الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأرض . مفردات ومعاني

تم نشره في الجمعة 5 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً

 د.عصر محمد النصر

يمثل جواب الواقع حاجة ملحة على سؤال تفرضه الأحداث المتسارعة كثيرة التغير والتبدل, وليس بعيد عن هذا الجواب ذلك الحراك الذي شهدته الأمة منذ عقود ومنه ما نراه في واقعنا اليوم, على أن هذا القدر من الحراك المجتمعي في الواقع مما يجب على الأمة من مصلحين وأصحاب رأي, حيث يستمد مشروعيته من الحال القائمة وواجب النهضة والمحافظة على هوية الأمة ووجودها, وكجهد بشري يقوم على الاجتهاد  وتقدير المصالح والمفاسد تعترضه الأخطاء كما الصواب, ومن جهة أخرى فقد تحول دون الجواب حوائل ولعل من أهمها الإغراق في اللحظة الراهنة, أو تقديم رؤى ناقصة مجتزأة للأحداث, ومن ذلك الغياب خلف نطاقات التفكير التي تفرضها الانتماءات من حيث هي, حتى تغيب خلفها القناعات والحاجة للبحث والوقوف على تعدد التفاصيل وأوجه الحل, وليس الغرض هنا التفصيل في هذا إنما إشارة لتطلب الحل ولفت الانتباه.

تبدأ علاقة الإنسان بالأرض مما قدره الله على نبيه آدم عليه السلام حيث أهبطه إلى الأرض :» قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا»(البقرة, الآية 38), وهذه العلاقة وإن كان لها صفة شرعية تتمثل بتكليف الإنسان في هذه الدنيا حيث تكتنفها جملة أحكام, إلا أنها في أصلها قدرية لا اختيار للإنسان فيها, ولا كيف تكون, ومن رحم هذين الوصفين الذين يكتنفان علاقة الإنسان بالأرض تتفرع أحواله وما يتعلق بها من أحكام, فإذا كانت علاقة الإنسان بالأرض ابتداءً لا خيار فيها, فإن ما يجده في نفسه تجاهها هو أمر فطري جبل عليه, فالإنسان ابن بيئته بكل ما فيها حتى تبلغ مبلغا تملك قلبه ونفسه, وهذا القدر من الحب لا يلام عليه صاحبه, ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم :» مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ»(حسن صحيح), على أن هذه المحبة وما في الطباع من ملاءمة لا يقتضي تفضيل مكان على آخر لمجرد هذا الأمر, وما ورد من تفضيل بلد أو مكان إنما كان لما لها من خصوصية شرعية, على أن هذا التفضيل لا يتعدى إلى ساكنها إلا إذا عمل بما ورد في الشرع من أحكام, فمرد الأمر إلى التكليف « فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا», ولا حرج على الإنسان أن يتسمى باسم المكان الذي يسكنه حتى يُعرف به, على ألا يتجاوز به مجرد التعريف, كما أن الإقامة في هذه الأرض والسكنى فيها يوجب على المقيم فيها الدفاع عنها وحفظها, وهذا من الحقوق الطبيعية التي كفلها الشرع وحث عليها, وهذا الحفظ يشترك فيه كل ساكن لهذه الأرض. ما تقدم وصفه هو مما يجوز في إطار الدولة الوطنية الحديثة, ومن الرؤى الناقصة في هذا الباب الوقوف عند حد ذمّ الحدود المصطنعة والتي باتت جزءا من واقع يعيشه الناس والإغراق في تلك الحال, والتهوين من شأنها بإطلاق أمر غير دقيق ولا يجري على أصل صحيح, هذا وإن كانت هذه الحدود رسمت واقعا على أرضنا إلا أنها تعبر عن ضعف اكتنف الأمة, ولا يكون الحل بمجرد الذمّ كما تقدم خصوصا إذا تجرد البديل عن مقومات الواقع, وقد نتج عن هذا التوقف عند هذا المقدار نتائج سلبية نلمسها في واقعنا, كما أن القول بجملة المشتركات والحقوق المتقدمة لا يعني الرضا بكل مخرجات الدولة الحديثة, ومن جهة أخرى لا يمنع القصور في أدبيات الدولة الحديثة من تعزيز المشتركات بين المسلمين فيها سواء فيما بينهم أو بينهم وبين غيرهم.

وبالعودة إلى الوصف التكليفي في علاقة الإنسان بالأرض التي يعيش فيها, فقد أمر بالإقامة فيها وعدّ ذلك من الخصوصية الشرعية, وإنما جاز له الخروج منها إذا دعت الحاجة كتعليم علم أو استطباب ونحو ذلك, وليس من ذلك طلب ترف العيش أو زهرة الدنيا, وفي واقعنا اليوم اتخذ التهجير سبيلا لإعادة رسم حدود الأرض حيث تقطع صلة الإنسان بالأرض, وقد شهد تاريخنا القريب أحداثا من هذا القبيل كتهجير كثير من أهل فلسطين, واليوم ما نراه في عدد من البلاد العربية والإسلامية مما يستوجب أخذ الحذر وإعادة النظر في جملة تدابير خصوصا أن التهجير في أيامنا أخذ مظهر الهجرة وغاب عن كثير من الناس الوعي بما وراء ذلك, ومن هذا الباب ويلتحق به ما يعرف في مجتمعاتنا بالجلوة, وهي عقاب جماعي يعاقب به من لم يقترف ذنبا أو يرتكب خطئا, وهو من الظلم والتعدي على حق الإنسان في الإقامة في أرضه, وإنما يعاقب صاحب الذنب ويؤخذ على يده ردعا له ولكل من شابهه وعمل بعمله, وما نراه في واقعنا من إرغام الناس على الخروج من أرضهم واشتراط مدة لخروجهم هو من الجاهلية التي لا يرتضيها الإسلام وهي من الحكم بغير الشرع .

وفي الختام؛ فإذا تقرر أن علاقة الإنسان بالأرض علاقة تحوطها صفتان؛ قدرية وشرعية على ما تقدم, فمن الخطأ تغليب جانب على آخر, أو وضع جانب في موضع الآخر, وقد شهد تاريخنا من النماذج المشرقة ما يعين على حسن التطبيق والعمل, فقد عاش الناس بكل انتماءاتهم في هذه الأرض على مرّ التاريخ تحت سلطان الإسلام وحكمه.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش