الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قاسم توفيق. إقامة بين سرد الحياة وحياة السرد

تم نشره في الجمعة 26 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً

د. محمّد صابر عبيد *



يشرقُ سردُ قاسم توفيق في قصصه ورواياته وحكاياته وصداقاته ومغامراته وأحلامه وأوهامه وتفاصيله الرهيفة من صندوقٍ شفّافٍ أبيض معدّ للبوح والثرثرة الآسرة، يشرقُ من وحي جبال عمّان السبعة شمساً محتشدةً بضوءِ الحكي المضفور بحساسيةٍ مرهفةٍ عاشقةٍ، ليضعَ المكانَ والزمانَ والأثرَ الخفيَّ واللطيفةَ النادرةَ والنكتةَ الفريدةَ والذاكرةَ الفلسطينيةَ اليقِظةَ في سلّة مُعلّقة بين شفاه الريح ولسان المطر، تتناثر على حوافّها بذورُ النداءات الأرضيّة والسماويّة الصاعدة النازلة وهي تتنفّسُ هواءَ الحكايات وتستنشقُ عَبقَ القصص بشغفٍ مريرٍ، كائنٌ سرديّ خلقَهُ اللهُ من أجل أن يحكي ويحكي ويحكي بلا توقّفٍ أو مهادنةٍ أو تأجيلٍ في فضاءٍ سوسيوثقافيّ شاسعٍ مُولعٍ بالإصغاء للخرافات والأساطير والهذيانات.

مذ قرأتُهُ أوّلَ مرّة في قصصه الأولى وأنا على أعتاب التخرّج في الجامعة نهاية عام 1979م، حين جلب لي زميلي وصديقي الفلسطينيّ الحميم رفيق محمّد توفيق مجموعةَ أخيه القصصيّة الصادرة قبل حين والموسومة بـ (آنَ لنا أن نفرح)، ثمّ غاب عن مرآتي غياباً أليماً جارحاً أسامحُهُ عليه لأنّه (رفيق!) ولكّلِ امرىءٍ من اسمه نصيب، أدركتُ أنّ قاسم توفيق قريبٌ إلى نفسي في الجوهر العميق الكريم لمعنى الأشياء، وما لبثتْ تلك اللحظةُ الخلّاقةُ وقد تجسّدتْ في معرفتي الأولى به أن غابتْ في خضمّ تحوّلات الشمس وانزلاقات القمر وتناقص أعداد النجوم الخائنة فجأةً في شاشة السماء، حتى تظهرَ مرّةً أخرى بعد عقودٍ بازغةً يانعةً أنيقةً حرّةً ناضجةً من دم الغياب، وطالعةً مثل عروسِ البحر من ثقوب الملاحم القديمة، تفتحُ صدرَها العاريَ لموجاتٍ عاطفيّةٍ ثائرةٍ تتدفّقُ من الجهات كلّها فلا مناص.

لا ضيرَ في ذلك طبعاً حين تسرّبتْ شخصياتُ قصصِهِ القصيرةِ نحو مناخات رواياته بمُرونةٍ ومُروءةٍ وكفاءةٍ وعفويّة مقصودةٍ، واتسعتْ وتمظهرتْ وتعدّدتْ وتنوّعتْ وتعالتْ وطأطأتْ وكَرّتْ وفَرّتْ وحضرتْ وغابتْ وزادتْ ونقصتْ بحيث بدتْ وكأنّها تولد من جديدٍ بعنادٍ بدويٍّ أصيلٍ، ولادة أخرى تجعلني أقرب كثيراً إلى عالم قاسم توفيق الذي يتبدّى لي دائماً وكأنّه يعيشُ حياتَهُ في مفاصلها جميعاً بطريقة روائيّة محض، إنّه جبلٌ سرديّ مترامي الأطراف يمشي على صراطِ الترابِ الذهبيّ يتمايلُ مُخضرّاً بين صحو الواقع وعتمة المتخيّل.



    عرفتُ عديداً من الأصدقاء الروائيين والقصاصين والمهرّجين الكسالى المستلقين على ظهور حكاياتهم بانشراحٍ مكينٍ وراحةٍ غامضةٍ مثل تنابلةِ السلطان، لكنّني لم أرَ في أيّ منهم ما أراهُ في قاسم توفيق على صعيد الإيمان المطلق بالهُويّة السرديّة والانتماء السرديّ واليقين السرديّ، هو لا ينظرُ إلى ما هو خارج نبض الحكاية الماثلة أبداً في كيانه وضميره وسرّه الدفين، تلك الحكايةُ البِكرُ الخاليةُ من المصالح والفبركات والحسابات والأكاذيب والادعاءات والتلفيقات والشائعات والديكورات، الحكايةُ الممهورةُ بإمضاءات الطبيعة ذوات الألوان اليانعةِ والبريق النبيل، وليست الحكاية التي يغلّفها أصحابُها بالسيلوفين والخدعِ المنمّقةِ المؤنّقةِ ويقدّمونها لمجتمعِ القراءةِ البريءِ مثل وجبةٍ سريعةٍ غامضةٍ تحوم حولَها آلافُ الشكوك، وتحملُ بين طيّاتها تَسمّماً مُحتملاً أكثر من لذّة مُتوقّعة، حكايةُ قاسم تخرجُ من صفاء الحقول ونقاء المياه العذبة المتحدّرة من متاهاتِ الثلوج، عصيّةً على التلوّث والفساد، رائقةً مثل حليبِ جوز الهند حين يتسرّب بشهوةٍ من فمِ طفلٍ يحتسيه بلهفةٍ جائعةٍ قبل أن ينام.

قاسم يمارسُ الحياةَ بحرارةٍ وحيويّةٍ ودفقٍ وفصاحةٍ وصراحةٍ وانفتاحٍ وواقعيّةٍ أبعد ما تكون عن التمثيل والخداع والكذب والتدليس والمواربة والتلفيق والغرورِ الكاذبِ والترويج المفتعل، لذا فإنّ مدوّنَتَه السرديّةَ تشعّ بالنشاط والحركة والحياة والمرونة والتموّج والتجدّد الممزوج بالطّينِ الحِريّ الأحمر المشحون بالخصبِ والنماءِ التموزيّ الواعد، من دون تكتيكاتٍ سقيمةٍ تخنقُ عروسَ الحكاية وتجهضُ ابتسامتَها بعنجهيةٍ وقسوةٍ وعنفٍ.

قاسم يحيا سردَ الحياة وحياةَ السرد بسلاسةٍ عجيبةٍ مثلما يُعرّشُ الندى بالمنّ والسلوى على سطوح أوراق الورد وجباهِ الصخرِ الجبليّ فجراً، يحكي قبل أن يفكّر، ويبتسمُ قبل أن يتهيّأ، ويعشقُ قبل الآوان، ويذهبُ بعيداً في أفق المحبّة ويتوغّلُ في متاهاتها بلا أملٍ سريعٍ في العودة، لا يحسبُ عدد صفحات رواياته، ولا عدد كلمات قصصه، ولا عدد قطرات المطر على كتفيه العاريين، ولا عدد الأيام التي يُمضيها بانتظار نُضجِ الرُطب في أشجار النخيل أو تفتّح الحُمرة في خدّي زهرةٍ خالدةٍ، عباءتُهُ المُذهّبةُ بماءِ العقيقِ العتيقِ مملوءةٌ بكائناتٍ من السحر الجميل الأنيق الطالع إلى الدنيا مثل زنابقَ وحشيّةِ البياضِ والجرأة والخلاعة، لا يرى إلّا ما يحبّ أن يرى، ولا يسمع إلّا ما يعشقُ سماعَهُ من إيقاع الكائنات الربّانيّة القادمة توّاً من قرية الملائكةِ على بساط الريح، إيقاع غجريّ بالغ التمرّد والعبث يتحدّرُ من قلعة قصيّة نائيةٍ محجوبةٍ من قلاع السرد.

سيجارُهُ المرافقُ له والملاصقُ لنزواته الكامنة في جذور الحرمان قصّةٌ أخرى من قصصه الطويلة التي لا تنفد، هي مساحةٌ أخرى يتفقّدُ فيها قاسم توفيق خسائرَهُ الجميلةَ، ويُحصي خيانات السنابل التي تصحّرتْ حبوبُها وغادرتْ حقولَها بلا عودة، ويتقصّى آثارَ أقدامِ خيولٍ مرّتْ على رملِ أمكنتِهِ الماضياتِ بلا كللٍ ولا مللٍ، الإدمانُ البهيجُ عليه يعني ببساطةٍ تنفيذَ حكم الإعدام المستمرّ بديونٍ سابقةٍ لعصافيرَ بخيلةٍ لا تُلغي ديونَها مهما تساقطَ ريشُها وذوتْ مناقيرُها، ويعني أيضاً سِباقاً مارثونيّاً مُضنياً مع إرثٍ ثقيلٍ لا يمكن فكّ شفراته بسهولة ويسرٍ، هكذا دأب قاسم توفيق على امتطاء صهوة المتعة الباذخةِ بحثاً عن واحةٍ أخرى يحطّ فيها رحال مخلوقاته السرديّة الأليفة، يبشّرُ بالجمال والحبّ والفتوّة والصداقة الحقّة والوعود الآيلة غالباً للحدوثِ الغزيرِ في فيءٍ بهيجٍ من أفياءِ الولهِ المُشتهى.

وجهُهُ مشحونٌ على الدوام بفرحٍ غريبٍ مُتنمّرٍ وبهجةٍ متورّدةٍ وصحوٍ متوقّدٍ ولهفةٍ مُقمرةٍ تجعلُ منه لوحةً تشكيليّةً لا يُملُّ من قراءتها والسياحةِ في طبقاتها الثريّة، ما أنْ تُرسلَ ابتسامتَكَ نحو هذا الوجه المزروع في حقل من السُمرة اللذيذة المحببّة حتى تجدَ بأنّك صرتَ أسيراً له، مأخوذاً بدلالة قيمته اللونيّة العابرة للعصور والمَدَيات والرؤى وكأنّه ينبثق هاشّاً باشّاً من أرض ألف ليلة وليلة الساخنة الملغومة بالسحرِ الحلال، وجهٌ يتجسّدُ في تقاسيم الموسيقى قادماً من سماءٍ أخرى وكَونٍ آخر وإعصارٍ آخر، تكتنفُه غيومٌ ملوّنةٌ مثقلةٌ بعرائسَ من الحكاياتِ المُملّحةِ المُبهّرةِ، لا يسعُهُ سوى أنْ يمنحَكَ ما تريدُ بغمضةِ عينٍ من جواهر الكلام ومن غير كلام.

مُستقبِلاتُ هذا الوجه المشحون جيداً بذرّات الصهيل الصحراويّ الباسلِ لا تحتاجُ إلى شرحٍ وتفصيلٍ كي تدركَ يا مَنْ تُبحرُ في ملامح قاسم توفيق أنّكَ بحاجةٍ لحكايةٍ جديدةٍ يرويها لك، حسبُكَ أنْ تبتسمَ بحريّةٍ وانشراحٍ وصدقٍ لتنفضحَ نيّاتُكَ في مرايا الوجهِ الشاسعِ ويستجيبَ لكَ على الفور بما تشتهي أنْ ترى وتتمنّى أنْ تحلم، فثّمة سروبٌ من الحكايات تلتمعُ في نورِ هذا الوجهِ وسناهُ كأنّها هداهدُ وطواويسُ فتّانةٌ تتبخترُ بحُسنِها وتختالُ بسلطتِها السُليمانيّةِ إلى ما شاء الله.



* شاعر وناقد من العراق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش