الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التخصص في الكتابة

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2017. 08:24 مـساءً
د. محمد عبدالله القواسمة

يعيب بعض النقاد على الكاتب أن يكتب في أجناس أدبية مختلفة؛ كأن يكتب شاعر الرواية والقصة القصيرة والنقد، أو أن يكتب ناقد في الشعر والقصة والرواية. ويذهب بعضهم بعيدًا في انتقاد أن يكتب ناقد روائي في نقد الشعر أو السيرة، واعتبار هذا نوعًا من المغامرة النقدية غير المحمودة.
ووجهة نظر هؤلاء أنّ الكاتب المتخصص في جنس واحد من الكتابة أكثر دقة وإحاطة وتميزًا وأقدر من غيره على التعبير عن الموضوع الذي يتناوله. فالشعر لا يبدع فيه غير شاعر، ولا يمكن لروائي، أو كاتب مسرحي، أو ناقد أن يلج أبوابه.
والحقيقة أنّ الكاتب ما سمي كاتبًا إلّا لأنه القادر على فعل الكتابة في أي جنس كتابي إذا وجه إليه اهتمامه ومقدرته. هكذا رأينا في أدبنا العربي طه حسين وعباس محمود العقاد يكتبان في النقد والقصة والشعر. كما رأينا يوسف إدريس يكتب المسرحية والرواية والقصة القصيرة، وجبرا إبراهيم جبرا يكتب في النقد والشعر والرواية فضلًا عن أعماله المترجمة، ومثله إحسان عباس الذي كتب في النقد والشعر والسيرة، وترجم كثيرًا من الأعمال الأدبية. ولاحظنا عند كتاب الغرب من يجمع بين النقد والشعر والمسرحية كما ت. س. إليوت، أو بين النقد والرواية كما ا. م. فورستر. أو بين كتابة المسرحية والقصة القصيرة مثلما تشيخوف.
هذه التجارب التي نعاينها عند الكتاب في الشرق والغرب تدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب التي تدفع الكاتب إلى أن يكتب في أجناس مختلفة. يمكن أن نرجع ذلك إلى ميل الكاتب إلى أن يوسع حدود تجربته، أو ربما إلى إحساسه بالملل، وهو يرى نفسه محصورًا في جنس واحد من الكتابة. أو ربما لرؤيته أن الجنس الكتابي الذي تخصص فيه لا يحتمل الفكرة العامة أو الأفكار التي يريد أن يطرحها فيلجأ إلى جنس كتابي آخر يتسع لأفكاره. وربما وجد أن تداخل الأجناس الكتابية بعضها ببعض يدفعه إلى ممارسة الكتابة في كثير منها خدمة للجنس الذي تخصص فيه.
وفي الغالب فإن الكاتب المبدع عندما تستبد به العاطفة يتدفق الشعر من قلبه، وعندما تؤرقه مشاكل مجتمعه يتجه إلى كتابة الرواية، وحين تتزاحم مواقف الحياة في عقله قد يتجه إلى المسرح، وحين يتأمل ويرنو إلى مظاهر الطبيعة قد يكتب الخاطرة أو المقالة الذاتية. وهكذا فالذي يسير قلم المبدع هو ما يمور في نفسه وعقله من مشاعر وأفكار.
من الملاحظ أن بعض الكتاب الذين يكتبون في أجناس مختلفة يتفاوتون في كتاباتهم من حيث القوة والتميز. ربما يعود هذا إلى التفاوت في الاهتمام والرغبة. فعلى سبيل المثال نجد جبرا إبراهيم جبرا متفوقًا في النقد كما في الرواية والترجمة، ولكن على درجة أقل في الشعر، بخلاف ما نجده عند ت. س. إليوت فقد برز في الشعر كما برز في المسرحية والنقد، وكذلك تشيخوف فتفوق في المسرحية كما تفوق في القصة القصيرة، وغيرهما كثير.
على كل حال، يبدو التنوع في الكتابة ذا فائدة كبيرة غالبًا في تطور الكاتب نفسه، وفي خدمة الحياة الثقافية بصورة عامة. كما أن التنوع يتجاوب مع رفض أفكار الانعزال والهيمنة، ويعبر عن الروح الإنسانية التي تبحث عن الاندماج في الثقافات المختلفة، والابتعاد عن التقوقع. وهذا لا يعني الدعوة إلى كتابة ما يسمى النص الحر، أي الخلط بين الأجناس، وهدم الجدران بينها، وصبها في نص بعينه؛ فلا بد من بيان هوية النص عند الكاتب، لإنجاح عملية التفاعل معه لدى المتلقي، وإتقان التعامل معه لدى الناقد.
وفي النهاية فللكاتب الحرية في اختيار أي جنس كتابي يشاء، وله الحرية في تناول ما يعتمل في نفسه من أفكار ومعانٍ. فموطن الاهتمام والتساؤل بشأن الكتابة هو الجودة والإبداع.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش