الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كـــارثـــة * اختفاء الأحلام * * جمال ناجي

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
كـــارثـــة * اختفاء الأحلام * * جمال ناجي

 

 
قبل أربعين عاما كان البيان رقم (1) الذي أعلنه أحمد سعيد ، نجم الإعلام التعبوي العربي في ذلك الحين ، يحمل معاني كثيرة تراوحت بين التفاؤل والإرتياب (أسقطنا للعدو ثلاثا وعشرين طائرة) فيما كانت الطائرات الإسرائيلية تمزق أحلامنا بحممها وهديرها الذي امتد حتى تغلغل في أعماق الأرض والذاكرة. كانت ذاكراتنا تسجل ، بدقة تفوق حواسيب هذه الأيام ، صور الفجيعة والفوضى والصراخات المذبوحة وملامح وجوه الأجداد والآباء الذاهلة لانسحاب الآمال وتشردها أمام مرارة الحقيقة التي انهار معها يقيننننا.
حلت النكسة ، فضقنا بواقع أمتنا الجديد ، وبثيابنا التي لم نعد نحتملها. كان لا بد من أن نحتج أو ننفجر رغم طفولتنا ، إذ كيف كذب الكبار علينا وأوهمونا أن تحرير فلسطين مسألة أيام؟ وأن سفائن الفرار قد أعدت للمحتلين الذين حزموا أمتعتهم استعدادا للهرب من خطاباتنا وصلوات آبائنا وأمهاتنا واجدادنا؟ لماذا كذبوا وتركونا فريسة أحزان أقامت في أعماقنا بعد أن طردت أحلامنا الوردية التي رعيناها أعواما؟ لكن احتجاجنا على ما جرى ، تم بطريقة غنائية ، وبمفردات ثورية حالمة ، مفردات تمردت على السأم ، وتجرأت على اتهام آبائنا وأجدادنا بالتخاذل والتقصير ازاء وطن تسرب من بين ايديهم ، وتبعثر في زحام البحث عن النجاة والحياة ، وكانوا يتفهمون نزقنا وضيقنا "الوجودي والثوري" في آن معا ، فيقولون لنا ، بصبر الحكماء وحزن الانبياء: البركة فيكم. يقولونها ويصمتون ، فنهدأ نحن ونزهو بانتزاعنا اعترافهم العلني بالتقصير، لكننا لم نكن نلتفت الى ما تبقى من اجابة الآباء والاجداد ، كأن اعترافهم بضياع البلاد هو الموضوع ، اما استعادتها فمسألة اخرى ، فيها نظر.
الآن ، ونحن في ذكرى ضياع تلك الارض ، نكتشف ان ما كان يهمنا هو ان نزيح عبء القضية عن كواهلنا ، وان نبحث عمن نحمّله مسؤولية النكسات ، حكاما وآباء وأمهات وأجدادا ، ربما لأن جيلنا لا يستطيع التمييز بين المؤمنين والمقامرين ، بين الشهداء وقتلى الاشتباكات على مراكز نفوذ تقف على ساق واحدة ، وربما لاننا انشغلنا عن القضية وانهمكنا بتفاصيل ثرثراتنا واستعراضاتنا السياسية والثقافية ، وخلافاتنا حول الواقعية ، واولويات النضال الملتبس ، وكيفيات السير في المسارب الضيقة ، دون الوقوع بين اشواك الحقيقة والغامها، تلك هي حقيقة جيلنا الذي لا زال يتحدث باسترخاء مريب عن الوطن ، في المهرجانات والندوات والصالونات ، هذا الجيل تخلى عن الحلم "من زمان" واختفى في زحمة الشعارات والمراكز والبنايات ، مكتفيا بذكرى مكتوبة عن الارض ، وبخريطة غير ثابتة للوطن الذي كان.
هكذا اصبحنا: لم نعد نحلم حتى اثناء نومنا، من يرصد لياليه الآن يستطيع التنبه الى كارثة اختفاء الاحلام، ولربما اسعفته الذاكرة فرأى ما كان قد رأى قبل عقود ، وقد يتوصل الى انه لم يعد ثمة ما يبرر الحلم ، اذ طالما اخترنا ان تعود فلسطين الينا برجليها حيثما نكون ، وطالما آمنا بان التاريخ سيعيد نفسه ، ويتدخل بأثر رجعي ليمنحنا ما نريد ، فلماذا العناء؟ لماذا نهجس في احلامنا ، ونزعج زوجاتنا وابناءنا بكوابيس وطن تناثرت دماؤه واشلاؤه في كل البقاع والاتجاهات؟،.
هي لعنة لاحقت جيلنا ، منذ ان احيلت عطاءات القضية اليه بقوة الزمن ، لعنة لاحقتنا منذ ان استبدلنا بأحلامنا ، هلوساتنا السياسية وشعاراتنا النارية التي لا تنير ، وعلاقاتنا الدولية المثيرة للشفقة وللجدل المبني على خرائط متحركة كالرمال.
ثمة تقصير ، نقولها ونمضي ، كأن التقصير مفردة بلا جذور ، او كأنه ليس امتدادا لتثاؤب جيل تناسى أمته بأكملها ، وتغاضى عن همومها وأوجاعها ، وكأنما لم ينتبه الى ان الدمار المتنقل في كل مساحات وطننا العربي ليس سوى نتاج لذاك الذي جرى قبل أربعين عاما.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش