الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * عناصر الثقافة تتوزع على مجموعات ثلاث: عموميات الثقافة ، خصوصيات الثقافة ، وبدائل الثقافة * بقلم: د. سعيد التل * الحلقة العشرون

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * عناصر الثقافة تتوزع على مجموعات ثلاث: عموميات الثقافة ، خصوصيات الثقافة ، وبدائل الثقافة * بقلم: د. سعيد التل * الحلقة العشرون

 

 
هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
مكونات الثقافة
يطلق اصطلاح مكونات الثقافة على مجموعة المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم والمثل والعادات والتقاليد والوسائل والادوات والاساليب ، والتي تشكل مجموعها المتداخل والمترابط والمتكامل الثقافة. ويطلق على مفردات هذه المكونات اصطلاح عناصر الثقافة ، وعناصر الثقافة متداخلة ومترابطة ومتكاملة. يقول محمد لبيب النجيحي: «.. الثقافة لا تتكون فقط من عناصر ولكن هذه العناصر مترابطة متداخلة بينها تكيف متبادل بحيث انها تكون شكلا عاما للثقافة او نمطا ثقافيا..» ويقول عبدالله الرشدان: «.. لا تتكون الثقافة من مجموعة من الاعمال والافكار المنقولة عن بعضها وانما تتكون من كل تداخل العناصر والقطاعات. فالنظام الاقتصادي والسياسي والعائلي والديني والاخلاقي يكمل بعضها البعض في الثقافة الواحدة». وبالطبع ، فإن التداخل والترابط والتكامل بين مكونات الثقافة لا يعني «.. ان تظل الثقافة تعمل على ادماج المتغيرات المختلفة في كيانها بحيث يقدر لها البقاء والاستمرار ككيان له نمط عام وهذا ما يسمى باسم تكامل الثقافة. وبعبارة اخرى هو العملية التي يتم بها اندماج عنصر ثقافي جديد في حياة جماعة من الجماعات سواء كان هذا العنصر الثقافي قد انتقل الى هذه الجماعة عن طريق الاتصال بجماعة اخرى او كان تجديدا من داخل الجماعة. ويضيف عبدالله الرشدان «.. ان العناصر اللامادية يصعب اندماجها في الثقافة ، اذ انها تحتاج الى وقت وجهد اكثر مما تحتاجه العناصر المادية ، والعناصر اللامادية ترتبط ارتباطا كبيرا بنسيج الحياة التي يعيشها مجتمع من المجتمعات».

اشكال الثقافة
ولقد قسم المفكرون والمعنيون بالثقافة عناصر الثقافة الى اشكال مختلفة. فبعضهم قسم هذه العناصر الى عناصر مادية وعناصر غير مادية. والعناصر المادية هي العناصر التي يدركها الانسان بحواسه كالادوات والوسائل. اما العناصر غير المادية فهي العناصر التي يدركها بعقله كالعادات والتقاليد والقيم والمثل واللغة المحكية والرمزية «كالفنون والادب» يصف محمد لبيب النجيحي هذا التقسيم فيقول: «.. ان الثقافة نوعان: ثقافة مادية وثقافة غير مادية. فالثقافة المادية تشمل الانتاج الانساني الذي يمكن ان يمارسه الانسان عن طريق احساساته. والعناصر المادية التي تشاهدها في الثقافات الحاضرة هي الجانب المادي من الثقافة ، مثل السيارات ، والقطارات ، والطيارات ، والاحذية والمذياع وغير ذلك. اما الثقافة غير المادية فانها تشمل المبادىء والمثل العليا والافكار ، والتوقعات والقيم والتقاليد والعناصر السيكولوجية التي تنبع من الحياة الاجتماعية».
الا ان التقسيم الاكثر شيوعا والاكثر انتشارا والاكثر قبولا لعناصر الثقافة هو الذي يقسم هذه العناصر على اساس مدى اشتراك افراد المجتمع فيها ، وهو التقسيم الذي يعرف بتقسيم لينتون الذي يقسم عناصر الثقافة حسب هذا التقسيم وعلى الاساس آنف الذكر الى ثلاثة جوانب هي: عموميات الثقافة وخصوصيات الثقافة وبديلات الثقافة.

عموميات الثقافة
اما عموميات الثقافة فهي العناصر التي يشترك فيها جميع افراد المجتمع وتوصف احيانا بانها قاعدة الثقافة الرئيسية ومحورها الاساسي. وتختلف صورة العموميات من ثقافة الى اخرى وتشمل فيما تشمل اللغة والعادات والتقاليد والمثل والقيم وشكل المنازل واساليب الحياة وغيرها. ويضيف محمد لبيب النجيحي ان عموميات الثقافة: «.. هي الافكار والسلوك وطرق التفكير التي يشترك فيها جميع افراد المجتمع العاملون. وهذه العموميات تختلف من ثقافة الى اخرى ، وهي التي تكون الاساس العام للثقافة ، الذي تتميز به عن ثقافة اخرى. وهذه العموميات في ثقافة معينة تشمل اللغة التي يتكلمها الناس ، وطريقة الاكل ، وطريقة ارتداء الملابس ، وطريقة التحية وطريقة بناء المنازل ، والانماط الاساسية للعلاقات الاجتماعية». ويكرر عبدالله زاهي الرشدان هذا الامر ويقول: ان عموميات الثقافة «.. هي الافكار والسلوك وطرق التفكير التي يشترك فيها جميع افراد المجتمع العاملون. وهذه العموميات تختلف من ثقافة الى اخرى ، وهي التي تكون الاساس العام للثقافة ، التي تتميز به عن ثقافة اخرى. وتشمل هذه العموميات اللغة التي يتحدثها الناس ، وطريقة الاكل ، وطريقة ارتداء الملابس ، وطريقة التحية ، وطريقة بناء المنازل ، والانماط الاساسية للعلاقات الاجتماعية».
ويقول ابراهيم ناصر ان عموميات الثقافة «.. تضم مميزات الثقافة التي نتعلمها مبكرا.. والعموميات تتكون من الافكار والسلوكيات التي توجد بصفة عامة عند كل اعضاء المجتمع الواحد البالغين ، وتكون فعلا معايير بواسطتها تقرر الجماعة المحلية اذا كان الفرد يسلك سلوكا طبيعيا او عاديا في المجتمع ام لا..» ويضيف ابراهيم ناصر ويقول ان عموميات الثقافة تتضمن «.. طرق اللبس ، وتكلم اللغة ، ومعرفة الشعائر الدينية ، والنظم الاقتصادية وفهم العلاقات بين الافراد وكيفية معاملة الافراد الاخرين في الجماعة».
ان عموميات الثقافة هي التي تجعل من تجمع الافراد تجمعا متميزا موحدا ليس فقط في معارفه ومفاهيمه وقناعاته واتجاهاته ومهارات واساليب حياته ووسائلها وادواتها بل بقناعاته وهمومه ومشاركته وتطلعاته وروح الجماعة التي تربط هؤلاء الافراد مع بعضهم البعض. يقول محمد لبيب النجيحي ان «.. عموميات الثقافة هي التي تكون السمات الاساسية لهذه الثقافة والتي تؤدي الى تشكيل نمط مشترك من الاتجاهات يمتاز به افراد ثقافة عن غيرها من الثقافات بحيث يستطيع الفرد اذا ما عرف هذه العموميات ان يميز الفرد الذي ينتمي اليها». وفي هذا الصدد يقول ايضا ان «.. اشتراك افراد الجماعة في عموميات الثقافة يؤدي الى ظهور الاهتمامات المشتركة التي تجمع بين هؤلاء الافراد ، وظهور هذه الاهتمامات المشتركة حقيقة سيكولوجية هامة تبنى على اساسها بالتضامن وبالمصير المشترك. ويقول في هذا الصدد ايضا «... واذا كان اساس بقاء الجماعة هو تنمية ما يسميه لينتون بروح الجماعة فان اشتراك الافراد في هذه العموميات خاصة النواحي الفكرية والايدلوجية مما يؤدي الى اكتساب الافراد هذه الروح الجماعية».
ويقول ان «.. اشتراك افراد الثقافة الواحدة في العموميات يؤدي الى ان تتشابه خبراتهم الاجتماعية المختلفة ، مما يؤدي بالتالي الى تماسكهم الاجتماعي ، هذا التماسك الاجتماعي الذي لا بد منه لأي مجتمع يهدف الى البقاء والاستقرار».
وبعد ان رسخ العلم الحديث ان جميع امم العالم واينما كانت مواقعهم الجغرافية واصولهم العرقية موحدون بيولوجيا ، فان الفروق بين هذه الشعوب والامم يعود الى ثقافاتها بصورة عامة والى عموميات هذه الثقافة. ان «.. عموميات الثقافة هي التي تكون السمات الاساسية لثقافة اي مجتمع ، والتي بدورها تؤدي الى تشكيل نمط مشترك يميز افراد مجتمع عن غيره من المجتمعات..» ويقول عبدالله الرشدان في هذا الصدد ان «... اشتراك افراد الجماعة في عموميات الثقافة يؤدي الى ظهور الاهتمامات المشتركة التي تجمع بين الافراد ، وتولد بينهم شعورا بالتضامن وبالمصير المشترك».

اللغة والثقافة
وهنا يجب ان يذكر ان اللغة هي اهم جوانب عموميات الثقافة وعلى الاطلاق ، وبالتالي فهي اهم جوانب الثقافة واساس لحمة وحدتها ، وكما يقول انور عبدالملك «.. ان اللغة تشمل وحدة الثقافة..» فاللغة وبصورة عامة ، هي المحدد الرئيسي لجغرافية الثقافة وانتشارها وبالتالي فهي المحدد الرئيسي لمجتمعها. من جهة اخرى ، فإن اللغة ، وكما هو معروف ، ليست فقط اصواتا للتواصل واداة للتفكير والتأمل والابداع ، بل هي ايضا ذاكرة المجتمع وخلاصة تاريخه وهي وعاء تراثه الفكري بأبعاده العلمية والادبية.

خصوصيات الثقافة
اما الجانب الثاني من جوانب الثقافة وهو خصوصيات الثقافة ، فيتشكل من العناصر «.. التي يشترك فيها او يمارسها فئة او قطاع من «فئات» او قطاعات المجتمع لاسباب مهنية او دينية او اجتماعية او اقتصادية او عرقية او غير ذلك من اسباب تفرد فئة من الناس بعناصر ثقافية لا يشترك فيها عامة الناس..» ويقول عبدالله الرشدان ان خصوصيات الثقافة «.. هي تلك العناصر من الثقافة التي تشترك فيها مجموعة معينة من الافراد لها تنظيمها الاجتماعي الخاص ، والتي لا يشترك فيها جميع افراد المجتمع» ويحدد محمد لبيب النجيحي خصوصيات الثقافة بأنها «.. العادات والتقاليد والانماط السلوكية المختلفة المتعلقة بمناشط اجتماعية بينها تأثير متبادل والتي حددها المجتمع للقطاعات المختلفة منه اثناء تقسيمه للعمل بين افراده. ففي جميع المجتمعات نجد ان هناك اشياء يعرفها او يقوم بها جزء معين من السكان ، يؤدي الى الصالح العام للجماعة. ففي بعض الجماعات نجد مثلا ان النساء يألفن انواعا معينة من المهن والمهارات ، على حين يألف الرجال نوعا من هذه المهن والمهارات» ويوضح محمد لبيب النجيحي معنى وابعاد خصوصيات الثقافة ويقول ان خصوصيات الثقافة «.. هي تلك العناصر الثقافية التي لا يشترك فيها جميع افراد المجتمع وانما يشترك فيها افراد فئة معينة في المجتمع ثم ان الخصوصيات تقسم بدورها الى عدة اقسام منها :
أ - الخصوصيات المهنية: وهي العناصر الثقافية او السلوكات والممارسات الخاصة بأصحاب مهنة معينة دون غيرهم.
ب - الخصوصيات الطبقية: وهي السلوكات الثقافية التي تسلكها فئة من المجتمع دون غيرها ويتضح ذلك في طريقة المعاملات والعلاقات بين افراد تلك الطبقة وطريقة لباسهم وتصرفهم حيال المشكلات وطريقة حياتهم العامة وسلوكاتهم.
ج - الخصوصيات العقائدية: وتتضح بأسلوب المعاملة وطريقة العيش والانتساب للجماعة وتقديم الطقوس المختلفة ، والشعائر الخاصة بتلك الفئة الدينية او العقائدية دون غيرها ، والسلوكات الواجب اتباعها في المناسبات المختلفة.
د - الخصوصيات العنصرية: وتظهر في ممارسة بعض الاقليات الموجودة في المجتمعات لاسلوب الحياة التي يعيشون فيها والتقاليد والقيم والعادات التي يمارسونها وفي بعض الحالات اللباس وطريقة الاكل ونوعه واسلوب التحية عند المقابلة.. الخ».
ويضيف محمد لبيب النجيحي قائلا: «.. ان الطبقات الاجتماعية في المجتمع لها ايضا العناصر الثقافية الخاصة بها ، فخصوصيات الطبقة الاستقراطية تختلف عن خصوصيات الطبقة الدنيا والوسطى ، فالطبقة الارستقراطية لها طريقة تفكيرها ونظرتها الخاصة للاشياء ولها انماط سلوكية معينة تمارسها ويستطيع الفرد العادي ان يتعرف على افراد هذه الطبقة من معرفة ومشاهدة هذه الانماط السلوكية» ويكرر عبدالله الرشدان بكلمات اخرى خصوصيات الثقافة التي ذكرها محمد لبيب النجيحي فيقول ان خصوصيات الثقافة تتألف مما يلي :
1 - الخصوصيات المهنية والفنية: كل جماعة لها خصوصياتها الثقافية التي تتميز بها عن غيرها كالاطباء والمهندسين والمحامين والحدادين والخياطين.. الخ.
2 - الخصوصيات الطبقية: كل طبقة في المجتمع لها خصوصياتها الثقافية الخاصة بها. فخصوصيات الطبقة الارستقراطية تختلف عن خصوصيات الطبقة الدنيا والوسطى.
3 - خصوصيات عقائدية: لكل عقيدة عناصرها الثقافية الخاصة بها والتي تميز الافراد التابعين لها والمؤمنين بها من غيرهم من افراد المعتقدات الاخرى.
4 - خصوصيات عرقية او عنصرية: لكل عنصر او عرق في المجتمع عناصره الثقافية التي تميزه عن العروق او العناصر الاخرى ، اما من حيث علاقة الخصوصيات الثقافية بالتربية ، فإن مكان الخصوصيات الثقافية هو التعليم الخاص.
ويلخص محمد لبيب النجيحي ابعاد خصوصيات الثقافة فيقول: «.. ان خصوصيات الثقافة تتصل بالناحية المهنية والطبقية. فافراد المهنة الواحدة والتخصص الواحد لهم خصوصياتهم ، وافراد الطبقة الاجتماعية الواحدة لهم خصوصياتهم ايضا. وهم الى جانب هذا الاشتراك في هذه العناصر الخاصة بهم من الثقافة انما يشتركون ايضا مع افراد المجتمع في عموميات الثقافة».
وقبل تعريف وتحديد الجانب الثالث من جوانب الثقافة وهو بديلات الثقافة لا بد من الاشارة الى ان كثيرا من الباحثين والمعنيين بالثقافة يعتبرون عموميات الثقافة وخصوصياتها على انها لب الثقافة ، اما بديلات الثقافة فيعتبرونها قشرة الثقافة.

بدائل الثقافة
اما بديلات الثقافة فيطلق عليها احيانا بدائل الثقافة كما يطلق عليها احيانا اخرى متغيرات الثقافة ، وهي عناصر الثقافة التي توجد عند افراد معينين من ابناء المجتمع. فهي ليست سائدة بين جميع افراد المجتمع كعموميات الثقافة ، وليست سائدة بين فئات او طبقات او جماعات محددة من ابناء المجتمع كخصوصيات الثقافة. وتظل بديلات الثقافة على حافة الثقافة. فاذا حظيت بالقبول تتحول اجتماعيا وتصبح عناصر من عموميات الثقافة ، او في خصوصيات الثقافة وذلك حسب درجة انتشارها في المجتمع. فاذا قبلها المجتمع بجميع افراده وفئاته وطبقاته فانها تصبح من عموميات الثقافة. اما اذا تم قبولها من فئة او مجموعة محددة في المجتمع فتصبح من خصوصيات الثقافة. وعناصر بديلات الثقافة هي عوامل الافراد والتجديد لثقافة المجتمع. فهي عناصر افراد عندما تصبح عناصر جديدة في عموميات الثقافة وخصوصياتها وهي عوامل تجديد تحل محل عناصر قد أصبحت غير ملائمة لواقع العصر ومتطلباته ، ولهذا يطلق عليها بديلات الثقافة لانها تصبح في بعض الاحيان بديلا لعناصر موحدة في عموميات الثقافة او في خصوصياتها.
ويصف محمد لبيب النجيحي بديلات الثقافة والتي يطلق عليها متغيرات الثقافة فيقول انها «.. تلك العناصر الثقافية التي نجدها لدى افراد معينين ولكنها لا تكون مشتركة بين افراد الثقافة جميعهم ، بل انها تكون سائدة بين طبقات لها تنظيم اجتماعي معين ، اي ان هذه العناصر ليست من العموميات بحيث يشترك فيها جميع افراد المجتمع ، وليست من الخصوصيات بحيث يشترك فيها افراد طبقة اجتماعية او افراد مهنة او حرفة وهذه العناصر من الثقافة تتضمن مجالا واسعا مختلفا متنوعا من الافكار والعادات والانماط السلوكية وطرق التفكير».
ويتفق عبدالله الرشدان مع محمد لبيب النجيحي في وصفه لبديلات الثقافة وتسميتها بمتغيرات الثقافة فيقول انها «.. تلك العناصر الثقافية التي نجدها لدى افراد معينين ولكنها لا تكون مشتركة بين افراد الثقافة جميعهم ، بل انها لا تكون سائدة بين طبقات لها تنظيم اجتماعي معين. اي ان هذه العناصر ليست من العموميات بحيث يشترك فيها جميع افراد المجتمع ، وليست من الخصوصيات بحيث يشترك فيها افراد طبقة اجتماعية او افراد مهنة او حرفة ، وهذه العناصر الثقافية تتضمن مجالا واسعا مختلفا من الافكار والعادات والانماط السلوكية وطرق التفكير. وهذه المتغيرات تظل حائرة على سطح الثقافة حتى تتحول الى خصوصيات وعموميات فتثبت وتستقر».
ويصف ابراهيم ناصر بديلات الثقافة والتي يطلق عليها بدائل او متغيرات فيقول «..تشبه البدائل او المتغيرات العناصر التخصصية او الخصوصيات الى حد كبير لان ميزات احداهما تشترك فيها الاخرى ، وهي ان البدائل كالتخصصيات يشترك فيها فئة معينة وليس كل افراد المجتمع ، وهي بطبيعتها انماط مختلفة مختلفة لممارسات معينة في المجتمع ويقوم بها افراد معينون. والبدائل في العادة تقدم طرقا مختلفة في تناول مواقف معينة ولكنها على اي حال تصل الى نفس الغاية المرجوة ، اي تختلف الطريقة التي يصل بها الافراد الى الهدف الجماعي عن طريق الجماعة او اكثرية الجماعة. ا نها طريقة خاصة بفئة قليلة ، وقد تصبح من العناصر الخصوصية او التخصصية او حتى من العالميات او العموميات او قد تندثر وتنسى اذا لم يؤيدها ويمارسها مجموعة اكبر ، وهي كما ذكر كالخصوصيات من حيث تكوينها وجوهرها ولكنها اقل منها من حيث المجموعة التي تمارسها».
ويؤكد هذا التوجه محمد لبيب النجيحي من حيث ان البديلات الثقافية والتي يطلق عليها التغيرات» والتي تدخل ثقافة جديدة تنتهي الى واحدة من ثلاث نتائج اما ان تستطيع ان تندمج في الثقافة نتيجة مقابلتها لحاجات الثقافة ، واما ان تزول وتختفي ، اما النتيجة الثالثة فهي ان تبقى هذه المتغيرات دون ان تندمج في الثقافة او تختفي منها ، اي انها تظل قلقة حائرة مترددة ، وفي هذه الحالة تكون هذه المتغيرات تافهة القيمة ضئيلة الاهمية بحيث ان تركها على هذا الوضع المعلق لا يؤثر في قليل او كثير على الثقافة».

مشكّلات الثقافة
يقصد بمشكلات الثقافة مجموعة العوامل التي تلعب دورا رئيسيا وفعالا في تشكيل الثقافة ، اي في نشأة الثقافة ، وفي تطورها ، وفي تحديد مكوناتها ، وبالتالي في تحديد هويتها ، وتميزها عن ثقافات العالم الاخرى ، والثقافة بناء على ما سلف ، ليست شيئا ثابتا راكدا مستقرا ، بل انها في حالة تطور دائم ومستمر ، ويعمل هذا التطور على تطوير المجتمع ، ان الفارق بين المجتمعات المتقدمة وبين تلك المتخلفة هو الفارق بين تلك المجتمعات من حيث ثقافتها ، فالمجتمعات المتقدمة متقدمة بثقافاتها والمجتمعات المتخلفة متخلفة بثقافاتها.
ولما كانت مكونات الثقافة تتكون وكما ذكر من عناصر - وهذه العناصر تتوزع حسب درجة انتشارها بين افراد المجتمع على مجموعات ثلاث ، هي: عموميات الثقافة ، وخصوصيات الثقافة ، وبديلات الثقافة - فان عملية تطوير الثقافة تعني احداث تطوير في عناصر هذه المجموعات ، ويأخذ هذا التطور عادة احدى الصور التالية: التعديل او التبديل او الالغاء ، او الاضافة ، ويشمل التطوير الثقافي بالصور آنفة الذكر ، جميع جوانب الثقافة وبدون اي استثناء ، ولكن بسرعات ودرجات مختلفة تعتمد على هذه الجوانب وعلى العنصر الثقافي الذي يخضع لهذا التطوير.
اما فيما يتعلق بتعديل عنصر من عناصر الثقافة ، فان المقصود به استمرار الجانب الاساسي لهذا العنصر ، مع احداث شيء من التغيير في بعض جوانبه فعلى سبيل المثال ، حدث تعديل في نمط بناء البيوت وفي تنظيمها الداخلي لتتلاءم مع متطلبات الحياة المعاصرة ، وقد عدلت كثير من المجتمعات عاداتها وتقاليدها لتتناسب مع واقع الحياة المعاصرة وظروفها ومتطلباتها.
ويقصد بالتبديل احلال عنصر ثقافي جديد مكان عنصر ثقافي اخر في الثقافة ، لان هذا العنصر الجديد اكثر كفاية في تحقيق الهدف المنوط به ، فعلى سبيل المثال ، استبدل الموقد الذي يعمل بواسطة الكاز بالموقد الذي يستخدم فيه الحطب ، واستبدل الموقد الذي يستخدم الغاز بالموقد الذي يعمل بواسطة الكاز ، وفي ايامنا هذه يستبدل تدريجيا الموقد الكهربائي بالموقد الذي يعمل بالغاز. وفي الوقت الحاضر تستبدل بعض العائلات الموقد الذي يعمل بالغاز او بالكهرباء بالموقد الذي يعمل بالاشعة القصيرة.
اما الالغاء فيقصد به الاستغناء عن عنصر من عناصر الثقافة ، واسقاطه كليا من جسم الثقافة لانه لم يعد بذي فائدة او ضرورة او ملاءمة لواقع الحياة القائمة.

الاضافة في الثقافة
ويقصد بالاضافة اضافة عنصر جديد او ادخاله الى الثقافة بسبب اهمية هذا العنصر وضرورته ، ويأتي هذ العنصر الثقافي الجديد من خلال التفاعل الذاتي في الثقافة ، او من خلال تفاعل هذه الثقافة مع ثقافات العالم الاخرى. ولقد اثريت جميع ثقافات العالم ، وبدون اي استثناء ، باضافة عناصر ثقافية اليها اخذت من ثقافات اخرى ، فثقافتنا العربية اثريت بعناصر ثقافية كثيرة جدا ، اضيفت اليها من ثقافات انسانية كثيرة. فعلى سبيل المثال ، أصبحت السيارة كوسيلة للسفر والنقل عنصرا من عناصر ثقافتنا ، وهنالك معارف كثيرة جدا في مختلف مجالات العلوم والآداب ادخلت على البعد المعرفي في ثقافتنا ، كما حدث في مجال ادارة الاعمال اذ ادخلت معارف كثيرة في ثقافتنا نستخدمها حاليا في ادارة مؤسساتنا ، ولعل المفردات الكثيرة التي عربت وأصبحت عناصر ثقافية في لغتنا العربية مثال جيد على هذا الامر.
ان عملية التطوير الثقافي بالصور آنفة الذكر لا تحدث فجأة ، بل تكون عملية تطورية ، تستمر لوقت طويل اعتمادا على طبيعة العنصر واهمية الموقع الثقافي الذي يشغله. فعلى سبيل المثال ، فان استخدام الموقد الذي يعمل بواسطة الغاز استغرق وقتا غير قصير ليصبح الموقد الأكثر انتشارا في ثقافات العالم ، ومع ذلك ، فان استخدام هذا الموقد لم يعمل نهائيا ، وبشكل مطلق ، على الغاء استخدام الموقد الذي يعتمد على الحطب ، او الموقد الذي يعتمد على الكاز ، كما انه لا يمنع استخدام الموقد الذي يعتمد على الاشعة القصيرة الذي بدأ ينتشر ولكن ببطء شديد في ثقافات العالم ، من جه اخرى ، فان عملية التطوير الثقافي ، اي تطوير عناصر الثقافة ، تتم وفق مشكلات تعمل كضوابط تحدد مسار عملية التطوير آنفة الذكر ، فتحافظ ، بالتالي على شخصية الثقافة وبنيتها الاساسية ، ومن ثم على هويتها وتميزها عن الثقافات الانسانية الاخرى.
ان مشكلات الثقافة في اي مجتمع من المجتمعات مشكلات عديدة ، وكثيرة ، ومترابطة ومتداخلة مع بعضها البعض ، غير ان اهمها ، وعلى الاطلاق ، ثلاث: اولها الحضارة التي ينتمي المجتمع اليها ، وثانيها لغة هذا المجتمع ، وثالثها الواقع التاريخي والجغرافي والديمغرافي والاقتصادي والسياسي لهذا المجتمع.
الحضارة والثقافة
ومع ان لكل من الحضارة والثقافة كيانها الخاص بها ، ومع ان العلاقة بين الحضارة والثقافة عميقة ومتبادلة ومتداخلة ، فان بعض المفكرين يعتبرهما كلا واحدا حين يقول «الحضارة والثقافة كلاهما يشير الى مجمل اسلوب الحياة لدى شعب ما ، والحضارة هي ثقافة على نطاق اوسع. وكلاهما يضم المعايير والقيم والمؤسسات وطرائق التفكير ، التي علقت عليها اجيال متعاقبة اهمية اساسية في مجتمع ما» ، الا انه ومن ناحية نظرية ، فان لكل من الحضارة والثقافة موقعها ودورها في «اسلوب الحياة». فالحضارة وبالمعنى سالف الذكر هي ، وبصورة عامة ، المرجعية الفكرية للثقافة ، وبالتالي تلعب دورا رئيسا واساسيا في تشكيلها ، ولا يرتبط دور الحضارة في عملية التشكيل هذه بالعناصر الثقافية التي يطورها المجتمع على اساس من مرتكزاتها ومبادئها مع اهمية ذلك وقيمته فقط ، بل ان هذا ا لدور الرئيس والاساس يرتبط اولا ، وقبل كل شيء ، بكون الحضارة روح الثقافة التي من خلالها تتنفس وتعيش وتنمو وتزدهر ، وهذ الدور ايضا هو حارسها الامين ، وبالتالي فالحضارة هي القوة المسيطرة بطريقة مباشرة ، او غير مباشرة ، على التطوير الثقافي بأبعاده آنفة الذكر ، فعلى سبيل المثال ، لا يمكن ان يضاف عنصر ثقافي جديد الى الثقافات التي تنتمي الى الحضارة الاسلامية ، كالثقافة العربية ، والثقافة الايرانية ، والثقافة التركية ، لا يتفق ولا يتسق مع مرتكزات الحضارة الاسلامية الرئيسية ومبادئها الاساسية ، وكذلك هو الامر بالنسبة الى الثقافات التي تنتمي الى الحضارة الغربية كالثقافة الاسبانية ، والثقافة الفرنسية ، والثقافة الايطالية ، اذ لا يمكن اضافة عنصر ثقافي جديد اليها لا يتفق ولا يتسق مع مرتكزات الحضارة الرئيسية ومبادئها الاساسية ، فالحضارة الاسلامية ، وعلى سبيل المثال ، تحرم على المسلمين اكل لحم الخنزير ، ولذلك لا يمكن ان يصبح لحم الخنزير جزءا من الجانب الثقافي المتعلق بطعامهم ، وبالتالي لا يمكن للمسلمين انشاء مزارع لتربية الخنازير في المجتمعات التي تنتمي الى الحضارة الاسلامية. وبالمقابل ، فان الحضارة الغربية تمنع تعدد الزوجات ، وبالتالي ، فان مبدأ تعدد الزوجات لا يمكن ان يصبح جزءا من الثقافة الاسبانية ، او الثقافة الايطالية او الثقافة الفرنسية ، وفي احيان قليلة نادرة يمكن بطريقة او بأخرى ان يتسلل عنصر ثقافي جديد الى الثقافة الاصلية لا يتسق مع الحضارة التي ينتمي المجتمع اليها ، لكن اختراق هذا العنصر لهذه الثقافة يظل محصورا ضمن فئة محددة ، وفي الغالب فانه لا يستمر ولا يدوم طويلا.
وتأتي اللغة في المرتبة الثانية من حيث الاهمية بعد الحضارة فيما يتعلق بتشكيل الثقافة واللغة ، وعلاوة على انها من المكونات الرئيسة والاساسية للثقافة ، فانها ايضا من المشكلات الاساسية والرئيسة لها. فاللغة ، هي الفارق الرئيس بين الثقافات التي تنتمي الى حضارة واحدة ، وهي بالتالي المشكل المميز للثقافة الذي يعطيها شخصيتها الخاصة بها.
فعلى سبيل المثال ، فان الفارق الرئيس بين الثقافة العربية وبين الثقافة الايرانية ، واللتين تنتميان للحضارة الاسلامية هو اللغة ، وبعبارة اخرى ، فان الفارق الرئيس بين الثقافة العربية وبين الثقافة الايرانية هو الفارق بين اللغة العربية واللغة الفارسية ، هذا مع العلم ان هناك مفردات كثيرة جدا بين هاتين اللغتين ، وبالمثل ، هناك الفارق الرئيس بين الثقافة الفرنسية وبين الثقافة الاسبانية اللتين تنتميان الى الحضارة الغربية هو اللغة ،
ان الحضارة التي ينتمي المجتمع اليها ، واللغة التي يستخدمها ، هما المشكلان الرئيسان والاساسيان لثقافة المجتمع ، اما ابعاد هذه الثقافة ومكوناتها ، فيحددها ، وفي اطار هذين المشكلين ، مشكل ثالث هو واقع المجتمع بأبعاده التاريخية والجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والسياسية.
بعبارة اخرى ، فان واقع المجتمع هو المشكل الثالث لثقافة المجتمع ، كما ان عناصر الثقافة الرئيسية والتي تحددها حضارة المجتمع ولغته تكاد تكون ثابتة ومستقرة ، اما العناصر التي يحددها واقع المجتمع فتخضع للتطور وللتلاؤم مع تطور معرفة الانسان ، وما يترتب على تطور هذه المعرفة من امور.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش