الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نازك الملائكة.. فشل مشروع الأمة في العراق

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
نازك الملائكة.. فشل مشروع الأمة في العراق

 

 
علي بدر
لم يكن الطابع المأتمي لديوانها الأول "عاشقة الليل" الذي نشرته في العام 1947 إلا صورة حقيقية لمناخ رومانتيكي كان سائدا في العراق ذلك الوقت لدى الطبقة الوسطى ، وكلنا نعرف الجمل التهكمية الساخرة لمارون عبود وعبقريته الفذة في توصيف الديوان.
غير أن النباهة والألمعية خذلت عبود هذه المرة - كما خذلته مرات عدة فيما بعد - في إدراك عمق التحول الشديد في المجتمع العراقي ذلك الوقت والذي عصف بطبقات بأكملها ، كان حنا بطاطو وصفه فيما بعد ، بتفصيل حاذق وشديد كنوع من أنواع الخراب المؤسف الذي حل بواحدة من مستعمرات بريطانيا.
ثمة مشهد موح ، هذا الإنكار المطلق لعالم راهن ، عالم الدولة العراقية الذي كان يسير بالمطلق نحو مطلق الدولة ، وتأسيس مجتمع القبول والارتهان ، بينما الذات كانت تريد قلب كل شيء ، وفي الوقت ذاته كانت تؤكد حنينها اليائس إلى نظام ، وهذا ما دلل عليه لا ديوانها الثاني فقط "شظايا ورماد" والصادر في العام 1949 وإنما ظهور موجة من الشعراء الذين أرادوا مراجعة نظام الشعر العربي الذي مر بسقف زمني عمره ألفا عام. بكلام آخر أرادت هذه الشابة من عائلة الملائكة (أعرق الأسر البغدادية) أن تجعل من هذا الإنكار المطلق نوعا من قبول شكل من التهديم المتحفظ لواحد من أقدس أقداس الأمة.
ما هي هذه الأمة ذلك الوقت ، في عراق دام من الصراعات والتجاذبات؟ فهد ، زعيم الحزب الشيوعي العراقي ، كان قد أعدم.
المثقفون المتنورون أبدوا نوعا من الشراسة الدفاعية إزاء التحول نحو الكومونويلث.
أما الشعر وهو التراث الصاخب بالمطلق ذلك الوقت - ولا سيما في المظاهرات - فقد منح امتيازا لنوع من الوعي الشديد بالذات ، هذا الوعي الذي عزز فيما بعد مفهوم الأمة ، الأمة العراقية التي أرادت الدولة العراقية أن تشيدها من أشلاء الإمبراطورية العثمانية ونظامها الملي القديم ، ومن لملمة أوصال القومية العربية التي تنطوي على استعادة ماض ، وتراث لغة قديمة ، ومؤسسات متهاوية كالجوامع والمكتبات.
ربما كانت نازك الملائكة من أشد الأمثلة صرامة على مثل هذا التمزق الذي لم ينتج سوى حياة مشوهة ، ضغطت برمتها في قوالب جاهزة من الأفكار ، وفي أوطان معدة الصنع ، وإن كانت تمتلك ما ترد به على واقع ينحدر شيئا فشيئا نحو الرطانة السياسية ، والمنفى في مدن هشة ومعطوبة ، والانتقال من مجتمع الرعايا إلى مجتمع العمل والتجميع ، والحياة القديمة التي لم تعد صالحة إلا لاستعمال مؤقت - مجتمع الطمأنينة كما يسميه تيبوديه - إلا أنها كانت بطلة المطالبة بمجتمع قديم ، ومن هنا يأتي هذا الحنين الكلف بحياة باستورالية ذهبت ولن تعود.
إن الرغبة في التظاهر بقبول المجتمع الجديد تختفي تحت إرادة القبول بمجتمع التفاهة - هكذا كان يسميه محمود أحمد السيد - الرأسمالية الجامحة والكولونيالية المباشرة كانت تسحق قوى جديدة نازحة من الريف ، والإذعان لا يظهر في مجتمع التناقض - المجتمع العراقي ، وهو مجتمع الأهواء الجامحة حتى اليوم - إنما الإنكار هو الذي يظهر ، وهكذا يتعاظم التمرد الذي يصل بعض الأحيان إلى العدم ، لا عدم الجماهير فقط ، أو عدم المثقفين فقط ، أو عدم النخبة السياسية المعارضة فقط ، إنما عدم الدولة ، قتل - الطلبة الشيوعيين - المتظاهرين على جسر الشهداء كان هو قمة اللحظات العدمية في تاريخ الدولة العراقية. كانت الدولة العراقية غارقة في استخدام العنف ، وكان العنف يتعاظم من قبل القوى السياسية السائدة ذلك الوقت لأنها وجدت نفسها في مناخ ثقافي عنيف ، فالشيوعية قد اكتسحت أكبر قدر من الناس ، من الشيعة والسنة واليهود والمسيحيين والصابئة واليزيديين ، ومع ذلك لا تقدما حقيقيا في الفكرة أو في المصطلح ، إنما يوجد تقدم حقيقي في اللهجة فقط ، فالسعي إلى التصدي للدولة هو المسعى الحقيقي لأنتلجنسيا حديثة حداثة هشة.
كان نزعة القوى في التسلط والهيمنة تقوم على قاعدة شاملة ، أما الرومانتيكية الجامحة فقد أخذت شكل تمرد عنيف ، حتى أبناء الطبقة الأرستقراطية الحاكمة مع بعض التحسينات أخذوا دور العاصي ، ذلك أن مجتمع الإنكار - وهو مجتمع التناقض بطبيعته - أخذ يتوسع ، حتى توصل إلى إنكار كل شيء ، وصولا إلى العدمية المطلقة - هذه العدمية التي حكمت تاريخ العراق حتى أوصلته إلى الفناء والانتحار - حيث نرى طوال تاريخه طبقة حقيقية من الأنتلجنسيا ممثلة بالفن تعلن الانقلاب المحتوم على كل ما هو سائد ، هذه الطبقة لا تتعلق بنير التمرد فقط ، إنما بالانكسارات ، ولا تتوافق هذه الانكسارات فقط مع العدمية الأخلاقية - إنما مع الموقف من الحياة السياسية أيضا ، ولذلك لا يدرس تاريخ نازك الملائكة من النجاح مطلقا إنما من الفشل ، وهو فشل مجتمع بأكمله بطبيعة الأمر. أنا أجادل هنا أن كل مشاريع المثقفين العراقيين كانت مرهونة بمشاريع سياسية في الخفاء ، هذه المشاريع التي أنتجت ضربا من الفشل المتجهم ، وقد سارت في آنية معدة للصدفة السياسية والقطع والتمزق والهباء.
لقد ربطوا الحداثة الفنية بالحداثة السياسية ، ودفعوا هذا التمفصل إلى السطح الظاهر ، وتعلق السياسيون بهذا التاريخ لدفع الجماهير ، ومن قبلهم المثقفون ، إلى لعب دور حقيقي في المعارضة المطلقة ، والذي أدى إلى فشل ذائع وذريع.
لقد ولدت نازك الملائكة في العام 1923 ، ولدت في زمن تأسيس الدولة العراقية بالضبط ، ولدت لحظة ميلاد الأمة العراقية ، ولم تكن هذه الولادة مبدئيا سوى الظهور بكينونة خاصة ، لا تشبه أية كينونة لأمة محاذية لها مطلقا. وهذا ما جعلها في النقطة الأعلى من التناقض والاضطراب والتحول.
وهكذا ماتت نازك الملائكة ، عاكسة نهاية هذه الأمة بوصفها امتيازا خاصا. ماتت في النظرة الكئيبة والكالحة لمجتمع العدمية المطلقة الذي سار منذ زمن الثورة شيئا فشيئا نحو الفناء والانتحار.
ہ روائي وكاتب عراقي
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش