العناية الإلهية تدخلت بدليل شعاع النور الذي بزغ من السماء ، أم هي السماء تفتح له ذراعيها لتأخذه عندها بعد أن ضاق ذرعاً بحياة لا مكان فيها لطفل ضرير؟ في فيلمه الثاني "باران" يتفنن المخرج مجيدي أكثر في ختام فيلمه. يتحدث الفيلم عن الأفغان الذين يجوبون المدن بحثاً عن عمل شاق يدر عليهم خبزاً قاسياً يقيهم الجوع ، ويكرر المخرج تجربته في التعامل مع أناس عاديين ، فكأنه ذهب إلى موقع عمل فعلاً ، وطلب من الجميع أن يستمروا في مهامهم كالمعتاد ، وكلف الممثلين الأصليين بتأدية أدوارهم وسط هؤلاء الناس. يحكي الفيلم قصة شاب في مقتبل العمر يعمل في أعمال البناء في عمارة قيد الإنشاء ، ولكونه الأصغر سناً يكلفه المسؤول أن تقتصر مهامه على إعداد الطعام والشاي للعمال وغسل ملابسهم. ويستمر بطل قصتنا في هذا العمل إلى أن يأتي شخص أصغر سناً منه فيكلف هو بمهام الطعام والشاي ، فيما يعود بطلنا للأعمال الشاقة من جديد. يحقد الشاب اليافع على هذا الدخيل الجديد الذي سرق منه رفاهيته في العمل ، إلى أن يكتشف أن القادم الجديد هو أنثى ، فتاة في مقتبل العمر ، تغطي شعرها جيداً وتعمل لمساعدة أسرتها الفقيرة. يعجب بها الشاب ، بل إنه يقع في حبها ، ويصبح معنياً بحمايتها دون أن يجري أي حديث بينهما. يستمر الأمر على هذا الحال إلى أن يأتي والد الفتاة ذات يوم طالباً مبلغاً من المال من صاحب العمل لحاجة ماسة ، غير أن صاحب العمل يرفض طلبه فيعود الأب خائباً ، فيقرر بطل قصتنا أن يبيع جواز سفره لمكتب تهريب العمال مقابل مبلغ من المال ، ويذهب به في صباح اليوم التالي ويعطيه لوالد الفتاة مدعياً أن صاحب العمل هو الذي أرسله معه. وهناك تكون المرة الأولى التي يرى فيها الفتاة عن قرب ، وأثناء حديثه مع والدها يكتشف أن الأسرة ستسافر غداً صباحاً إلى أفغانستان. يفاجأ الشاب ، فلقد أضاع جواز سفره ، ولم يبق أمامه سوى أن يأتي في صباح اليوم التالي لعله يودع الفتاة. وبالفعل يصادفها في الطريق فترمقه بنظرة فيها حب والكثير من الامتنان ، إلا أن قدمها تنغرز في الطين ، فتسحب قدمها ، ويبقى الحذاء. يهرع الشاب ويتناول الحذاء بعناية ، يمسح عنه الطين بحنان ويعيده إلى قدم محبوبته التي تنظر إليه بامتنان وتصعد إلى الشاحنة الذاهبة بها إلى البعيد. يعود الشاب بائساً ، حزيناً ، يمشي بتثاقل ، وفجأة تستقر عيناه على الأرض فتنفرج شفتاه عن ابتسامة دافئة ، تتجه للكاميرا نحو ما استوقفه فتستقر على الأثر الذي تركته قدم الفتاة في الطين. إنه محض أثر تبقى فيما المطر راح ينهمر.
وبهذا ينهي مجيد مجيدي فيلمه تاركاً باب التأويل مفتوحاً: هل الأثر يخفف لوعة الحبيب؟ وطالما أن المطر ينهمر فهل يعني هذا أن الأثر سيزول وأنه سينسى ، وأن ما يبقى من قصة الحب الصامت هو التجربة ، تلك التجربة التي ندفع أحياناً حياتنا ثمناً لخوضها؟ تلك على أية حال هي الفكرة التي ظلت في "بطن" الفيلم ، أما ما ظل ظاهراً للعيان فقدرة المخرج مجيد مجيدي على توظيف الطبيعة والناس العاديين في أفلامه بطريقة تستدعي الاهتمام.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش