الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الذي لم يَقلهُ الفقهاء ، في عصمة الانبياء «عليهم السلام» * مناقشة شرح الباجوري ، لكتاب «جوهرة التوحيد»

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
الذي لم يَقلهُ الفقهاء ، في عصمة الانبياء «عليهم السلام» * مناقشة شرح الباجوري ، لكتاب «جوهرة التوحيد»

 

 
د. عودة اللّه منيع القيسي
هذه المقالة .. هدفها ان تناقش بعض ما ورد في كتاب «شرح جوهرة التوحيد» للشيخ ابراهيم الباجوري - رحمه الله - المتوفي سنة ه1227ـ - باعتبار كتاب شرح الجوهرة هذا حصيلة لما قاله الفقهاء السابقون عن عصمة الانبياء ، لانه متأخر ، جاء بعد عشرات الكتب التي عرضت لعصمة الانبياء - عليهم السلام جميعهم.
وسنجعل مناقشة هذا الكتاب في مقالتين: الاولى تناقش اربع قضايا ، والثانية خمسا.
اولا: ما قاله كتاب «شرح الجوهرة» عن عصمة الانبياء هو الآتي: «الامانة - الصدق - الفطانة - التبليغ الكامل - المعجزات للانبياء - الاقراء ، وعدم النسيان - التفوق في الشرع ، على كل من أرسل لهم كمال العقل الذكاء ، قوة الرأي ، البشرية ، الذكورة ، الحرية ، الكمال الجسمي» «فلا يكون في النبي ما ينفر منه».
وقد استدركت على هذا الصفات اثنتين وعشرين صفة ، لازمة للانبياء اوردتها في المقالة السابقة ، وعنوانها «ما قاله الفقهاء عن عصمة الانبياء.. غير كامل» فليرجع لها.
ثانيا: يقول الباجوري: نصوص من «شرح جوهرة التوحيد ص 274 ، 275 ، 303» ، وواجب في حقهم الامانة وصدقهم وضف له الفطانه ، وواجب في حقهم: المراد بالوجوب - هنا - عدم قبول الانفكاك بالنظر للشرع لان ما ذكر من الواجبات سمعي ، نعم ، تصديق المعجزة لهم في دعوى الرسالة وضعي لتنزيلها منزلة الكلام «اي صدق عبدي فيما يبلغ عني» ودلالة للكلام وضعية ، فكذا ما نزل منزلته ، وقيل: تصديقها عقلي لتنزهه تعالى عن تصديق الكاذب ، والمتبادر عود الضمير بقوله «في حقهم» على الرسل ، وقد فسره الشارع بالانبياء ، فهم مشتركون بكل الاحكام ما عدا التبليغ ، اذ انه خاص بالرسل وحدهم وبعضهم عممه للانبياء ، لانه يجب على النبي ان يبلغ انه نبي ليحترم.
الامانة
اي العصمة ، وللعلماء فيها عدة تعاريف ، لكنها متقاربة ، وأحسنها «ان العصمة ملكة نفسانية تمنع صاحبها الفجور» ، فتكون الامانة على هذا هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم عليهم الصلاة والسلام من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة او خلاف الاولى ، فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب ، كيف لا؟ وفي الاولياء الذين هم اتباعهم من يسير لمقام تصبح فيه حركاته وسكناته طاعة للّه تعالى بالنيات ، اذ ان النية تقلب العادة عبادة.
وقد اختلفت في وقت وجوب هذه العصمة لهم عليهم الصلاة والسلام ، فذهب بعضهم الى انها واجبة لهم من اول الولادة الى آخا العمر ، وذهب الآخرون الى انها تجب لهم في زمن النبوة ، اما قبلها فهي غير واجبة ، والذي عليه المعتمد في هذا ما قاله العلامة محمد بخيت المطيعي ، من انهم معصومون قبل النبوة وبعدها ، فلا يصدر منهم ذنب لاستحالة صدور كل ما ينفر عنهم قبل النبوة ، وما قاله كذلك في «فواتح الرحموت».. واما قبل النبوة فالتحقيق الذي عليه اهل اللّه من الصوفية الكرام انهم معصومون ايضا من الكبائر والصغائر عمدا ، كيف لا وهم انما يولدون على الولاية ، ولا يمر عليهم طرفة عين وهم غير مشاهدين للّه تعالى ، وولايتهم قوية عن ولاية الاولياء الذين ولايتهم مأخوذة منهم ، وقد عقب الشيخ محمد بخيت على هذا بقوله :
وقد قال تعالى «اللّه اعلم حيث يجعل رسالته» ، فكان كل رسول مولودا على الاستعداد التام لان يكون رسولا فلذلك كانت ولايته غير مكتسبة برياضات بل فضل من اللّه تعالى كرسالته ، بخلاف الاولياء ، وما ورد من النصوص الموهمة خلاف العصمة يؤول على انه من باب حسنات الابرار سيئات المقربين ، ولا يجوز النطق به في غير مورده الا في مقام البيان ، ودليل وجوبها انهم لو خانوا بفعل محرم او مكروه او خلاف الاولى لكنا مأمورين بذلك المحرم او المكروه او خلاف الاولى ، لان اللّه تعالى قد امرنا باتباعهم في اقوالهم وأفعالهم من غير تفصيل.
قال عز وجل «قل ان كنتم تحبون اللّه فاتبعوني» ، وعصمة الباري لكل حتما: لما كان الجمهور على وجوب عصمتهم عليهم الصلاة والسلام مما ينافي مقتضي المعجزة اذ انها تتقضي الصدق في دعوي النبوة ، وما يتعلق بها من التبليغ وشرعية الاحكام ، قال: حتم ايها المكلف عصمة الباري لهم ، اي اعتقد ان عصمة الباري لكل واحد من الانبياء والملائكة واجبة ، فلا تنفك ولا تقبل الانتفاء بحال. وانما تعرض للمعصمة - هنا - رغم سبق بحثها لادخال الملائكة في حكمها والاتصاف بها مع الانبياء.
والعصمة لغة: مطلق الحفظ ، واصطلاحها: حفظ اللّه تعالى للمكلف من الذنب مع استحالة وقوعه ، وبهذا المعنى لا يجوز ان نسألها ، اما ان اريد معناها اللغوي فجائز.. وما جاء عن هاروت وماروت فمن اكاذيب اليهود وافتراءاتهم ، ولم يصح فيه شيء من الاخبار ، وقد قيل انهما كانا صالحين وسميا ملكين تشبيها.
ما الصواب - وما الخطأ - في هذا التعريف؟
ثالثا: أقول القسم الاول من التعريف صحيح ، الى قوله «حفظ ظواهرهم وبواطنهم عليهم الصلاة والسلام».
اما ما بعد ذلك: ففيه قولان ، وهو «من التلبس بمهني عنه ، ولو نهي كراهة او خلاف الاولى ، فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب» ان هذا امر يخالفه الواقع ، فمن الواقع المعلوم ان رسولنا صلى اللّه عليه وسلم عندما قرر مفاداة اسرى «بدر» وقد وافقه على ذلك الصحابة - رضوان اللّه عليهم - ما عدا عمر بن الخطاب ، وسعد ابن عبادة فقد جاء اجتهاده «خلاف الاولى» فحكم اللّه العليم الحكيم بالاولى ، قال تعالى «ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يُثخن في الارض» (الانفال 67) فكيف يقال - بعدها هذا الدليل الجهير بأن الانبياء لا يتلبسون بمنهي عنه ، ولو نهي كراهة ، وخلاف الاولى؟ ،
- اذن العبارة الصواب كما ارى هي «ظاهر الانبياء ، وباطنهم ، لا يتلبس بمنهي عنه ، نهي كراهة او خلاف الاولى «بقصد منهم» اعني ان الانبياء عليهم السلام لا يأتون «مكروها» قاصدين اتيانه ، او متعمدين اتيانه ، وان «خلاف الاولى» هو منهي عن العمل به ، بعد ان يحكم اللّه العليم الخبير ، بالاولى. لان الانبيان يفعلون ما هو مكروه ، وبحسبانهم انه مباح ، وليس بمكروه ، فإذا علموا بالتشريع او باجنهاد لا حق ، ممن فعل المكروه منهم ان ما فعله مكروه اطرحه اطراح نواة التمر ، ومثله خلاف الاولى فعندما يبين لهم اللّه تعالى الاولى «فهم يطرحون خلاف الاولى كذلك».
اذن الانبياء يفعلون المكروه ، ويأتون بخلاف الاولى واقعيا لا شرعيا لانهم يظنونه مباحا فإذا تبين لهم انه مكروه ، او حرام حتى لو كان الحرام من الصغائر اطرحوه ، واذن ما حصله الشيخ الباجوري من اقوال السابقين ، ليس دقيقا واذن اعمال الانبياء عليهم السلام ، دائرة بين «الواجب والمندوب كثيرا» وآتية بالمكروه او خلاف الاولى نادرا فإذا عرفوا ان ما أتوه مكروه او خلاف الاولى اطرحوه.
- واذن مرة رابعة ، فإن فعل الانبياء المكروه ، وما هو خلاف الاولى معناه ، في حقهم «لفظي ـ شكلي» ، وليس «بشرعي» لان المكروه الشرعي ، وخلاف الاولى الشرعي انما هو الذي يفعله المرء ، وهو يعرف انه مكروه ، او انه خلاف الاولى. والانبياء لا يفعلون ايا من الامرين الا وهم يظنونه مباحا فإذا علموا حقيقته ، بوحي او باجتهاد لاحق.. اطرحوه ، لانهم معصومون ويمكن ان يقاس هذا على التوبة على الذين يعملون السوء بجهالة. قال تعالى «انما التوبة على اللّه ، للذين يعملون السوء بجهالة ، ثم يتوبون من قريب ، فأولئك يتوب اللّه عليهم» (النساء 17) فاللّه تعالى اوجب على ذاته العلية التوبة لهم لانهم عملوا اعملوا ، وهم يظنونه ، مباحا فإذا علموا انه حرام اطرحوه.
- واذن .. عمل السوء بجهالة ، هو في حق من بعمله سوء «لفظي» لا شرعي ، لان السوء الشرعي ، في حق فاعله ، هو في الاصل ان يُعاقب عليه ، هو سوء شرعي في حقيقته بيد انه ليس سوءا شرعيا في حق فاعله بجهالة. ومثله المكروه وخلاف الاولى عندما يأتي به الانبياء - فانه مكروه وخلاف الاولى في اصله وحقيقته بيد انه ليس سوءا شرعيا في حق الانبياء - عليهم السلام - ذلك لانهم يفعلونه وهم يظنونه مباحا والله تعالى اعلم.
زمن العصمة
رابعا - وقول الباجوري من (وقد اختلف في وقت وجوب هذه العصمة الى قوله ولايتهم مأخوذة عنهم) - اقول قول الشيخ محمد البخيت (انهم معصومون قبل النبوة وبعدها.. لاستحالة صدور ما ينفر عنهم قبل (النبوة - يخالفه الواقع. اما قتل سيدنا موسى عليه السلام رجلا مصريا قبل النبوة؟ طبعا قتله المصري ليس كبيرة لانه عليه السلام لم يتعمد قتله. وتعبير القرآن الكريم دال على ذلك (فوكزه موسى فقضى عليه) القصص 15. والوكزة ضربة خفيفة لكنها قتلت الرجل لامرين الاول ان النبي موسى ذو قوة كبيرة والثاني - وهو الاهم - ان موسى ضربه على مقتل في جسمه ، وموسى لا يعرف انه مقتل. ومن الصحيح ان كل جسم فيه نقطة ضعف او نقاط ضعف فاذا جاءت الضربة المتوسطة الشدة التي لا تقتل عادة قتلته.
- اذن لا صحة للقول بان الانبياء لا يرتكبون الصغائر قبل النبوة بعضهم على الاقل ، اما الكبائر فلا يرتكبونها قطعا قبل النبوة لان الكبائر منفرة منهم ولان فطرتهم النبوية مسلوبة منها الرغبة في فعل الكبائر(5).
- اما بعد النبوة فلا يأتون الكبائر ولا الصغائر بل - لا يأتون المكروه - او خلاف الاولى وهم يعرفون انه مكروه بل لا يعرفون انه خلاف الاولى عل ما بينا في الرقم الاول من هذا البحث.
- اما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي تفرد بانه لم يفعل لا الصغائر ولا الكبائر بل لم يفعل ما هو مكروه او ما هو خلاف الاولى وهو يعلم ان فعله مكروه او خلاف الاولى سواء اكان ذلك قبل النبوة او بعدها ، وهذا امر يسهل تفهمه لان رسولنا هو خاتم النبيين وخاتم النبيين الذي كانت معجزته خالدة بذاتها تفوقا على كل معجزات الانبياء المادية التي لم تعد اكثر من خبر وكانت معجزته فكرية لغوية فلا بد من ان يكون في الدرجة الاولى من الانبياء لكي يتمكن من فهم هذه المعجزة الفكرية البليغة واقناع الناس بها ، اما من شابت نفسه شائبة من الصغائر بل حتى من المكروهات وهو يعلم انها مكروهات فلن تكون نفسه من نقاء الصفاء وعقله من حدة الذكاء بحيث يستطيع ان يفهم فكر القرآن العميق وبلاغته المعجزة.
- اما سائر الانبياء فعلى ما وصفنا آنفا بعضهم فعل الصغائر قبل النبوة وبعض فعل المكروهات وان كان هذا وهذا جاء نادرا وقبل النبوة اما بعدها فلم يفعلوا الا المكروه وخلاف الاولى على المعنى اللفظي الشكلي الذي بينا حقيقته آنفا.
الحسنة لا تتحول الى سيئة
خامسا - وقول البخيت كما نقله الباجوري (وما ورد من النصوص الموهمة خلاف الاولى يؤول على انه من باب (حسنات الابرار سيئات المقربين) فانه كما ارى غير دقيق لان الحسنة لا تتحول الى سيئة والعكس صحيح فالسيئة لا تتحول الى حسنة. كما ان الخمرة لا تتحول الى مشروب حلال اذا شربها من كان شديد الظمأ في البيداء ظانا انها تطفئ ظمأه حتى يصل ماء وقد تطفئ ظمأه الخمرة تظل في ذاتها حراما حتى في مثل هذه الحالة كل ما في الامر انها (يباح) شربها هنا ويسقط اثم شربها فتسقط العقوبة على شربها.
- واذن العبارة السابقة غير دقيقة على الرغم من انها سارت عبر الدهور والصواب ان نقول (حسنات الابرار صالحات المقربين) وهذا انتقال متدرج ضمن الحلال نفسه اما الانتقال بالفعل نفسه وعلى وجهه من ان يكون حسنة الى ان يكون سيئة فلا.
- وقول البخيت الاخر كما نقله الباجوري (ودليل وجوبها - اي العصمة - انهم لو خانوا بفعل محرم او مكروه او خلاف الاولى - لكنا مأمورين بذلك المحرم او المكروه او خلاف الاولى).
اقول لقد بنى كلامه على فرض نظري لا علاقة بالواقع ولا بالحقيقة - كالذي يتناول كلاما مكذوبا على الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوى ان له سلسلة رواة او انه ورد في كتاب (كذا او كذا) ثم يبني عليه نتائج وهو اصلا كلام مكذوب.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش