الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * الثقافة العربية الجديدة التي تطورت في الوطن العربي هي ذوب للثقافات التي كانت سائدة في اقاليم هذا الوطن

تم نشره في الثلاثاء 16 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * الثقافة العربية الجديدة التي تطورت في الوطن العربي هي ذوب للثقافات التي كانت سائدة في اقاليم هذا الوطن

 

 
* بقلم: د. سعيد التل * الحلقة الحادية والعشرون

هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
البعد التاريخي في تشكيل الثقافة
يلعب البعد التاريخي للمجتمع دورا له قيمته في تشكيل ثقافة هذا المجتمع ، وفي تطويرها ، فالاحداث التاريخية التي يخضع المجتمع لها ، مثل: الهجرات والحروب والنزاعات وغيرها ، تؤثر ، بطريقة او بأخرى ، في ثقافة المجتمع ، فعلى سبيل المثال ، تأثرت المجتمعات التي خضعت لسيطرة قوى خارجية بثقافات هذه الدول ، ويرتبط حجم هذا التأثر بالزمن الذي خضعت خلاله هذه المجتمعات لهذه القوي ، وتفاعل هذه المجتمعات معها. ولعل خير ما يوضح ذلك اثر الدول المستعمرة في ثقافات المجتمعات الافريقية ، والذي استمر لفترات طويلة تجاوزت في بعض الاحيان القرن الواحد ، ان بعض الدول المتقدمة المستعمرة ، وبدلا من مساعدة المجتمعات المستعمرة المتخلفة على تطوير ثقافاتها ، عملت على طمس هذه الثقافات ، واحلال ثقافاتها بصورة جزئية او كلية في هذه المجتمعات ، ومثل هذا العمل الذي قامت به الدول المستعمرة عمل لا انساني يجرد هذه المجتمعات بدون حق من ثقافاتها ، وتدفع المجتمعات الافريقية ثمن ذلك كثيرا في الوقت الحاضر.

الواقع الجغرافي في تشكيل الثقافة
كذلك فإن الواقع الجغرافي ، الذي يعيش المجتمع فيه ساهم ، وما يزال ، بدور في تشكيل ثقافته ، ولقد كانت مساهمة الواقع الجغرافي في تشكيل ثقافة المجتمع ذات بعدين: الاول ، ويتعلق بطبيعة الواقع الجغرافي ، وبمناخه ، وبموقعه ، وبطبوغرافيته ، فأثر الواقع الصحراوي في الثقافة يختلف عن أثر الواقع الجبلي ، وأثر الواقع السهلي يختلف عن اثر الواقع الساحلي. كما ان وجود المياه والانهار له اثر يختلف عن اثر عدم وجودها او ندرتها. كذلك ، فإن المناخ يلعب دورا في تشكيل الثقافة ، سواء أكان مناخ هذا الواقع حارا ام معتدلا ام باردا ، وسواء أكان ممطرا ام جافا. ويوضح شاكر الانباري هذا الامر بالعبارة التالية مع الاخذ بعين الاعتبار انه يستخدم كلمة حضارات بدلا من كلمة ثقافات «.. الانسان وكما هو معروف ، توزع منذ احقاب بعيدة على الارض ، في تجمعات صغيرة ، وتحت ظروف بيئية مختلفة ، اذ كانت هناك البيئة الحارة والرطبة ، كما في قارة افريقيا ، او الجافة والرملية مثل الصحارى ، او البيئة الثلجية والمعتدلة والماطرة والجافة. وكان هناك بيئة السهل والجبل والبحر والغابات ، وتحت تأثيرات الظروف تلك تحتم على الجنس البشري ان يبتكر وسائل عيشه وأدواته كي يستمر في الحياة والتناسل وبناء حضارات بسيطة ، متدنية التطور. ابتكر الانسان للبيئة الجبلية ادواتها ووسائل التناغم معها او مقاومتها ، من ابنية وزراعة ووسائط نقل وأطعمة ، ولاحقا حساسية فلسفية وفكرية ولغوية ، مع التنامي العقلي المتسارع. كما ابتكر للمناطق الثلجية ادواتها ايضا ، وهذا ما فعله رجل الصحراء او الغابات».
من جهة اخرى ، يلعب الواقع الجغرافي دورا في تطوير الثقافة من حيث تفاعل هذه الثقافة مع الثقافات المجاورة. وبتطور وسائل الاتصالات والمواصلات تتطور الثقافات المجاورة لاي ثقافة من ثقافات العالم جميعا. يقول صموئيل هنتنجتون ان «ثقافات الناس تتفاعل وتتداخل ، ومدى التشابه او الاختلاف بين الحضارات يتباين كذلك الى حد كبير».
وهنا يجب ان يذكر انه عندما ينتقل عنصر ثقافي من ثقافة تنتمي الى حضارة معينة الى ثقافة اخرى تنتمي الى حضارة اخرى ، فإنه وفي اغلب الاحيان ينقل معه بعض جوانب المرجعية الحضارية للثقافة التي تطور فيها اي فلسفة المجتمع الذي طوره.
وفي بعض الحالات يندمج ويتكيف هذا العنصر مع الثقافة التي انضم اليها والحضارة التي تنتمي إليها هذه الثقافة دون ان يحدث اي تغير فيهما. وفي حالات اخرى ، يحدث هذا العنصر بعض التغير في الثقافة التي انضم إليها مع عدم احداث اي تغير في الحضارة التي تنتمي إليها هذه الثقافة ، وفي حالات اخرى قد يحدث هذا العنصر بعض التغير في الثقافة التي انضم اليها وفي الحضارة التي تنتمي اليها هذه الثقافة. ان حجم وعمق التغير في الحضارة يعتمد على الحضارة نفسها من حيث مكانتها ومدى رقيها ورسوخها وانتشارها.
كذلك فإن العالم الديمغرافي يساهم في تطوير ثقافة المجتمع. فثقافة المجتمع الذي يتشكل من مجموعة متجانسة من المواطنين تختلف عن ثقافة المجتمع الذي يتشكل من مواطنين ينتمون الى تجمعات ذات اصول متعددة مختلفة اثنيا او دينيا او لغويا ، وللحقيقة ، فإن دور الواقع الديمغرافي في تطوير ثقافة المجتمع هو موضع دراسات وأبحاث كثيرة. فبعض الباحثين يرون ان التنوع الديمغرافي ، ورغم ان له مشاكله ، يجعل ثقافة المجتمع اكثر ثراء وغنى وأمنا ، في حين يعتقد باحثون آخرون ان التجانس الديمغرافي يسمح بتطور ثقافة ذات خصوصية خاصة ومتميزة.

دور الواقع الاقتصادي
ويلعب الواقع الاقتصادي للمجتمع دورا له اهميته كمشكل لثقافة المجتمع ، ويبرز هذا الدور من خلال عدة امور منها: ان ثقافة المجتمع الذي تتوافر فيه ثروات طبيعية ، كالنفط او الحديد او الماء او الفحم ، قد تختلف عن ثقافة المجتمع الفقير ، الذي لا تتوافر فيه مثل هذه الثروات. كما ان واقع المجتمع الصناعي ، فيما يتعلق بالثقافة ، يختلف عن واقع المجتمع الزراعي او المجتمع الخدماتي وغير ذلك ، وبصورة عامة ، يمكن القول ان الواقع الاقتصادي المزدهر يسهم اسهاما فعالا وكبيرا في تطوير ثقافة مزدهرة ، والعكس صحيح.

العامل السياسي
وأخيرا وليس آخرا ، فإن العامل السياسي يلعب دورا له قيمته في تشكيل ثقافة المجتمع وتطورها ، ويتشكل هذا العامل من ابعاد كثيرة ، لعل من اهمها نظام الحكم في دولة المجتمع ، ومنهج الحكم ، وعلاقة هذه الدولة بدول العالم الاخرى. ومع ان لكل بعد من هذه الابعاد اهميته وقيمته ، الا ان للبعد المتعلق بمنهج الحكم اهمية وقيمة خاصة. فمنهج الحكم الديمقراطي الذي يؤكد في مبادئه على الحرية والعدالة والمساواة ، ويؤكد في اخلاقياته على الصدق والامانة والنزاهة ، هو البعد الأكثر تأثيرا في تشكيل الثقافة ، وفي تطويرها ، وتوفر مبادئ المنهج الديمقراطي واخلاقياته المناخ الافضل للابداع والابتكار والتجديد والتحديث ، وبالتالي المناخ الافضل لتطوير الثقافة وازدهارها ، كما يؤثر هذا المنهج في المناخ الافضل للاستفادة العاقلة المسؤولة من ثقافات المجتمع الاخرى.

منهج الحكم والابداع
وبالمقابل ، فإن منهج الحكم الدكتاتوري ، والذي يقوم على الكبت والبطش والارهاب ، ويشجع الظلم بجميع اشكاله وألوانه لا يمنع الابداع والابتكار والتجديد فحسب ، بل يضطهد المبدعين والمبتكرين والمجددين ، وينكل به وبجميع وسائل التنكيل وأدواته ، وبعبارة اخرى ، فإن المناخ السلبي الذي يشيعه منهج الحكم الدكتاتوري ، والممارسات التي يقوم اركانه بها لا تمنع تطور الثقافة وازدهارها فقط ، بل ايضا تدمر كثيرا من عناصر التطور والازدهار ، ولعل هجرة او هرب العقول المبدعة من الدول الدكتاتورية الى الدول الديمقراطية خير مثال على ذلك ، فعلى سبيل المثال ، ساهمت العقول المبدعة التي هاجرت او أرغمت على الهجرة او هربت من الدول الدكتاتورية في جميع انحاء العالم الى الولايات المتحدة الامريكية اسهاما مهما وعظيما في تطور الثقافة الامريكية وبالتالي في تطور المجتمع الابداعي وازدهاره وفي جميع المجالات.
وأخيرا وليس آخرا ان خير دليل على اثر كل من المنهج الديمقراطي في الحكم ، والمنهج الدكتاتوري في الحكم هو الواقع الثقافي المتقدم والمزدهر الذي نشاهده في مجتمعات الدول الديمقراطية ، ومقابل الواقع الثقافي المتخلف في مجتمعات الدول الدكتاتورية.

الثقافة العربية
كانت المجتمعات التي عاشت في المناطق التي تعرف الآن في علم الجغرافيا السياسية بالوطن العربي ، كانت قبل الفتح الاسلامي مجتمعات متنوعة الثقافات ، كما ان المرجعيات الحضارية لهذه الثقافات كانت متنوعة هي الاخرى. ففي اقليم الجزيرة العربية ، كانت الثقافات العربية تسود بشكل شبه كامل في بعض المناطق كالحجاز ونجد. ويقال «شبه كامل» لوجود اقليات حبشية الثقافة وأقليات بيزنطية الثقافة وأقليات فارسية الثقافة في مكة المكرمة ايام الرسول عليه الصلاة والسلام ، في حين ان الثقافتين الحبشية والفارسية كانتا تشاركان الثقافة العربية. في منطقة جنوب الجزيرة العربية بسبب احتلال الفرس والحبش لهذه المنطقة لفترات طويلة ، واما في شرق الجزيرة العربية فقد كانت الثقافة الفارسية موجودة الى جانب الثقافة العربية.
بالنسبة لواقع الثقافة العربية قبل الاسلام يقول فيليب حتي ان «... العربي لم يكن له في الاصل ذلك التراث العظيم من العلم والفلسفة والادب ، على انه حمل معه من الصحراء رغبة ملحة في الاطلاع على ما هو جديد وقابلية شديدة لتلقي العلم واستعدادا طبيعيا لاستغلال امكانياته بحيث استطاع ان يقتبس من الثقافات القديمة ويصبح الوريث الفكري للامم التي احتلها او احتك بها».

الثقافة في الهلال الخصيب
وفي الجناح الغربي من اقليم الهلال الخصيب ، وهو ما يعرف ببلاد الشام ، كانت الثقافة السائدة اي ثقافة الدولة الحاكمة هي الثقافة البيزنطية ، وتدل المدن والاثار البيزنطية الكثيرة والمنتشرة في جميع ارجاء بلاد الشام على ذلك. وكانت في هذا الجناح من هذا الاقليم نفسه ثقافات اخرى تخص بعض الشعوب التي كانت تعيش فيه في الماضي ، وعلى رأسها الثقافة الآرامية والثقافة الكنعانية وغيرها ، بالاضافة الى وجود ثقافة عربية تخص قبائل عربية سكنت في انحاء مختلفة من بلاد الشام وخاصة في جنوبه وجنوب شرق بلاد الشام. يقول فيليب حتي «.. ان الثقافة الهيلينية التي سيطرت على بلاد الشام منذ ان فتحها الاسكندر سنة ق332.م كان تأثيرها بصورة اساسية على سكان المدن اما بقية السكان فلم يتعد تأثيرها المظاهر الخارجية وقد حافظ هؤلاء السكان على ثقافتهم واختلافاتهم الرئيسية. وفي الجناح الشرقي من اقليم الهلال الخصيب كانت الثقافة الفارسية ، وهي ثقافة الدولة التي تحكم هذا الجناح ، هي الثقافة السائدة ، وبخاصة شرقي نهر دجلة. اما غرب نهر الفرات ، وعلاوة على ثقافة الدولة الفارسية فقد كانت هناك الثقافة الآرامية ، في حين كانت الثقافة الكردية والثقافة الارمنية تسودان المنطقة التي بين نهري دجلة والفرات شمال الموقع الذي تحتله بغداد في الوقت الحاضر. وبالنسبة لواقع الثقافة في اقليم الهلال الخصيب فيعطي فليب حتي هذه الملاحظة «.. الشام مبنى المدينة الآرامية التي كانت قد تأثرت بمدينة الاغريق كذلك نراه في العراق مبنى المدينة نفسها وقد طبعت بطابع الفرس».
اما في المنطقة الواقعة بين هذين النهرين ، وجنوب موقع بغداد فقد وجدت وعلاوة على الثقافة الفارسية ، ثقافة تخص مجموعة من الناس كانوا يعرفون باسم اهل السواد ، والذين لا يوجد ، حتى اليوم ، ما يدل على اصولهم الحقيقية.
وعلاوة على هذه الثقافات التي كانت موجودة في الجناح الشرقي للهلال الخصيب فقد وجدت ايضا بقايا لثقافات الشعوب التي سكنت هذا الجناح في الماضي ، وما تزال اقليات من هذه الشعوب تعيش في هذا الجناح كالثقافة البابلية والآشورية والكلدانية وغيرها.

الثقافة في اقليم وادي النيل
وفي القسم الشمالي من اقليم وادي النيل اي مصر ، والذي كانت تحت سيطرة البيزنطيين ، كانت تسود ثقافة الدول المسيطرة الى جانب الثقافة المصرية القديمة ، وبالاضافة الى ذلك وجدت بعض الجيوب الثقافية العربية والرومانية وغيرها. وفي القسم الجنوبي من اقليم وادي النيل ، اي السودان ، كانت هناك الثقافة الاكسيومية في شمال القسم الجنوبي ، والثقافة الزنجية في جنوب القسم الجنوبي من اقليم وادي النيل. كما وجدت جيوب للثقافة العربية في شرق هذا القسم لبعض القبائل العربية التي عبرت البحر الاحمر واستقرت في شرق السودان.
اما بالنسبة لاقليم المغرب العربي ، فقد كانت الثقافة الرومانية ثقافة الدولة المسيطرة ، وهي ثقافة الحكم ومن يرتبط به من الحاكمين والمواطنين ، اما الثقافة الغالبة فكان الثقافة الامازيغية ، وهي ثقافة الاغلبية الساحقة لمواطني هذا الاقليم ، وبالاضافة الى ذلك وجدت بعض الجيوب الثقافية البيزنطية والفينيقية.
بعد ان ابتدأ الفتح العربي الاسلامي للوطن العربي سنة 632 ميلادية - حينما ارسل الخليفة الراشدي الاول ابو بكر الصديق رضي اللّه عنه جيوشه الاربعة لفتح بلاد الشام وانتهى سنة م705 حينما وقف القائد عقبه بن نافع على شواطئ المحيط الاطلسي بعد اكمال هذا الفتح واعتناق الاغلبية الساحقة لسكان هذا الوطن الاسلام ، وبعد ان أصبحت اللغة العربية ليست فقد لغة الحكم بل لغة مجموعات متزايدة من المواطنين - بدأت الثقافات المتنوعة في هذا الوطن بالتكيف تطورا وتغيرا وعلى اساس المرجعية الحضارية الجديدة وهي الحضارة الاسلامية لتشكل ومع الزمن الثقافة العربية الجديدة. يقول عبدالعزيز الدوري «.. خلال فترة صدر الاسلام ، كانت الافادة من الثقافات القديمة شفوية وطارئة لا تعدو تسرب بعض الآراء الدينية او الفلسفية وبعض الاساطير ، وهذا يبين ان اصول الثقافة العربية نشأت بصورة طبيعية في اطار المجتمع العربي الاسلامي ويقول فيليب حتي «..وفي هذه الحقبة من التوسع الذي لم يسبق له نظير ، استطاع العرب بواسطة الاختلاط مع الامم المغلوبة ان يكسبوا الى دينهم ، ولغتهم وشكلهم عددا من ابناء الامم ما استطاعت امة قبلهم او بعدهم ان تكسب مثله وتهضمه - ولا نستثني من ذلك اليونان ولا الرومان ولا الانكلوسكسون ولا الروس».
ويضيف فيليب حتي قائلا: «.. لم ينشئ العرب امبراطورية فحسب بل انشأوا ثقافة زاهرة ايضا ، فقد ورثوا المدنية القديمة التي ازدهرت على ضفاف الرافدين وفي وادي النيل وعلى شواطئ البحر المتوسط الشرقية ، وكذلك تشربوا واقتبسوا اهم معالم الثقافة اليونانية والرومانية».
ويقول فيليب حتي «.. ان الثقافة العربية اصبحت ثقافة منطقة الشرق الاوسط منذ القرن السابع مع وجود آثار فيها للثقافة الهيلينية والثقافة الرومانية والثقافة المسيحية». اما مكونات هذه الثقافة ، فقد طرأ عليها تنوع وتطور جذري ، لعل من اهم ابعاده ان أصبحت اللغة العربية احد مكونات هذه الثقافة.
وبالنسبة لعناصر الثقافات التي كانت سائدة في الوطن العربي فقد خضعت لواحد من الاحتمالات التالية :
1 - عناصر ثقافية استمرت كما هي دون تعديل او تكييف لانها لا تتعارض مع الحضارة الاسلامية. وتجاوزت بعض هذه العناصر الاقليم الذي تطورت به لتنتشر في الاقاليم الاخرى.
2 - عناصر ثقافية ألغيت لتعارضها مع الحضارة الاسلامية.
3 - عناصر ثقافية تكيَّفت مع الحضارة الاسلامية واتسقت معها.
فعلى سبيل المثال ان «... التراث الاداري والمالي المحلي المتباين في الاقطار .. عُرب وطور لينسجم مع المفاهيم الاسلامية بصورة تدريجية حتى ادخل اخيرا في النطاق الاسلامي الثقافي»..

ثلاث مراحل للثقافة العربية
وباختصار ، فإن الثقافة العربية الجديدة التي تطورت في المنطقة المعروفة الآن باسم الوطن العربي هي ذوب للثقافات التي كانت سائدة في اقاليم هذا الوطن ، وكانت الحضارة الاسلامية الضابط للعناصر المشكلة لهذه الثقافة. وقد مر تطور الثقافة العربية فيما يعرف الآن بالوطن العربي بثلاث مراحل متميزة هي :
1 - المرحلة الاولى: وهي مرحلة ازدواج الثقافات وقد سادت منذ بدايات الفتح الاسلامي وحتى بدايات العهد الاموي ، حيث تفاعلت الثقافة العربية بمرجعيتها الحضارية الاسلامية مع الثقافات التي كانت سائدة في اقاليم واقطار هذا الوطن.
2 - المرحلة الثانية: وهي مرحلة بداية الاندماج الذي تحقق في العصر الاموي بين الثقافة العربية والثقافات التي كانت سائدة في اقاليم هذا الوطن وكان يحكم هذا الاندماج المرجعية الحضارية الاسلامية.
3 - المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الاندماج الكامل وقد تحقق في العصر العباسي بين الثقافة العربية والثقافات التي كانت سائدة في اقليم هذا الوطن ، وكان يحكم هذا الاندماج كما في المرحلة السابقة المرجعية الحضارية الاسلامية وقد نتجت عن عملية الاندماج هذه ، الثقافة العربية. ويقول يوسف حسين بكار «.. كان العصر العباسي عصر امتزاج الثقافات الاجنبية بالثقافة العربية». ويقول شوقي ضيف «ان الثقافة اليونانية اهم ثقافة اثرت في الفكر العباسي ، ولكن عن طريق النقل والترجمة لا عن طريق ما ألقته من ظلال على الثقافة الهيلينية الشعبية العامة التي كانت سائدة في المنطقة». ويضيف الطيباوي: «وجملة القول ان الثقافة اليونانية كانت هي السائدة في بيئة شرقنا هذا منذ فتوح الاسكندر وظلت تتقدم مع الزمن ويضاف إليها عوامل تختلف الازمان والدوافع. اختلطت بالفلسفة الهندية والفارسية والمصرية ولكنها ظلت الظاهرة المسيطرة - الى ان جاء المسلمون الذين نشطوا بعد تأتيل الملك الى اقتباس مدنية من سبقهم فوجدوها متيسرة. وقد ساعدهم على تتميم ذلك النساطرة واليعاقبة واتباع زارادشت من الفرس والصائبين في حران واخيرا اليهود».
ويقول عبدالعزيز الدوري بالنسبة للتراث الاداري والمالي كان المسلمون «.. يأخذون ما يرون ما دام لا يتعارض والمفاهيم الاسلامية. وقد ادخل المسلمون عليه ابتداء تعديلات بضوء المبادئ الاسلامية ثم طوروه وعربوه واخيرا تمثلوه في مجرى الحضارة «اي الثقافة» العربية..؟» ويقول شوقي ضيف «.. كانت الثقافة الفارسية الشعبية ابعد اثرا في المحيط العربي لهذا العصر «العصر العباسي الاول» فقد دخل جمهور الفرس الاسلام واقتبس العرب كثيرا من صور حياتهم».

التطورات المؤثرة في الثقافة العربية
وقد تعرضت الثقافة العربية الجديدة التي نشأت في الوطن العربي بعد الفتح العربي الاسلامي الى مجموعة من التطورات المتلاحقة التي أدت الى اغنائها واثرائها ، وقد حدث هذا التطور بفعل عاملين رئيسين ، اولهما: التطور الذاتي الذي حفزه وشجعه التفاعل بين هذه الثقافات وبين المجموعات البشرية التي تشكل منها مجتمع الوطن العربي. وثانيهما: وهو الاهم ، انه بعد ان اصبح ما يعرف الآن بالوطن العربي جزءا من الدولة الاسلامية التي كانت تمتد من جبال البيرينية في شمال اسبانيا في الوقت الحاضر وحتى تخوم الصين ، فإن هذا الوطن قد أصبح مفتوحا امام المسلمين افرادا وجماعات ، يأتون اليه من جميع ارجاء الدولة الاسلامية ودون حدود او قيود. وبعبارة اخرى ، فإن الفرد المسلم في هذه الدولة اصبح حر الحركة والتنقل ، يستقر اينما شاء في ارجاء هذه الدولة. ولقد جذب الوطن العربي ، وبخاصة المراكز الدينية كمكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس ، او مراكز الدولة كالمدينة المنورة ودمشق وبغداد والقاهرة ، جذبت اعدادا كبيرة من مواطني الدولة الاسلامية ليأتوا الى هذه المواقع لاسباب دينية وعلمية وسياسية واقتصادية ويستقروا فيها او حولها. وقد حملت هذه المجموعات البشرية معها عناصر ثقافية من ثقافات البلاد التي جاءوا منها ، فكانت النتيجة ان اندمجت هذه العناصر مع الثقافات العربية.
فعلى سبيل المثال ، اندمجت عناصر كثيرة من الثقافة الفارسية القديمة في الثقافة العربية الجديدة بأساليب كثيرة منها ما كان بواسطة العلماء والمفكرين الفارسيين الذي اسلموا او ولدوا لاباء مسلمين. وكانت نسبة هؤلاء العلماء كبيرة. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون «.. من الغريب الواقع ان حملة العلم في الملة الاسلامية اكثرهم من الفرس.. الا في القليل النادر..» ويقول يوسف بكار «.. ان النفوذ الفارسي السياسي يسر للثقافة الفارسية ان تتسرب الى العقلية العربية الاسلامية عموما. فأخذت هذه الثقافة تبسط سلطانها عمليا وفنيا وأدبيا حتى صار الادب العباسي عامة ادبا جديدا ليس للعرب فيه الا اللغة». ويضيف حسن ابراهيم حسن فيقول: «زاد النفوذ الفارسي في الدولة العباسية.. حتى شمل كل مظاهر الحياة.. وفي بغداد اخذ الميل للازياء الفارسية ينمو ويطرد ، واحتفل بالاعياد الفارسية القديمة وخاصة بالنيروز والمهرجان والام ، واتخذ رجال البلاط العباسي العادات الفارسية القديمة.
ويفصل شوقي ضيف قائلا: «ورثت الثقافة العربية في القرون الاسلامية الاولى الثقافات العالمية الهندية والفارسية واليونانية ، وابتدأ ميراثها للثقافة الهندية الرياضية في زمن مبكر ، اذا اخذت عنها ارقام العدد ، وأضافت اليها الصفر وكان لذلك اثره البعيد في نظام العدد العالمي ، اذ عرفت فيه العشرات والمئات والآلاف ، ونقل العرب النظام العربي للعدد عن الاندلس..»
ويقول حسن حسن: «كان لاختلاط العرب بالروم وغيرهم من الامم اثر كبير في تغيير عاداتهم وحياتهم الاجتماعية».

تأثير الحروب في الثقافة
وقد ساهمت الحروب التي كانت بين الدولة الاسلامية من جهة وبين دول اخرى في عملية التطور الثقافي. فعلى سبيل المثال ، اسس الفرنجة الذين احتلوا اجزاء من بلاد الشام ومصر دولا لهم في هذه البلاد ، وحملت هذه المجموعات الافرنجية معها الكثير من العناصر الثقافية التي اندمجت في الثقافة العربية. وقد عمق هذا الاندماج ان نسبة غير قليلة من المدنيين رافقوا جيوش حملات الفرنجة او جاءوا بعد ذلك واستقروا في اجزاء من بلاد الشام ومصر وذلك بعد ان جلت جيوشهم عن هذه البلاد. ومن الطريف ان يذكر ان بعض عناصر ثقافة الفرنجة والتي لا تتسق مع الحضارة الاسلامية دخلت الثقافة العربية الجديدة دون انتباه لمرجعيتها الحضارية. فعلى سبيل المثال ، ذكر لي ان السيدات المسلمات في بعض مناطق جنوب الاردن ، حيث استقر الفرنجة لبعض الوقت ، يضعن بدون انتباه او اهتمام الصليب على الدقيق بعد اتمام عملية عجنه.
وبالمقابل ، فإن نسبة كبيرة جدا من الجيوش الاسلامية ، ومن العشائر والقبائل التي رافقتها قد استقرت وبصورة خاصة في بلاد الشام ومصر والعراق بعد نهاية حروب الفرنجة ، هذا مع العلم ان هذه الجيوش قد ضمت في تشكيلاتها وحدات من اغلب انحاء العالم الاسلامي ، فعلى سبيل المثال ، كان جيش صلاح الدين الذي انتصر في معركة حطين يتألف من أربعة فيالق رئيسية هي الفيلق الكردي والفيلق التركي والفيلق الفارسي والفيلق المصري.
كما ان اخراج المسلمين من الاندلس واجلاءهم الى الوطن العربي ، وبصورة خاصة الى المغرب والجزائر وتونس ، قد عمل ايضا على نقل عناصر ثقافية جديدة الى الثقافة العربية. فقد طور هؤلاء المسلمون الاندلسيون خصوصيات ثقافية نتيجة التفاعل الثقافي العربي - البربري - الاسباني ، ونقلوا هذه العناصر الخاصة في ثقافاتهم هذه الى المناطق التي هاجروا إليها.
وعندما اصبح ما يعرف بالوطن العربي جزءا من الدولة العثمانية ، التي امتدت في اوروبا حتى حدود النمسا ، انتقل كثير من رعايا الدولة العثمانية من الالبان والبوسنيين والبلغار والاتراك وغيرهم الى ارجاء مختلفة من الوطن العربي ، وهؤلاء بدورهم اغنوا الثقافة العربية بما عندهم.
ان الثقافة العربية الجديدة هي محصلة ثقافات عديدة ، منها الثقافة العربية القديمة ، التي تطورت في اطار الحضارة الاسلامية ، ولعل الباحثين في مجالات الانثروبولوجيا ، وحينما يعملون على عناصر هذه الثقافة مستقبلا ، سيكتشفون هذه الحقيقة ، لا بل ان الانسان العادي يمكنه الآن ان يقول على سبيل المثال ، ان هذا الصنف من الطعام في الثقافة العربية مأخوذ عن المطبخ الفارسي ، وان هذا الشكل من السلوك يعود في اصوله الى الثقافة العربية ، وان هذا النوع الادبي يعود الى التفاعل الذي تم في الاندلس بين العرب والاسبان والبربر. يقول عبد المحسن عاطف سلام انه وبعد خروج العرب من الجزيرة العربية اخذت الثقافة العربية «.. علما يونانيا وثقافة هندية وتراثا فارسيا وقانونا رومانيا ونظما وتقاليد وعادات في أوج مجدها وانصهر هذا كله في بوتقة واحدة في عصر الامجاد وفي عصر القوة وأضافت اليه تراثها».
وبالمقابل «فقد اسهم العرب الاصليون في الثقافة العربية الجديدة باللغة. تعلمها العرب او المستعربون لقضاء حاجاتهم اليومية. وتعلمها عدد كبير آخر من المستعربين وأتقنوا تعلمها وبرعوا فيها وطوروها لقضاء الحاجات الجديدة للدولة وللتعبير عن الثقافات الجديدة العلمية والادبية التي جدت على المجتمع آنذاك ووضعوا اساسا جديدا للغة عالمية ظلت حية حتى اليوم وهي لغة العرب الآن».
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش