الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حرب البترول

د. محمد طالب عبيدات

الأحد 21 شباط / فبراير 2016.
عدد المقالات: 282

الهبوط الحاد في أسعار النفط هذه الأيام ليس وليد الصدفة وليست المرة الأولى التي تحدث على الأرض، لكنها تكررت مراراً في السابق، فأسعار النفط العالمية ترتفع وتهبط ليس لأسباب إقتصادية بحته لكن السياسة والأمن والتحالفات والأطماع الدولية تلعب دوراً أكبر في تذبذب الأسعار والتي تنعكس بالطبع على الدول المنتجة والمستهلكة ومواطنيها على السواء، فالمنطقة ملتهبة والأخطار العسكرية متوالية في كل الجهات بدءاً من الأزمة السورية ومروراً بقضايا الإرهاب والخطر الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان والعراق ووصولاً للوجود الروسي الداعم للمعسكر الشرقي وإيران وحلفائها، كما أن المعسكر الغربي  المتمثّل بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها يناورون بمطامع عسكرية بطابع الحرب الباردة عن طريق السطرة على بترول الشرق الأوسط والنديّة والضديّة مع المعسكر الشرقي.

فالدول المنتجة للنفط وضعت موازناتها السنوية على حساب أسعار عالية نسبياً مما جعل موازناتها كنتيجة لحرب البترول تتأثر بشكل واضح لدرجة وجود عجوزات مالية بعشرات المليارات، وكنتيجة لإختلاط أسعار البترول بالسياسات الإقتصادية ومشاركة الدول المنتجة للنفط في تحالفات دولية لمواجهة أخطار الإرهاب وأطماع المشاريع العدوانية الأخرى في المنطقة.

فحرب البترول تهدد أولاً إستقرار العملات للدول المنتجة للنفط، حيث تحاول إيران إغراق السوق بالنفط لضرب الإقتصاد الخليجي ولتهدد موازنات دول الخليج من خلال هبوط أسعار النفطً والتأثير على إقتصادها والعمالة التي تتواجد على أرضها، فهي حرب غير معلنة على غرار الحرب البترولية العالمية الأولى في العام 1973، والتي كانت دون إراقة الدماء أو هدم البناء، لكن حرب البترول العالمية الثانية الآن في العام 2016 تشهد أدوات أخرى للهدم العسكري في بعض البؤر التي تستخدم كأدوات لجسّ النبض في اليمن وسوريا والعراق وغيرها، والخوف أن تتطوّر حرب البترول لحرب عالمية ثالثة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

 وإغراق السوق بالبترول بأسعار منخفضة هو رسالة تستخدمها الدول السيادية للسيطرة على السوق ليتعافى وتتحسّن مدخولاتها، ولطالما تم ذلك في الماضي، مما يجعل أسواق الأسهم تنخفض بوضوح، والخطورة أيضاً على بيع البترول بعقود طويلة الأجل حالياً وبالأسعار الدارجة مما يعني ضرب موازنات الدول المنتجة للنفط وتأثّر دينها العام سلباً، رغم علمي بأن دول الخليج الشقيقة تحديداً لديها عقود بيع طويلة الأجل وإحتياطات نقدية مذهلة.    

هنالك العديد من الأحاديث والتفسيرات والسيناريوهات تدور في الأفق حول حرب البترول هذه الأيام ومنها: حرب غير معلنة بين المعسكرين الغربي والشرقي، أمريكا تريد تلقين إيران وروسيا ضربة ودرساً إقتصادياً، إختلاط الحابل بالنابل بين السياسة وأسعار النفط، نظرية المؤامرة على النفط، الخبيصة الإقتصادية-السياسية، المواءمة بين المصروفات لرفاه المواطن للدول المنتجة للنفط والتحركات العسكرية على الأرض في المنطقة، والكثير الكثير من التكهنات الأخرى، حيث هذا العام تحديداً يحمل الكثير من التكهنات والوقائع وربما ستكون المنطقة حبلى بالأحداث العسكرية والسياسية والإقتصادية الأخرى!

كما أن إنخفاض أسعار النفط عالمياً يعني حتماً وقف كل سيناريوهات الطاقة البديلة وخصوصاً الصخر الزيتي الذي تعوّل عليه دول نامية كوطني الأردن مثلاً لعدم جدواها سعرياً، وهذا بالطبع يخلط الكثير من الأوراق الإقتصادية وسناريوهات الخروج من حرب النفط مستقبلاً.

وحرب البترول تخسر فيها الدول المنتجة للنفط والدول المستفيدة من المنح التي تمنحها هذه الدول، فبالطبع ستتأثر المنح التي ستحصل عليها بعض الدول كالأردن مثلاً من المنحة الخليجية وغيرها، والخطورة أن يزداد العجز المالي لهذه الدول المنتجة للنفط ويتراكم لتبدأ بالتخلّص من العمالة الأجنبية لديها، مما يعني عودة العمالة لدولها الأصلية والتي تعاني كثيراً من البطالة، وبالطبع فسيتأثر إقتصادها سلباً، وهذا مؤشر على أن حرب البترول تؤثر على الجميع دول الإنتاج والإستهلاك وسوق العمل وغيرها.

وربما يسأل سائل ما العمل وما الحلول المقترحة في حدود إستطاعة دول البترول؟ فالمطلوب أن تحذو الدول المنتجة للنفط سياسة بعض الدول كالإمارات العربية المتحدة المنتجة للنفط والتي وضعت خطة إستراتيجية للتخلّص من الإعتماد على النفط تدريجياً إذ بات إقتصادها بنسبة 70% لا يعتمد على النفط وبهذه الطريقة فقط تتخلّص من شبح حرب البترول، أي من خلال بناء إقتصاد لا يعتمد كلياً على البترول والذي حتماً سينضب في العقود القادمة، وربما طرح وسائل الطاقة المتجددة كالشمسية والرياح يكون جزءاً من الحل وفق إستراتيجيات مدروسة، والحديث يطول في هذا الشأن.

بصراحة فإن حرب البترول كحرب داحس والغبراء فهي ذات نَفَس طويل، والغالب فيها بين المعسكرين الغربي والشرقي حتماً يحتاج للخبرة والصبر وحنكة السياسة، والمصيبة أن الدول المنتجة للنفط أدوات يلعب بها المعسكرين، فهلّا إتّعظت الدول المنتجة للنفط وعملت على بناء إقتصادها من جديد وإحتاطت للّعبات السياسية والعسكرية والتي تسعى لتوريطها وتوحيلها في مستنقعات كثيرة في المنطقة والمحيط، نرجو الله مخلصين أن يتحقق ذلك!



* وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش