الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حرية الاعتقاد والقضايا الشائكة

د. رحيل محمد غرايبة

الثلاثاء 16 شباط / فبراير 2016.
عدد المقالات: 524



كل الفقهاء والعلماء، وجميع المفكرين المسلمين مجمعون على أن الحرية الدينية أصل مقطوع به في الإسلام، ولا خلاف حول وجوب توفير كل السبل والوسائل التي تهيء البيئة المناسبة لممارسة الحريات الدينية، وإتاحة حرية الاعتقاد، لأن النص القرآني في هذه المسألة واضح وقاطع وصارم، قال تعالى: « لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ» بالإضافة إلى الممارسة العملية في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء من بعده.

فقد أقر الرسول بمبدأ المواطنة لليهود وفي دولة المدينة، عندما كتب في الوثيقة الدستورية الأولى «الصحيفة» التي جاء فيها : لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأهل هذه الصحيفة يد واحدة على من سواهم، كما أن عمر بن الخطاب كتب في العهدة العمرية بعد فتح بيت المقدس صلحاً، ما يقر به وجود المسيحيين وإقامتهم الدائمة في دولة الإسلام، وحفظ كنائسهم وصلواتهم وصلبانهم ورهبانهم، ومعابدهم و لا ينتقص من حيزها ولا يعتدى عليها...

هذه المقدمة محل اتفاق بين جميع المسلمين بكل مذاهبهم وفرقهم بلا استثناء، لكن هناك خلافا وجدلا في بعض تطبيقات الحرية الدينية في التشريعات المنظمة للحياة، منها:

الحرية الدينية لغير أهل الديانات السماوية، والحقيقة العملية في هذا السياق أن المسلمين أقروا وجود عبدة النار في العراق في زمن أبي بكر، عندما قال عبد الرحمن بن عوف نقلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم : «سنوا فيهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»، مما يعني أن الحرية ليست مقصورة على أصحاب الديانات السماويّة، وإنما هي حرية اعتقاد كاملة وشاملة لأهل الكتاب وغيرهم.

المسألة الثانية متعلقة بحكم «الردّة» حيث أن هذا الموضوع كان محلاً للخلاف منذ وقت طويل، وهو قديم وليس بالجديد، فهناك بعض الفقهاء من جعل هذه العقوبة ليست من جملة الحدود، وإنما  هي عقوبة سياسية، يعود أمر تقديرها للحاكم أو لأولي الأمر، وهناك رأي لابن تيمية في هذه المسألة، حيث أنه يفرق بين الردة الممزوجة باستخدام العنف والتمرد على الدولة، فهذه فيها حد، وبين الردة الاعتقادية الخالية من استخدام القوة، فعقوبتها التعزير، وإذا تم إخراج عقوبة الردة من دائرة الحدود إلى دائرة التعازير، يصبح أمرها مقروناً بتقدير أصحاب التشريع في كل زمان ومكان بحسب رؤيتهم للمصلحة العامة، لأن النصوص التي وردت فيها ابتداءً كانت بصيغة «التارك لدينه المفارق للجماعة»، حيث يتضح المعنى السياسي من ثنايا النص؛ وما تم في زمن أبي بكر الصديق في حروب الردة كان ضرباً من تأديب الخارجين على نظام الدولة، مما يؤكد أنها عقوبة سياسية.

المسألة الثالثة متعلقة بزواج المسلمة من غير المسلم، حيث أن النص ورد بإباحة الزواج من الكتابية، ولم يرد نص مقابل ذلك يمنع زواج المسلمة من الكتابي، وإنما هي مسألة اجتهادية خاضعة للتقدير، وخاضعة للأعراف والعادات الاجتماعية، ولا تخضع لنص ديني مقدس، ولذلك يقتضي أن لا تبقى هذه المسألة إحدى المسائل التي تستحق إثارة الضجة والخلاف والفتنة بين المواطنين في المجتمع الإسلامي الحديث الذي يتكون من مختلف الاتجاهات الفكرية والدينية والسياسية، فعندما أجاز الشارع الكريم تشكيل أسرة من مسلم وكتابية، فليس ذلك ببعيد عن التساهل في تشكيل الأسرة من مسلمة وكتابي، لأن المسألة لا تعدو رأياً فقهياً مستنداً إلى تقدير المصلحة التي تأتي من باب الحرص على عدم ظلم المرأة وقهرها ممن يخالفها بالاعتقاد.

المسألة الرابعة تتصل بالتطبيق المتعلق بالتوارث بين الأزواج عند اختلاف الدين، وإذا أردنا العودة إلى النص القاطع في هذه المسألة المتمثل بقوله تعالى : « وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كتاب الله»، يتضح أن مسألة التوارث تتعلق بروابط النسب والزواج ومسألة عامل اختلاف الدين وأثره في المنع منسوخ بهذه الآية، مما يجعل المسألة أقل أهمية مما يثار حولها من لغط وتعصب، وأنا أرجح الرأي الذي ينفي عامل اختلاف الدين في التوارث.

الدولة الإسلامية دولة مدنية تقوم على أساس المواطنة، والمواطنون أمام القانون والنظام العام سواء، والإسلام يريد تعزيز الوحدة الوطنية، وتعزيز عوامل التقارب والمحبة بين المواطنين وتمتين النسيج المجتمعي بين جميع الأفراد والفئات التي ارتضى الإسلام وجودها، وأقرها على معتقداتها وارتباطها بالدولة على قدم المساواة المنبثقة من عدل الإسلام وسماحته.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش