الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في معانقة الذات

حلمي الأسمر

الأحد 17 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 2514



-1-

يا لذلك الشعور الذي يداهمك فجأة، مع مسحة حزن، تتغلغل في مسامات الروح، حينما تهب من بئر الذاكرة، نفحة لموقف ما طالما أوقفتك على رؤوس أصابعك، تشعر حينها برغبة جامحة في معانقة ذاتك، وأن تلتف عليها، حينها تشعر بوحدة لا مثيل لها، ولا ينفعك آنذاك إلا حضن كحضن أمك، كطفل ساهم فاجأه نباح كلب في ليل عاصف!

من الصعب أن يعترف بعض  الكبار  بهذا الشعور، خاصة أولئك الذين يتخصصون في ظلم الناس، والتفنن في صناعة النكد، ونثره على رؤوسهم، كما ينثر طاه ماهر البهارات على طبق ساخن، هؤلاء تشعر أن قلوبهم قُدّت من نعال الأحذية، لا الصخر! هؤلاء، الذين لا يعرفون طعم الحنين، والشوق للحظة هدوء وتأمل بين أيدي السكينة، هم أنفسهم من يبنون  مجدهم  المزعوم على أشلاء الآخرين، وهم جزء من منظومة الاستبداد، التي لا بد أن يدوسها المظلومون ذات يوم، ولو بدا أنهم مخلدون في أبراجهم المقامة على جثث من أفراح البسطاء!

-2-

 فجأة تشعر أنك بحاجة لأن «تعود» أو «تُرَوح» (بضم التاء وفتح الراء وتشديد وكسر الواو) وينشق صدرك عن صراخ كوني تردده جنبات الوديان والجبال والقفار: البلاد طلبت أهلها، والبلاد هنا مكان ما ربما يكون غير موجود إلا في فضائك التخيلي، حينها تنثال وتنهال عليك فجأة بلا أي مقدمات فيوض من الأشواق الدفينة والذكريات المؤجلة، وتحار في تفسير «البلاد» هنا، ولا يقفز إلى ذهنك غير يد أمك المعرورقة بينابيع الحب وهي تمسح حبات العرق عن جبين غض رهيف منذ ما يزيد كثيرا عن نصف قرن، أيكون حضن تلك الختيارة التي كانت تعتذر عن ضحكتها فتداريها هي البلاد التي حننت إليها؟ ويحك! وأين تجد ذلك الدفء الشفيف وقد توارت الختيارة عن الدنيا كلها فنامت في سريرها الأبدي منذ أعوام وأعوام؟ هل هو حنين إلى الرحيل الأبدي إذن؟؟ ها أنت تختصر «البلاد» والملاذ بيد معرورقة!

تلك اليد المعرورقة المشعة بوهج الأمومة والحنو، هي أول حرف في أبجدية كتاب الحب، وآخر حرف أيضا، فنحن نزداد حبا بنسائنا حين يتماهين مع أمهاتنا في فتح باب الحدب والحنو بلا انتظار لأي مقابل، ونحن نقترب أكثر من بناتنا ونتحد معهن، كلما حملن ملامح من أمهاتنا، وحتى طبيخ الزوجات يصبح أطيب وأزكى كلما كان أقرب لأول لقمة حملتها اليد المعرورقة إلى أفواهنا بعد الفطام!

 كنت أنوي الكتابة في ألف موضوع وموضوع،، فإذا بي أذوب كقطعة سكر في فم الذكرى الدفينة، ذكرى أول همسة وقرصة ودعابة وكركرة، وأول قبلة تطبع على الجبين الخارج للتو من البيت الأول: الرحم، أيكون عبثا أن يسمى رحما؟ هل ثمة رحمة أكثر من دفئه وحنانه واحتضانه؟ أين هو الرحم البديل الذي يلم شعثك ونثارك وقد دببت بتؤدة ووقار مشوبة بالرعونة والولدنة نحو الستين؟ من منكن يا نساء الأرض تمتلك رحما يتسع لكل هذه الكينونة المتسربلة بالمزاجية والتقلب والإيمان والضلالات والتوبات والكر والفر والأرق والقلق والحنين المزمن الأبدي إلى حضن أمه؟ ويحك يا ظرف الطول! إلى أين سحبتك الكلمات؟ أإلى بوح لا تستطيع الدفاع عنه، وأنت الطفل الكهل وأنت تقف على بوابة الأبدية، في نقطة التقاء برزخي، بين نصف قرن يمضي.. وسنوات أو أيام أو ساعات تنتظر مضيها، مسكونة بذلك الموال الكوني الذي يقطر دمعا ودما وندى؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش