الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اطلالة على سحر المكان * العقبة مرتع الأيائل وشموخ النخل * أ.د. سلطان المعاني

تم نشره في الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2007. 03:00 مـساءً
اطلالة على سحر المكان * العقبة مرتع الأيائل وشموخ النخل * أ.د. سلطان المعاني

 

 
يتهادى البحر في إهاب.. يحوك وشاح الضفاف.. يسحب الأفق امتداد زرقة.. يبيح للعاشقين قرض القصيد.. يمنح الروح نوارس الشطآن.. يسوق خطاه إلى "الأرض الجُرُز".. يبعث فيها السنبلة المَثَل.. تُنْبًتُ "سبع سنابل".. "في كل سنبلة مئة حبة".. إنها أيلة.. تتوسد القمر كل مساء.. تهب الحكاية انسياق المدى.. من شاطئ الحلم نحو رحاب الغمام.. ومن زورق العتق صوب اندياح النشيد.. ومن شجو موسيقاها إلى خًدر القمر... أيلة قنديل الروح في درب اليقين.. ياقوتة الفرح بين مخضل الضفائر.. تحرس موج البحر النافر أسراب قطا.. والسابح صوب يناع الهوى.. والرَّغَاب.
أيلة.. تسابيح الطفل وبقايا تذكاراته.. ينتشي بتلك الذكرى الحلم.. حيث يمسك الوالد.. بكل جلاله وهيبته وطوله الفارع يد الصبي.. يمضي معه.. يتنسم ندى مساءات أيلة.. يمضي صوب البحر.. يصطحب الطفل وقمر السماء.. فيا لمجد القامة العالية.. وطيب النسائم.. ودفق الحنان من القلب الكبير.. يا طهر الروح وطيب الفؤاد.. لا يشبه ما قلته ذلك المساء قول أحد.. لبيك يا بيدر الخير.. ويا سقيا الديار.. في مساء الحكاية.. كانت حواري البحر تحرس الشاطئ.. وقد أرخى البحر جدائله.. وزف القمر تباشير الغد.. قال الأب: هل ستتذكرني بعدما تصعد الروح إلى باريها يا ولدي؟.. هل ستقص لأولادك ، القادمين من بطن الغيب ، .. عني.. وعمّا أقص عليك..؟ إيه.. يا أبي.. وكيف أنسى؟، هي العقبة.. بيت الحكاية.. سيدة المسافات من ميلادك إلى أن اختارك ذو الجلال والرحمة إلى جواره.. فها هي العقبة تسفر عن نفسها ، وعن سحر مساءاتها التي تحيي تلك الذكرى سرمدا.. وتجمل الدنيا في عيون الطفل الذي كبر.. فما يفتأ يقرأ الفاتحة على طهر الأرض من ثغرها الباسم إلى ياقوصة اليرموك.. وقد استحالت روضة جنان بإذن ربها ، حيث يرقد الأب.. صاحب الحكاية والذكري ونسيم الخطرات.. هي أيلة.. فماذا سطرت كتب التاريخ عن مباهج ثغرها وحسنها؟.. عن مدينة البحر.. والفضاء الفسيح في لقيا المصريين والشاميين والحجازيين.. مدلاج البوح والنضارة.. نقشت على السفح أسفارها.. فأضاءت شموع الآدوميين.. والأنباط.. والأمويين.. والفاطميين والمماليك.. ووثقت لمحطات اليونان والآشوريين والرومان والعثمانيين. هي أيلة ومَنْ سواها..؟،.. تاهت فوق هام المجد.. إذ حاز يوحنا بن رؤبة ، صاحبها ، كنوز الشمس ، لمّا اتشحت بكتاب سيد الخلق محمد عليه السلام: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبيّ رسوله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البرّ والبحر لهم ذمّة الله وذمّة النبيّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يريدونه ولا طريقًا يريدونه من برّ أو بحر.
أيلة.. لم تُتعًبُ الريحُ خطاها.. فعلى شاهق من الكبرياء احتفت بكتاب شرحبيل بن حسنة وجهيم بن الصلت في السنة التاسعة للهجرة.. وقد ظلت عامرة تضج بالحياة قرونا مذ ذاك الكتاب.. وها هو الملك الناصر صلاح الدين ينشئ رواسي البحر ويعلي أشرعة المراكب.. إعلانا لفتح القلعة في العقبة وتحريرها من الفرنجة.. فكان له الفتح وميض برق في ست وستين وخمسمائة للهجرة.. عرفت العقبة في التاريخ اليوناني باسم بيرنايس ، وعرف خليجها باسم خليج لينتيز ، وقد سماها الرومان إيلا ، وإلينا.. ونعتها البيزنطيون إيلانه.. كانت في زمانهم مرمى أحزان الحيارى.. وعلى عتباتها يتساقط صفصاف الخطايا.. وهي التي ابتنى ابنها اسطفان كنيسة القديسة كاترين فوق جبل سيناء.. تسمت العقبة بأيله زمن الآدوميين والآراميين ، وأيلوت ، فأيله في عهد العرب الأنباط.. وقد تناوب الآدوميون والآراميون والعرب الأنباط على حكمها ، وكانت مطمعا لليهود والرومان والبيزنطيين فاحتلوها غير مرة.. بيد أنها لم تتطبع بطابعهم.. ولفظتهم في كل مرة.. حيث قيظ لأيله من يمنحها شرف الخلاص من الغرباء.. فتعاقبتها العصور الإسلامية المختلفة. لم يدم نزف جرح أيله بعد احتلال الصليبيين لها.. فاكتست عبيرا وافترشت سجادة الكبرياء.. احتفاء بصلاح الدين الأيوبي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي ، وهو يعيد قلعتها وجزيرة فرعون إلى حظيرة الإسلام.. وجاء بعده بقرنين المملوكي قانصوه الغوري فوطد تحصين العقبة ، حيث ابتنى في القرن الرابع عشر الميلادي حصنا منيعا فيها.
أيلة لهفة الانتظار.. وقد شَرّعت له بابين ، واحداً للإبداع وآخر للفرح ، فإذا بالإبداع يتأتى صنيع عبقرية المكان ، وإذا بالفرح يملأ قلوب الزائرين والعاشقين.
موعدنا مع أيلة شوق دائم.. وحلم قادم .. يستمر فيه العطاء ... ويتسع معه المدرك ... أيلة.. عروس البحر الأحمر.. والثغر المنسدل عسلا ونورا.. بحر الرواسي "المنشآت في البحر كالأعلام".. مخرت عبابه سفينة الشراع الفينيقية.. واشتاقت لحضنه الدافئ سفن المعز لدين الله الفاطمي.. وسفن كليوبترا البطلمية.. تمضي السفينة في رحلة الإيلاف إلى اليمن السعيد.. تمر ببلاد بونتي.. تعود بالطيوب والتوابل والبخور.. ينتظرُها على خليج لينتيز العرب الأنباط.. رجال تاقوا للبراري.. وما لفظوا البحر.. ركبوا أحمره وأبيضه.. ابتلت أقدامهم بمياه جزر المتوسط وسواحله الشرقية في أوروبا.. في أيلة.. سطوة للمكان.. ومهابة للبحر.. وموج يضبط إيقاع القلب على تشكلاته.. وزرقة شفافة تمنح الروح غفران البوح.. ونداء التجلي.. يقرأ عليك المكانُ في أيلة كل ذاتك.. يكرس حضورك الإنساني.. بوحك.. الفكرة الغافية في أعماقك.. صورة التبتل.. المفردة المتصوفة.. في "قهوة غندور" تتبعثرُ الكلمات جذلة.. تغازل حورية البحر.. فتحتفل الذاكرة بذلك الحضور العذب للتصابي الذي كان.. فلا تتوارى الذات خلف واقع اشتعال الشيب.. في "قهوة غندور" تتناهى الذات الشاعرة ، حدَّ الإفلات ، مع اللحظة.. تستلم الروح لتساميها وتوحدها مع أفق البحر المتصل بالسماء.. تسبح.. تغوص.. تتماوج تستحيل شراعاً.. ترتقي نجماً.. ففي أيلة يطيب لدرك الروح الإنعتاق.. وَتَقاسُمُ حَمْدَ العَودً لتحلو الحياة.. ،
[email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش