الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«راوي قرطبة» لعبدالجبار عدوان * ليست مجرد رواية تاريخية بل سيرة أمة كاملة

تم نشره في السبت 28 نيسان / أبريل 2007. 03:00 مـساءً
«راوي قرطبة» لعبدالجبار عدوان * ليست مجرد رواية تاريخية بل سيرة أمة كاملة

 

 
* كتب المحرر الثقافي
يحتار المرء حين يبدأ بقراءة رواية عبدالجبار عداون ، كيف استطاع عدوان في روايته الأولى هذه ، أن يجمع كل هذه المعلومات التاريخية الهائلة والدقيقة ، ويضعها في قالب سردي جميل ، لا بل غني ومشوق ، ففي كل صفحة من صفحات الرواية نجد معلومات وأسماء واخبارا كثيرة ومذهلة ، تدفع للسؤال فورا كيف كثف عدوان عمله على هذا النحو ، من االدقة والإبهار ، دون ان يكون على حساب الفنية والسرد الذي يغيب في اكثر روايات هذه الايام.
راوي قرطبة ليست رواية ثرثرة وكلام فائض لا معنى له ، أو حشو زائد يصيب القارئ بالغثيان ولكن ليس غثيان سارتر بل الغثيان الذي تتحمله بحثا عن جملة ادبية بليغة أو شخصية مرسومة بدقة فلا تجد غير الكلام الذي يجر الكلام ، والحورات الفارغة. لا يمل قارئ راوي قرطبة من متابعة الاحداث التي يستعرضها عما عايش منذ صباه حتى شيخوخته ، أو حين يعود الى دفاتر اجداده الذين سجلوا التاريخ لأمراء الاندلس ، فجده الاول جاء من اليمن مع الفاتحين للمغرب العربي ودخل الاندلس مع موسى بن نصير عام 92 للهجرة.
بدأ الراوي سليمان حتى منذ صباه مهيأ لهذه المهمة فقد عرفه جده على ابن مؤسس الخلافة الاندلسية الناصر ، هشام ابن الحكم ، منذ كان صغيرا. كما غزا مع الحاجب المنصور ، عشيق ام هشام بعد موت الحكم ، وسجل كل التطورات في عهده وعهد ابنائه الذين انقلبوا على الامويين ومهدوا للحرب الاهلية ولبداية النهاية للاندلس.
الاحداث التاريخية بكل تفاصيلها ترد في الرواية ، التي نشرتها دار الفارابي ، ضمن سياق روائي لتفاصيل حياة سليمان وعائلته ، اجداده واحفاده. فيها قصص الحب ، ودروس تعلم الفروسية انذاك ، ونقاشات علمية لم تظهرها اي كتب للان. فمن يعرف مثلا ان علماء الاندلس في القرن الثاني الهجري اثبتوا كروية الارض وسجلوه عبر ابيات شعرية لا مجال في تأويلها. أو ما قام به الأصوليون من ضغوط لنفي العلماء ، أو قصص الشعراء الذين قطعت السنتهم ، والخلفاء الذين ذبح اولادهم ، والجاريات اللواتي قمن بانقلابات سياسية لضمان سيطرة اولادهن ، أو أن غالبية خلفائنا في الاندلس وخارجها كانوا ابناء جاريات تحولن الى أم ولد ، ومن ثم أم خليفة. كما يسرد الرواي تفاصيل الغزوات الى ممالك النصارى في الشمال ، وقد تزوج لاحقاً مسبيته الوحيدة.
لكنه قبل الزواج سافر في رحلة الى صقلية الاسلامية والتقى هناك راوي المتنبي ونشر اول ديوان لشاعر العرب ، فقد عمل ابوه في مجال النشر وصناعة الورق. ثم واصل رحلته الى بلاد الفرنجة بعد ان حرر إحدى جاريات امير صقلية ، وطاردهم قراصنة في البحر حتى وصل الى اواسط فرنسا للقاء صديقه منذ ايام الدراسة في جامعة جامع قرطبة ، وهو الصديق الذي سيصبح بابا للكاثوليك قبيل اول الغزوات الصليبية للاندلس والشرق. رحلته الاخرى كانت مع ابنه الى الاسكندرية والفسطاط والصعيد ايام الحاكم بأمره ، الذي هدم كنيسة القيامة ومنع اكل الملوخية واعتقل النساء في بيوتهن حتى تآمرت عليه اخته وقتلته.
التفاصيل التي تأتي عليها الرواية ، سواء عن الامكان والمدن والجغرافيا ، أو عن الظروف المعيشية والوضع السياسي تساهم في وضع القارئ في اجواء ذلك الزمان الى درجة التعامل بالنقود واسعار المشتريات ، وكل ذلك معتمد على مراجعة المؤلف لعشرات أمهات الكتب وروايات الرحالة ، وهذا ما تطلب منه على ما يبدو سنوات من العمل الجاد ، كما قام بزيارات ميدانية ، لكل مواقع احداث الرواية التي جاءت في 591 صفحة وبغلاف جميل يناسب المحتوى وتزينه مقصورة مسجد قرطبة الكبير الذي لا زال رمزا للمدينة حتى يومنا الحاضر.
اختار عدوان لغة فصحى شبه كلاسيكية ، لكنها سلسة جداً ، وهي إشارة ذكية أيضا إلى اللغة التي سادت في العصر الاسلامي الذهبي والظلامي الغربي.
كانت قرطبة آنذاك بالنسبة للغرب المسيحي ما هو عليه الغرب الان مقارنة بالعالم الاسلامي. لا يعني ان ذلك الزمن كان رومانسيا بحتاً ولكن مع كل السلبيات في العالم الاسلامي الذي تدور فيه الاحداث ، فأن الفارق مع الغرب المسيحي كان شاسعاً ، ويكفي هنا الاشارة الى الاغتيالات للباباوات والفساد الذي ساد الكنيسة في ذلك الوقت. وقد تعرف راوي قرطبة ايضاً على مصلحين ارادوا انقاذ الكنيسة في الغرب ، ولذلك يستعرض في رحلته اراءهم حسب معايشتهم وهو متنكر كمسيحي حتى وصل الى صديقه الذي سيصبح بابا وكان على علاقة مقربة مع الامبراطور اوتو. لكن كيف حدث الانهيار في الأندلس ، هناك في الرواية تفاصيل الخلافات التي دبت بين المسلمين والتي اوصلتهم الى طلب الدعم من القوات الاجنبية مقابل التنازل عن اراضي ودفع جزية ، تلك التفاصيل الحقيقية انذاك تبرز امام القارئ وكأنها من عالمنا اليوم. الاقتتال الطائفي ، ضياع الامن ، التكالب على السلطة ، الفساد والافساد ، ومن ثم سيادة همجية القوة. تظهر الرواية توالي الامم ، النهوض للقمة ومن ثم الانغماس في الراحة والنعيم والبذخ وما ينتج عنه من تكالب داخلي وخارجي يؤدي الى الانهيار الذي ينبع دوماً من الداخل. بسقوط الاندلس استعاد الغرب قطعة من اوروبا ، والحملات الصليبية التي تبعت ذلك السقوط تم التخطيط لها في عهد راوينا سليمان ، وقد يرى البعض ان تلك الحملات لا زالت قائمة ، وإن اختلفت الوسائل.
الرواية ليست بكاء على الاطلال وانما توضيح صورة بقيت الكثير من تفاصيلها غائبة عنا حتى الان ، رغم الكثير مما كتب عن تلك الفترة التاريخية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش