الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التوظيف والإغراء البنائي في لوحات صدام الجميلي

تم نشره في الجمعة 5 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً

خضير الزيدي *



من ينظر إلى لوحات الفنان صدام الجميلي للوهلة الأولى، يعتقد أن مرجعيات هذا الفنان التعبيرية تمتد إلى زمن قريب، لكن من يعي فهم الرسم وخصائصه الجمالية، يبقى مندهشا حيال ما تذهب إليه الوحدات الصورية في كل عمل، فثمة أكثر من مدخل يغرينا على التساؤل، حول رسالة الفنان، وهو يوظف طاقة صورية تتركب من عدة مستويات، وتحمل أكثر من دلالة، انه خطاب تمثيل وقائع الحياة بصيغ جمالية تفرضها الذائقة وليست الذاكرة. فالكثير من الفنانين يقعون أسيري ذاكرتهم المليئة بالمتناقضات أو الذاكرة الهشة التي تنزف موجوداتها وراء كل حادثة.

أما مع الفنان صدام الجميلي فالأمر له اختلاف من عدة زوايا، منها ما يعود لمركبات ذائقة هذا الفنان الذي يحّدث من وحداته ويغيّر من بنائها فنحن نشاهد تهديما وإعادة صياغة مبنية على تخليق لكل وحدات العمل، وفي النهاية ثمة تعاقد بين الإصرار على إعطاء الشكل قيمة دلالية وبين خصائص التشكيل، الذي لا يبيح للمشاهد كل الأسرار.

هذا الغوص في ضبط الأشياء، وإعادة صياغتها أملى علينا نحن متذوقي رسومه، أن نعي فهم القاعدة التي يستند إليها ورصانتها، فنكتشف أنها ذات أصول راسخة القوام لا يجني من منظومتها المشاهد لأعماله إلا البت في غايتها والتساؤل عن فحوى رسالتها.. إذن هناك أشكال صيغت بهندسة ومنطق بنائي تنتج وعيا مختلفا، مثلما تنتج وحدات صورية تتحرر من جاذبية التأثير بالآخر، ما يريده صدام الجميلي بروز غاية الرسم بطاقة جمالية تفجر محتويات الوعي ليعلن أن التخاطب البصري، بالإمكان أن ينفتح على عدة مستويات، ومنها التحول في فهم الرسم ورسالته.



شخصيا لا استبعد أن صداما يعطي المدلول قيما ولوازم تحمله أكثر من طاقة الدال فهو يغدق أشكالا متعددة ويجني مدلولا يستعد دائما أن يرتقي به كلما سمحت له موجهات الرسم لحمله بمنطق يجاري التخطيط المسبق لإعلاء أمثولة الذائقة والجمال باتجاه واحد، الأمر الآخر والذي يبرز دائما على السطح التصويري  تلك التراكيب المتفجرة من خيال واحد، فهي تترابط بنائيا بينما حساسية أي من تلك الوحدات لا تحلّق بعيدا عن الأخرى فماذا يعني كل ذلك الجهد البنائي لتراصف الوحدات بشكل نافر وذي أهمية؟ يشير بيير جيرو في كتابه علم الإشارة إلى الأخيرة منشط وجوهر حساس ووظيفة الإشارة تستدعي تمهيدا للإيصال واحسب أن لوحات صدام الجميلي لا تخلو من علامات وانساق متعالية غالبا ما ترتهن لظهور هندسي وان كانت أعماله تعبيرية صرف وليست تجريدية ،وهذا ما يجعل مقومات البناء والتوظيف ونطاق الأشكال تبدو وكأنها تضاعف من حسية تيار اللوحة ،هذا الفنان لا يحدد علاماته ومدوناته البصرية دون اللجوء إلى معجم الوقائع اليومية وربما البسيطة منها.

فهو وثائقي أن صح التعبير ولكنه يسير بما تمليه المخيلة عليه وان كانت شبكة أشكاله الصورية تحتفظ بنظام يتحرر من أي تقييد في رص تلك العلاقة الداخلية ألا أن الرسم في نهاية المطاف اعتباري وذات طابع يتحرر من قيود الأصول ومن هنا يتطلب الأمر التقيد بأسلوبية ثابتة ليس بالمعنى المثالي بقدر ما يجعل خطوط وحدود فنه مطوقة بأسلاك لا تحتمل الابتكار إلا من أنامله ولقد شاهدنا عبر معارضه الأخيرة أن بلورة الرسم ومرجعياته وحتى معالجاته اللونية لم تخرج عن أمثولة الانتظام وصرامته في التطبيق الحساس  والولاء إليه مهما كلف الأمر، وكأن مسار حياة الفنان ويومياته متوقفة حيث اللوحة ونظامها الاشاري.

وعليه يمكن القول بان هذا الترابط لم يأت من فراغ إنما هو تأكيد لخطاب فكري يتبناه وبحث لخيار شخصي، والذي يهمنا كمتذوقين لمرجعيات لوحاته تلك السيول الجارفة من الدهشة التي تخلفها الوحدات الصورية وطريقة تركيبها بنائيا وكأن التحول العلاماتي لم يكن في مركزية العمل إنما هو اكتشاف مرئي تتركه اللوحة في تصورات الذهن وحساسية المشاهد،لقد عاش اغلب الفنانين العراقيين صراعا مع اكتشاف أسلوب خاص يعطي تصورا معرفيا حيال فكرة الرسم ورسالته وانشغل القسم الأكبر منهم في مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة وتناسى البعض منهم أن الأسلوب هوية شخصية وليس تقليدا عشوائيا.. المختلف مع الفنان الجميلي  انه ترك لنا ذخيرة التأسيس مشفوعة بالقيم الاجتماعية والمدلول الساعي لبيان الحقيقة لهذا نعتقد أن الاختلاف في البناء الشكلي يأخذ هيئته من أمثلة جمالية تعي ما الذي تبتغيه أغراض الحداثة وهي تلتف حول اليومي والبساطة والنزعة العفوية عند الإنسان.

هناك مستخرجات وصياغات صورية لا تفرض الرتابة على من يتابعها إنما تملي عليه الدهشة وهذا التصور وجدناه راسخا وقائما  في أعماله الأخيرة الداعية إلى اللعب المخطط فوق السطح التصويري وعلى أية حال هو لعب مقنن وليس مرتبكا أتى من مهارة كان صاحبها واثقا من تداعياتها ورسالتها وعلى هذا الأساس احسب أن أي من تلك الوحدات البنائية والصورية تجاري إزاحات الشكل داخليا أنما وظيفتها الأخيرة تنصب على حساب إعطاء المدلول استثماره النهائي وهذا نتاج طبيعي لمن يعي حرفة الرسم ويحدد سمات نجاح اللوحة فبالأخير ستكون الحفاوة ليست في اللوحة إنما في الإرادة والإصرار على ضرورة التقدم نحو الجمال وان كان في طريق يمر عليه شبح اللصوص إذا لم نقل رواسبهم المريضة.



 * ناقد تشكيلي من العراق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش