الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العقل الشعري * ماريا ثامبرانو * الفلسفة والشعر * ترجمة محمد البخاري بن سيد المختار * د. كارلوس بارونا ناربيون * دار الرواد - بيروت - الط

تم نشره في السبت 27 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
العقل الشعري * ماريا ثامبرانو * الفلسفة والشعر * ترجمة محمد البخاري بن سيد المختار * د. كارلوس بارونا ناربيون * دار الرواد - بيروت - الط

 

 
محمد العباس
الشعر والفكر أشكال غير مستوفاة ، إذ لا نعثر على الإنسان الكامل في الفلسفة ، ولا نعثر على كلية الإنسان في الشعر ، ولكن يمكن العثور مباشرة على الإنسان الملموس الفردي في الشعر ، مقابل انوجاد الإنسان بتاريخه الشمولي في الفلسفة. هذا التباعد بين الذاتين الشاعرة والمتفلسفة ، الذي لم يتوحد إلا في استثناءات ابداعية قليلة كنيتشة مثلا ، هو الذي دفع ماريا ثامبرانو ، في كتابها"الفلسفة والشعر"لمحاولة التقريب بين شخصيتي الشاعر والفيلسوف ، فيما أسمته"العقل الشعري ".
ويبدو أن مقترحها التوفيقي بين النزعتين العقلية والتخيليية جاء تطويرا لتصور أستاذها أورتيغا أي غاسيت لمفهوم"العقل الحيوي"الرامي إلى دمج كل الحاجات الحميمية والدينية للكائن الإنساني داخل التجربة الزمنية ، أو هذا ما حاولت استكماله بمزج المكونات الفلسفية والشعرية والدينية والتاريخية داخل يوتوبياها الخاصة كما تسمي تلك"المدينة المنسجمة الغائبة"كاقتراح مضاد لليوتوبيا الأفلاطونية"الجمهورية"حيث تم طرد الشعراء ، والتي ابتنت ثامبرانو بحثها على مناقضته.
باسم الأخلاق ، صاغ أفلاطون إدانته للشعر وأعلنها بخشونة ووضوح في الجمهورية ، على اعتبار أن الشاعر كائن لا أخلاقي ولا منهجي ، فالشعر ، بالنسبة له ليس الأكاذيب وحسب ، بل وحده من يمتلك سلطة الكذب ، والقدرة على الإنفلات من الوجود ، وهو نسخة من التردي ، لأنه جسدي لا روحي ، وبموجب هذا الفهم اضطهد الشعر ، وإذ لم تكن الفلسفة كافية أقام اللاهوت قبالته ، حيث بدت كلماته حاسمة ومؤكدة على وجود التناقض لدى الإنسان بين ما يتبعه بالعقل والعدل والهوى.
بتلك الروح الرافضة أقام تعارضا بين شكلي الكلمة. وقد ترتب على ذلك الصراع إدانته للشعر لصالح العقل الفلسفي ، وعلى هذه الصورة بدأ الشعر حياة منحوسة وخارج القانون ، ليشتق طرقا ضيقة ، ضالا أحيانا وأحيانا أخرى فاسقا ومجنونا وملعونا ، فمنذ أن انتصر الفكر واغتصب السلطة ، بتحليل ثامبرانو ، بدأ الشعر يسكن الضواحي ممزقا صارخا بكل الحقائق غير اللائقة فكان الشعر المتمرد الصارخ.
عند هذا المنزع الأخلاقي ارتسم الإنفصام بشكل واضح بين الشكلين الأساسيين للمعرفة: الشعر والفلسفة ، وعلاقتهما بالتاريخ ، فالكلمة الهاذية ، كما تستعرض ثامبرانو ذلك التباين ، موجودة خارج العقل ، خارج يقظة العقل ، خارج دقة الفيلسوف. في السكرة اللامتناهية. خارج ما هو خارج الزمان ، لأن الشاعر ينسى ما يتذكره الفيلسوف. ويحدث هذا لأن الفيلسوف يريد أن يمتلك الكلمة ، ويصادرها كملكية خاصة ، بينما يفضل الشاعر أن يكون عبدا لها ، ليكرس نفسه ويستهلك ذاته فيها ، فأي استهلاك خارج الكلمة لا وجود له ، ولا يراد له أن ينوجد.
إذا ، في الشعر ، شعر الكلمات ، وليس شعر العقل ، خان العقل نفسه ، ووظفها بطريقة غير شرعية. وقد حدث الطلاق ، داخل العقل ، المكون أصلاً من كلمات وعقل ، فافترقا ليصبح الشعر كلمة لا عقلانية. أجل ، كلمة في خدمة النشوة ، وبالنشوة يصبح الإنسان شيئا آخر أكثر من كونه إنسانا ، كما لو أن أحداً يأتي ليسكن جسده ، أحدا يحوز عقله ، ويحرك لسانه ، أحدا يطغى عليه ، وبالنشوة ، حسب ثامبرانو ، ينام الإنسان ، ويكف بكسل عن مجهوده ، ولا يبذل مجهودا في أمله العقلي.
هكذا انقسم العالم الى دربين ، درب الفيلسوف الأكثر أمنا ووضوحا ، حيث يشعر بدفقة حب عنيفة تجعله يهجر سطح الأرض ، ويتجه نحو الوجود المستنير خلف الظواهر ، كما يسعى إلى الوحدة ويريد الكلية ، مقابل درب الشاعر الغارق في الظواهر ، الذي لا يريد الكلية تماما لأنه يخشى أن تفقده فردية الأشياء فروقها الدقيقة ، فهو يريد كل شيء بدون تحديد بدون تجريد بدون رفض ، ليصل إلى كليته بشكل أسرع من الفيلسوف ، حيث تتجسد كلية الشعر بسرعة في القصائد ، على اعتبار أن الشعر ينتمي إلى سلالة الهم الانساني.

كلاهما أحبّا الحقيقة وأراداها ، ولكن حقيقة الشاعر ليست تلك الحقيقة الحصرية ، ولا الحقيقة الآمرة ، ولا الانتقائية التي تدعي وحدها حيازة كل شيء ، وذلك ما يفسر القلق كأساس لكل فلسفة ، وانغراسه في الشعر أيضا ، وقدرة بعض الشعراء على منح الفيلسوف انطباعا ريبيا ، في طريق بحثه عن الحرية عندما يتقصاها بالعودة إلى الوراء للإندماج في الوسط الذي انطلق منه ، فهو يريد الوعي والمعرفة لتحديد ما رأى ، ومن هنا تتأتى كآبته ، لأن الشعر الصافي هو تأكيد وايمان بالشعر في خصوصيته وعزلته واستقلاله ، وهو ما يتأكد عند الفيلسوف بشكل مقلوب ، حيث يعيش نحو الأمام ساعيا للابتعاد عن الأصل وباحثا عن ذاته في العزلة ، منعزلا ، ومبتعدا عن الناس.
الفلسفة لقاء مع الذات ، لقاء ينتهي إلى حيازة الذات ، بتعبير ثامبرانو ، والشعر هو انفتاح على الداخل والخارج في الوقت نفسه ، فهو اصغاء في الصمت ورؤية في الظلام. انه الخروج من الذات ، ففي الأزمنة المعاصرة ارتبط الاحباط مع الفلسفة والعزاء مع الشعر ، وهنا تتبدى عبقرية بودلير في تحويله الإيهام إلى عمل ، فهو انسان يعيش في عصر وضعي ، حيث أفكاره تتطابق تماما مع عصره ، ولأنه يعي تماما سطوة الوضعي أعطى الأولوية للوعي والعمل ورفض الإرتكاس للوهم.
هكذا اختصر بيان الحداثة في عبارته الشهيرة"أحب زمني"وحقق المصالحة بين شخصيتين متباعدتين في الحضارة الغربية منذ أفلاطون ، أي بين شاعر عاجز عن نسيان ضرورات الحياة الحميمية وفيلسوف مأخوذ بفكرة الوجود. ومن ذات المنزع ، أي صيرورة التقريب بين الوعي والشعر ، والسير في درب الشعر الواعي جاء"بول فاليري"كخطوة حاسمة للمطابقة التامة بين الشعر الفكر المتولد من الدهشة ، بما هي شرط أمام البدهية ، انطلاقا من جانبه الشعري وعبادته للوضوح ، أو هكذا كف الشعر أن يكون حلما.
- ناقد سعودي
www.m-alabbas.com
[email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش