الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إيقاع الصورة والاشتغال على المرئي بصريا في دوائر حيرى

تم نشره في الجمعة 12 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً

نضال القاسم *



أغنى الشاعر عبد الرحيم جداية المكتبة العربية بعدة دواوين شعرية، بدءاً من سنة 2000- تاريخ صدور عمله الأول: «الخيل على مشارف قلبي» حتى سنة 2015 التي شهدت صدور ديوانه الثامن «دوائر حيرى» والصادر عن منشورات مكتبة الطلبة الجامعية ودار الأمل ممتداً على 158 صفحة، ومفتتحاً بمقدمة كتبها الدكتور حسام عزمي العفوري. وقد أصدر الشاعر قبل هذا الديوان سبع مجموعات شعرية، إضافة إلى عدد من الكتب النقدية، وأخرى في الومضات التي تعكس ما في النفس من مشاعر وعواطف، وتصور واقع الناس والحياة.

ويضم الديوان الجديد بين دفتيه ستاً وستين قصيدة كتبت على الشكل العمودي تنم بمجملها عن صبوة هذا الشاعر العاشق المتمسك بمباهج الحياة، والمتمرد على حالة الرتابة التي تفرضها القيود الاجتماعية. ويمكن القول إن قصائد الديوان تنقسم إلى الأبواب الآتية: القصائد الدينية، القصائد الوطنية، قصائد الطبيعة، القصائد الاجتماعية، قصائد العروبة وجدانيات، تأملات.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الشاعر عبد الرحيم جداية لم ينوّع كعادته في أشكال القصائد ما بين عمودية ببحورها الخليلية، وقصائد تفعيلة، فقد اعتمد على بناءٍ واحد للديوان من خلال محافظته على البناء الأصيل للشعر العربي الكلاسيكي. وإنما نوّع في فضاء النص الكتابي، وهذا طبيعيّ، أن نجدَ هذا التجديدَ المتنوع في البناء الفني والشكلي، ولئن كانت بعض القصائد تتسم بقلة عدد أبياتها، لا سيما  القصائد «الدينية»  و» التأملات «، فإن قصائد أخرى تتميز بطول النفس، خاصة منها بعض القصائد الغزلية، والوطنية، والاجتماعية، وبعض قصائد العروبة.



ويشكل الديوان مرحلة جديدة بالغة الأهمية في تجربة عبد الرحيم جداية الشعرية، فمعظم قصائد الديوان تتميز ببراعة الاستهلال التي تجمع نواصي معنى القصيدة من أول بيت فيها وهي قضية اهتم بها الشعر العربي كثيراً في عصوره المختلفة كما اهتم بها النقاد والبلاغيون. يقول الشاعر في مطلع قصيدة «قلبي فيكِ مفقود»: «سهام عينيك نارٌ أم بواريدُ/ وفي جبينك لحنٌ أم أغاريدُ».

ويمكن لقارىء القصيدة أن يلمح أن عناصر القصيدة كلها جعلت الفعل الشعري يعتمد في هيئته التلفظية على أساس خلق توتر بين بنيات دلالية وإيقاعية، تشكلها تلك العودات المنتظمة لبعض الملفوظات الشعرية والتعابير اللغوية المبنية على تكرار الأصوات والإيقاعات التي يحمي بها/ عبد الرحيم جداية/ الخصائص الجوهرية للفعل الشعري عنده، كما يحمي بها غنائية قصيدته ورمزيتها التعبيرية.

ولعلني لا أبالغ إذا قلت بإنه أول ما لفتني وأعجبني في هذا الديوان هو اعتمادُ الشاعر في أغلب قصائده على الصور الفنية المستمَدّة من الواقع المُعاش، وعلى الاستعارة المُرَمّزة التي هيّأت للمضمون عمقا ً وامتدادا ً، واكتنز الديوان بالكثير من الإيحاءات والدلالات بما أسهم في رقيّ القيمة الدلالية للكلمة. مما أكسب الديوان قيمة ً دلالية ً وأسلوبية ً عاليــة. وعليه، تمثل الحياة اليومية المعاشة بكل إيقاعاتها المتناغمة والمتنافرة وبكل مادتها الفجة والراقية معين لا ينضب ينهل منه الشاعر صوره التي تنبض بالروح والحيوية والعاطفة.

ويشعر المتلقي لقصائد الديوان بالحضور المتألق للذات، وتدفق المشاعر والأحاسيس لالتماس ما هو حيوي، وبتلقائية الشعر، وبصوره الجمالية المتعددة، ولذته التي لا تعادلها لذة، فالشاعر قادر على استعمال تراكيب جديدة ليستوطنها في قصائده، والجري وراء اشتقاقات لغوية ولهى بقيمة الحب، إضافة الى بعث مفردات خافية او مركونة على رفوف الذاكرة المنسية لها ثقلها الدلالي، وتجليها الجمالي العياني حتى تتمكن العين من اقتناص الشروط اللازمة للنفاذ إلى جمالية تجربة /عبد الرحيم جداية/ واكتناه سر أسرارها وسط هذا السديم. يقول الشاعر في قصيدة «سبحان من سواك»: «قسماً إذا الأيام باحت سرّنا/ لسرقتُ نوراً في السماء رآكِ. وعجنت طين الأرض فيك قصيدةً/ ونحتُّ في باب الديار رؤاكِ».

وجداية كما خبرناه منذ مجموعاته السابقة شاعر يمسك جيداً بأدواته الشعرية ومواده البلاغية والنحوية, ولا يسمح لجمله بالمرور إلى الورقة دون رقابته الفنية الصارمة، فقد بدا ذلك واضحا ًمن خلال اهتمامِه بالكلمة وتوظيفـِه لها توظيفا ً متميزا ً، مع حرصِه الشديد على التعامل مع الأبجدية العربية بحرص تام وخيال موهوب يحرك لحظات الوجود ويكسبها معنى، ولو عبر الإحساس بالألم والمعاناة والتيه والضياع.

ديوان الشاعر جداية، يثير لدى المتلقي أسئلة لا حصر لها، فمنذ البوابة الكبرى للديوان يتوقف القارىء أمام العنوان لتأمله، والذهاب معه الى افاق واسعة من التحليل وتتبع الاشارات الواقعية والاسطورية أو الخيالية التي نسجها خيال الشعر، لاستقصاء الدلالات الجديدة، أو البحث في الدلالات العميقة للتراكيب الجديدة. فالعنوان مؤلف من لفظتين  دوائر حيرى  تشكلان جملة اسمية.

وبهذا يكون الديوان محطة جديدة من مسار القصيدة الأردنية اليوم، في أسئلتها وصيغها الأدبية والجمالية وفي رؤاها. وهو المسار الذي يقدم لنا اليوم وجهاً وملمحاً جديداً لبعض من رهاناتها الجديدة وخصوصيتها في وقت تاهت فيه بعض التجارب حتى فقدت صوتها الخاص. ويمكننا أن نفترض أن ديوان الشاعر عبد الرحيم جداية جزء من سيرة تشكل هذه القصيدة اليوم بخصوصيتها الشعرية التي تعمق من أفق ورهانات الشعر الأردني المعاصر.

ويمتاز الديوان بإشراقاته الشعرية المتوهجة، وبراعة تشكيله الفني، يقول الشاعر في قصيدته  افتتاحية  والتي يعبر فيها عن شدة افتتانه بالأنثى وعن كثافة وجودها وحضورها الرمزي داخل أبعاد تجربته الشعرية، والتي افتتح بها الديوان: «ألوذ إليكِ إن أويتُ فردا/ وأرسم قبلتي فوق الظلال. وألبس معطف الأيام شوقاً/ وأكتب ما بدا فوق الخيال. فأنتِ فراشتي أعدو إليها/ كطفل لا يخاف ولا يبالي».

ثمة قصيدة مركزية في الديوان، يحمل عنوانها من جهة «دوائرٌ حيرى»، وهي تعبر عن رؤية الشاعر للأنثى التي يطفح بها خطابه الشعري من جهة ثانية، أما المحاور الأساسية في القصيدة فهي، محور المرأة والحب، فالمرأة هي السرُّ المطلق في هذا الوجود، وهي الجذر الأول للحياة، أما المحور الثاني فهو محور الغربة والتيه والحنين، وهذه هي العناصر الأساسية المكونة لتجربته الشعرية المرتبطة بالحياة التي مارسها وكتبها شعراً. فلنتأمل هذه اللغة التي تظهر فيها العاطفة شديدة جداً، الأمر الذي يجعلنا نقر بوجود توتر داخلي يمنح النص حيوية شعرية، ويجعل صورة المحبوب تستولي كلية على وجدان المحب، فلنقرأ: «ولي روحٌ يذوّبها هواكِ/ تُجمعها على كفي رؤاكِ. وتنثرني على الأهداب كحلاً/ ورمش العين في عيني طواكِ».

أما على المستوى التقني فيعيد الشاعر الاعتبار إلى العناصر الأكثر فنية في القصيدة، وعلى المستوى الرؤيوي، ترصد القصيدة هذا الارتحال القلق في الفضاءين الزماني، والمكاني، ارتحال وجودي قلق، وجهته الإنسان، وضالته في آن. بل إنها الطبيعة في حيويتها وتجددها، وخلودها، حيث نصبح أمام نص عن الزخم الإنساني في أشد تمثلاته خلقاً وابتكاراً. يقول الشاعر: «أنا بشرٌ، أنا طينٌ تلظّى/ أنا روحٌ يشاغبها شذاكِ. أنا والعين من بدرٍ خلقنا/ دوائر في تداخلها ارتباكِ. دوائر تجمع الأكوان نخباً/ على وترٍ تعلق في الشباك».

الديوانُ جديد في بنيته عن الدّواوين التي صدرت للشاعر، فالشاعر يقيم ديوانه على أركان وتشكيلات بنائية تم انتقاؤها بعناية، في تشكيل شعري يتوسل بأدق التفاصيل التي شاغلت جوهر فعلها المتصالح مع ذات الشاعر أولاً، وذوات الآخرين ثانياً، في فضاء أكثر مراوغة، وأشد رغبة في حضنا إلى سؤال إبداعي وجوهري في حلم الحداثة الشعري. وقد ورسم لنا الشاعر في هذا الديوان سيرته الشعرية بإخلاص نادر، وصدق غير معهود، بصرف النظر عن معجمه الشعري الذي تفرّد به الشاعر عن مجايليه، وخط شعري جميل أضفى على نصوصه الإبداعية رونقاً وأصالة فريدة في إطار من التعاقبات الموزونة. يقول الشاعر في قصيدة «أنا ابن الماء»: «أنا ابن الماء والغيمات حيرى/ على عطش تقايضني جفافي. أنا ابن الأمس تعرفني الليالي/ وتقطف من غدي يأس اعترافي».

أما الجديد في الديوان فهو الموضوعات المتجددة نوعيًّا في العديد من القصائد، وفي ظني أن عبد الرحيم جداية ينطلق من منظور من يسعى إلى الانفلات التام والصارخ من السائد والشائع، فالجداية يكسر اللغة الشعرية السائدة بكل ما يختزنها من محاولات للانفلات عن السائد ذاته،على ضوء هذا التصور ينشأ حوار خاص في قصائده بين أفق النص، وأفق القارئ التوقعي، وجل غايته هو التعبير عن المشاعر. هكذا يتحقق البعد التخييلي في تجربة / عبد الرحيم جداية/ التحام تام بلغة العشق، مع إعطاء الأولوية لعالم الحياة الباطنية والمشاعر الإنسانية بأسرارها وتخومها، بفرحها الخاص، وألمها الممض: إنها الجمالية الرومانسية المعروفة ببلورة تصورها للفن والخيال الشعري، كتجربة حياة حقيقية، وليس كموقف فكري مجرد، ثقافي وعقلي عابر. يقول الشاعر في قصيدة «ساعة العمر»: كأني قضيتُ العمر، والعمر ساعة/ تُراك أطلت النوم بين الخرائب. فلا الريحُ تخشى عمرها بفراقها/ بريح تناءت عن بعيد لغائب. ولا الماء يسبيه المسيرُ لحتفه/ ولا الغيم يبكي الماء عند المصائب».

والنص عند عبد الرحيم جداية يتميز بالرؤيا، وهي في شعره أفق شديد الدهشة والغموض الذي يستبطن مشهدية تزيح ستارها ببطء عن عالمه الخاص والعميق، والمصقول بحساسية تستدعي قارئاً نوعيا ً ليستكشف جماليات النص وتأويلاته المرتبطة بالحياة التي مارسها وكتبها شعراً.

وتحملُ أغلب قصائدُ الديوان بين جوانحها لغة شاعرية ولهى بقيمة الحب، ودلالات ٍإيحائية مرتبطة بالأحاسيس والمشاعر المختزنة في ذات الشاعر، حتى لو كان موضوع تلك القصائد خارجاً بالكلية الى مواضيع بعيدة جداً عن الاتجاه المشار إليه. ومن هنا فإن الدلالة التي يخرج بها قارىء الديوان هي انجذاب الشاعر نحو نصفه الآخر، وبمعنى آخر أن هناك مساحة واسعة للأنثى في هذا الديوان، وإن خرجت بعض القصائد عن هذه الفكرة إلى أفكار أخرى. هكذا يتحقق عبور لغة عبد الرحيم جداية إلى جوانية قارئها، فيغدو فعل التعبير هو النشاط الإنتاجي الأكثر حيوية، الشيء الذي يجعل نصه الشعري منخرطاً بعمق في صلب الممارسة النصية الرومانسية.

ولهذا يغدو فعل الكتابة الشعرية وسيلة ارتقاء، وتحرير، وأداة للخلاص، فهذه الحركة التي تنتج عن الكتابة ستكون عند عبد الرحيم جداية حركة بانية لكونها تنظم الوحدات الخطية بتثبيتها على الورق، وهي حركة متميزة لكونها ستمنح لديوان الشاعر هويته النصية الفريدة من خلال الطريقة التي سيتبناها في الجمع بين العناصر المكونة للوحدات الخطية والتي تبرز النسق الخاص بالكتابة الشخصية، إنها وسيلته لتحقيق الغاية الجمالية، وتعميق الدلالات الإنسانية لتجربته الشعرية، من خلال الرغبة في امتلاك صوت شعري خاص، الشيء الذي يعيد إلى الواجهة خصوصية العلاقة التي تربط بين النص الشعري والفن التشكيلي. إنه تحول نوعي في الوعي الشعري الذي لا يستغني عن الدور البنيوي للإيقاع العروضي، بل يضيف له سمة بنيوية تشكل قيمة مضافة، و تظهر فيه قصائد الشاعر الجميلة كما لو أنها لوحات تشكيلية تلعب دائما دورا رئيسا في تفعيل تلقي القارئ للنص دائما.

وتتضح أهمية الاشتغال الشعري في هذه التجربة من خلال تأمل عتبات القصائد، كالعنوان مثلاً الذي يشكل أحد المداخل لقراءة الديوان، إنه نقطة تأويل ممكن، وبداية لخلق أفق توقع عند قارئ هذه التجربة، حول ما يحتمل أن يكون موضوع القصيدة، فالعنوان من العناوين الموضوعاتية التي تحدد بشكل من الأشكال مضمون النص، وبالتالي فإنه يوجه قراءة النص ويحدد نوعه ويشكل أفق حصر هويته المحتملة، ففي قصيدة  هل يكتفي الشوق  أطول القصائد في الديوان، ومن أكثرها عذوبة، تشيع الجمل المركزية مثل  على الشواطىء فوق الرمل كم كتبا  و على الشواطىء أمواجٌ تعاتبه ، كما تتكئ على كسر أفق التوقع لدى المتلقي، معتمدة تلك النهايات المدهشة لمقاطعها المختلفة.  

ثم تأتي الخاصية الأخرى في الديوان وهي أن ختام القصيدة غالباً ما يكون واضحاً في المفارقة والدهشة التي تركز عليها القصيدة، وكأن الشاعر يستجمع قواه البلاغية ويضعها في آخر القصيدة، بل وفي آخر عهد لنا بقصيدته ليفتح لذة النص على ما بعدها، وهذه النهايات محملة بالكثير من الحكمة. مثال ذلك قصيدة «أنا والزمان» والتي يختمها بقوله: «يا قارىء الفنجان قل سرّها/ ما أنكرت إنَّ الجوى طوّافُ».

هكذا هي تجربة جداية الشعرية، معايشة حميمة لأشياء العالم، ورثاء لأحلام ضاعت من الشاعر ذات يوم، وقد تميَّزت جميع قصائد الديوان بأسلوبها السَّهل المُمْتَنِع الذي عوَّدنا عليه الشَّاعر مع وضوح المعاني وسلاسة التَّعابير بمرافقة موسيقيَّة غنيَّة في كافة القصائد.

* شاعر وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش