الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجدت ذاتها الشعرية في قصيدة النثر * أمينة العدوان .. في مجموعتها الجديدة «فوضى» * د.مصطفى محمد الفار

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
وجدت ذاتها الشعرية في قصيدة النثر * أمينة العدوان .. في مجموعتها الجديدة «فوضى» * د.مصطفى محمد الفار

 

 
تتابع أمينة العدوان خط سيرها الشعري الملتزم بالقضايا القومية ، والهموم الانسانية ، فتلجأ كما في مجموعاتها السابقة إلى لغة الإيجاز عبر قصائدها القصيرة ، أو ما يطلق عليها اسم "التوقيعة" والتي تتسم بالإيجاز والتكثيف. ولكنها في هذه المجموعة الجديدة التي جاءت تحت عنوان "فوضى" تعبرعن حالات القلق والمعاناة ، نتيجة لحالات التشظي ، والتشرذم والقهر التي يعيشها الوطن العربي اليوم ، نتيجة لعدوانية الغرب القائمة على التسلط ، وطمس الحقائق ، والتطاول على القوانين ، والاستئثار بالقرار ، فيما هي من مفارقات العصر الذي بات الحق فيه باطلا ، والإرهاب شجاعة ، وأصبح فيه بناء الأسوار والجدران العنصرية إنجازا حضاريا.
ضمن هذه الموازين المقلوبة تقف أمينة في قصائدها أمام رؤية شعرية تعكس حالة الإحباط من الواقع المعيش ، ولتبقى رحلة الشاعرة محكومة برحلة العذاب والآلام نتيجة لهذه الفوضى المحدقة في هذا العالم الذي تتحكم فيه المصالح.
وهي تقدم لنا مثالا عمليا على هذه المفارقات والموازين المقلوبة في العالم مستلهمة في قصيدة تحمل عنوان المجموعة نفسها ، باعتبارها المفتاح الذي يهدينا الى بقية الدلالات ، الأوضاع القائمة في هذا العالم.
كم أصبح الأحمر ، أخضر
أزرق ، أصفر
إنه
عمى الألوان
منذ البداية ، نضع أيدينا على مكونات عمل أمينة الشعري ، فهي لا تعتمد على الصورة التقليدية المنسوجة من المرئيات المألوفة للعين ، بل هي تحيل المعنى أو الدلالة إلى صورة من نوع جديد. فعملية اختلاف الألوان من الأحمر إلى الأخضر ، ومن الأزرق إلى الأصفر هي ألفاظ تصويرية في حد ذاتها ، تكوّن صورة لهذا العالم ذي الموازين المقلوبة. ولكنها صور خارجة عن المعنى التقليدي. إنها صور للزيف الحضاري لعالم اليوم.
الصورة هنا هي الفعل الناجم عن ابتعاد المسافة بين لون ولون. وهكذا تحيل الشاعرة الصورة التقريرية المباشرة إلى فعل صيرورة.
كانت هذه القصيدة لقطة من بضع كلمات ، لكنها عبرت تعبيرا مكثفا عن حالات قصوى من المعاناة والقلق ، يكمن غناها الإيحائي في إيجازها ، ومحدوديتها.
وتستمر أمينة في التعبير عن مفهوم الفوضى ، لنعثر على المزيد من قلب الحقائق في هذا العالم المتكئ على المفارقات المشبعة بسلوك الأنا المتفوقة التي تمارس ساديتها ، وشبقيتها المتلذذة.
أهو الكائن يحتضر
أم الكلمات تذبل
وقد اهترأت ألسنة كثيرة
واستهلكت كل الأكاذيب
أهي الأشلاء
أصبحت السكان
أهو الأيتام والأرامل
أصبحت الأسرة
أهو الدم احمر الشفاه
ام قوس النصر
الجثث والأشلاء.
وتستمر الشاعرة على هذه الطريقة في مقطع آخر من القصيدة فتقول:.
أهي البيوت
أصبحت اعتلالا ومصحات
أهي كتب القانون
أصبحت كلمات بدون نقاط
أهي الأحكام موازين مكسورة
أهي الحقوق
أقلام تدوس على رأس الإنسان
أهي الوجوه بلا ملامح
أهو العالم بدون رأس
والكائن بدون أيدي
والوجوه بعين واحدة
أهي المدن
مدن
أم غنائم وسبايا في سوق النخاسة.
ثم تختم القصيدة بقولها :
هنا تغييب الموازين
حيث الطعنات
المعدّة سلفا
كدمات وجرح الكائنات
الظلم ينتشر كالوباء
الكائنات اختناق
الدخان يوزع الهواء.
وتحاول أمينة أن تبعث الأمل في النفوس ، فقد أسهمت أمينة في تصوير المأساة الفلسطينية والمعاناة ، فعمدت بحسها الشعري الملهم الى تصوير هذه المعاناة التي يرزح تحتها شعب صمد في وجه العدوان الغاشم فتصور لنا بعض هذه المعاناة في قصيدة "جرائم حرب":.
ايام مليئة بالدم والدخان
أيا ليل لا يختلف
عن النهار
كثيرا ما احترق
بقنابل فسفورية وعنقودية
أهي حفل
يدعو إليه
ومائدته أضرحة.
ان خيطا واحدا يكاد يربط قصائد أمينة بالقضية الفلسطينية ومعاناة شعبها ، هو مأساة الفلسطيني الذي يواجه كل يوم ظروف الاحتلال القاسي القاهر الظالم. ولكن أمينة تتفاءل بانسحاب الاحتلال من غزة فتقول:.
أعود إلى غزة
المستوطن يرحل
الليل يهرب
إلى الغيمة
والقمر يضيء.
ثم تعود فتصور لنا في قصيدة أخرى انسحاب الاحتلال من غزة :
أعود إلى غزة
الشمس الحارقة
تصيح
كرسيّ .. مظلة
ولا يطول بها هذا الشعور الفرح ، فتصف الحال لنا في قصيدة: "هذه هي غزة الآن".
كم من اغتيال يومي
لا أحد يوقف هذه الجرائم
أهو الموت يطاردهم
بين السيارات المحترقة
والبحث عن الأشلاء.
لقد استطاعت الشاعرة في مجموعتها "فوضى" أن تنقل لنا بأمانة وصدق صورة مباشرة لهذا الواقع الذي أصبح سيفا مصلتاً على رؤوس الفلسطينيين نتيجة لانفلات القيم ، وسيطرة الظلم على الحق والعدل وانهيار المعايير وازدواجيتها.
وكما استطاعت أمينة أن تخلد وقائع الانتفاضتين الفلسطينيتين: الأولى والثانية ، فقد استطاعت أيضا أن تضع يدها على آلام الإنسان وجراحه ، واجدة ذاتها في قصيدة النثر المتحررة من القيود.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش