الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من اسرار البيان القرآني * ويعلمهم الكتاب والحكمة * د. عودة ابو عودة

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
من اسرار البيان القرآني * ويعلمهم الكتاب والحكمة * د. عودة ابو عودة

 

 
في هذا الجزء من الآية الكريمة فعل وفاعل ومفعولان: يعلم ، والفاعل ضمير مستتر يعود على الرسول في نص الآية كما سيرد بعد قليل ، ومفعول به اول وهو الضمير «هم» ومفعول به ثان وهو «الكتاب» ، وقد عطف عليه ايضا الحكمة. اذن هي ثلاثة اركان في عملية التعليم ، معلم ومتعلم ومنهاج للتعليم. فالمعلم هو ر سول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والمتعلم هم الاميون من قبائل قريش وغيره في الجزية العربية ، الذين لم يبعث منهم رسول من عند اللّه قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمنهاج هو الكتاب والحكمة الذي أنزل على رسول اللّه عليه الصلاة والسلام.
فلنقرأ الآن قوله تعالى في الآية الثانية من سورة الجمعة «هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين». وقد دفعني للحديث عن هذه القاعدة الذهبية في التعليم ما سمعته وشاهدته قبل ايام في احدى الفضائيات العربية اذ كانت تبث برنامجا عن التصوف: مفهومه واركانه.
وثار «جدل» في اثناء الحلقة بين مقدم البرنامج وبعض الحاضرين حول الاسلوب الامثل للتعليم: أهو من الاذواق ام من الاوراق ، يقصدون بذلك أيتم التعليم على يد شيخ يبث في تلاميذه افكاره وسلوكه ومبادئه ام هو يتم من خلال دراسة الكتب «الاوراق» وأن المتعلم يستطيع بمراجعة الكتب ان يتعلم وان لم يلتق بمعلم خلال ذلك.
قلت ان هذا الفهم لاسلوب التعليم هو فهم غير كامل او غير كاف وقد وضحت لنا آيات القرآن الكريم جوانب النظرية التربوية في بيان واضح كما ترى في الآية الكريمة ، ثم جاءت النظريات التربوية الحديثة في احدث مصادرها ، وأكابر علمائها تقول ان العملية التعليمية التعلمية تقوم على ثلاث دعائم: الدارس ، والمدرس ، والمنهاج.
ويتوسعون في شرح مصطلح المنهاج فيقولون انه يشمل الاهداف التي نسعى الى تحقيقها والمحتوى الدراسي وأساليب التدريس بما فيها الوسائل المتطورة التي تستخدم التقنيات الحديثة وأساليب التقويم التي تسهم في تطوير المنهاج دائما.
وهكذا نرى ان علماء التربية لم يأتوا بجديد ، ولكنا نرى ان علماء التربية والتعليم من العرب المسلمين يغفلون عن دراسة تراثهم وأدبهم والآيات الكريمة ، والاحاديث الشريفة التي يمكن ان يستخلصوا منها احسن النظريات التربوية بكل تفاصيلها ، وعلى هذا فليس يكفي الدارس ان يتلقى علومه على شيخ او على معلم ايا كان ، بل لا بد له من كتاب يقرؤه ، ويراجع فيه دروسه بعد ان يسمعها من معلمه ولقد نعلم من خلال مراجعتنا لسير علمائنا الكبار في مختلف العلوم والآداب كيف ان كلا منهم كان يقرأ على تلاميذه كتاب كذا وكتاب كذا ، حتى اذا صار بارعا في العلم صار يكتب فيه هو ايضا من الكتب ما قد يفوق كتب شيوخه الذين درس عليه. وليس يكفي «ايضا» ان يقرأ الدارس الكتب دون معلم ، لان المعلم يضفي على طلابه من روح العلم ، وأسلوب التدريس ، ومن اخلاقه وعلومه ما يفوق كثيرا ما يكون في الكتاب المقرر.
ان تأثير المعلم في طلابه كبير ، فإذا كان المعلم من ذوي الاخلاق الفاضلة ، والعلم الغزير والاسلوب المتطور ، والروح الطيب ، والثقافة الواسعة ، كان تأثيره في طلابه كبيرا. وكم من معلم ذكره طلابه بكل الحب والاحترام والتقدير ، وكم من طالب بذّ استاذه فيما بعد ، وكم من دارس ارتقى في سلم الحياة العملية والاجتماعية فصار ذا شأن وظل يحمل لاستاذه كل التقدير والتبجيل ، ان المعلم الصالح يزرع في طلابه كل الفضائل الى جانب العلوم التي يدرسها والطلاب - عادة - يقلدون اساتذتهم في الخير وفي الحق وفي انماط السلوك الطيبة.
هذا هو ما تعنيه الآية الكريمة في قوله تعالى «ويزكيهم» فالتزكية فوق التدريس ، او فوق المنهاج المقرر. التزكية هي الاثر النبيل الفعال الاذي يتركه المدرس في نفوس طلابه من حب العلم ، والرغبة في البحث والحرص على التعلم. كل ذلك يزدان بروح سمح ، ونفس رضية ، وسلوك سام ، وعشرة محبوبة تجعل الدارس لا يطيق ان يفارق استاذه. ان هذه هي العلاقة الصحيحة بين المعلم والمتعلم. يجب ان يشعر المعلم ان طلابه امامه هم ابناؤه او اخوته ، وانه يحبهم وهو حريص على تحقيق كل ما يرجونه من خير ونجاح فيعاملهم باحترام وتقدير ، ويشعر ان هؤلاء الطلبة «الآن» هم رجال المستقبل ، وعلى الطلاب ايضا ان يبادلوا الاستاذ المحبة والاحترام والتقدير ، وان يشعروا انه يفعل كل شيء من اجل اسعادهم وتعليمهم ونجاحهم.
هذه هي الصورة التي رسمها القرآن الكريم للعملية التعليمية التربوية. الصورة التي جعلت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خير معلم ، وقدوة للمعلمين بعده ، ولكم كان رسول اللّه حريصا على ابناء امته وعلى الناس أجمعين ان يهديهم الله عز وجل الى وطريق الخير والفلاح ، والآيات على هذا كثير «لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليك بالمؤمنين رؤوف رحيم» وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرأف بالمسلمين من انفسهم ، ولذلك كانوا يحبونه أكثر من حب احدهم نفسه.
ثم جعل اللّه عز وجل «الكتاب والحكمة» منهاج التعليم لكي يرشدنا ان نتوخى الكمال والخير والحق والعلم النافع عند وضع مناهجنا وتأليف الكتب الدراسية. حتى ينشأ جيل صالح معتز بدينه ، وبلغته ، وبأمته ، وتعود لهذه الامة هويتها وشخصيتها وعزتها ومكانتها الحضارية. وهذا لا سبيل له الا بالعمل النافع وفق مناهجه التربوية الصحيحة ، والى اللقاء.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش