الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شعريّة اللون في ديوان (للنخيل قمر واحد)

تم نشره في الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 10:16 مـساءً
د. عماد الضمور *

يعكس اللون بعداً فكرياً مهماً في النص الشعري، وأحد الدوال اللغوية المنتجة للمعنى والشعريّة، إذ يشكّل بدلالته الخصبة جزءاً من البنية اللغوية، والرؤيا الفكرية التي يحملها النص، ما جعله يخضع لتعدد الدلالة، وتجاوز المألوف، يتشكّل وفقاً لتجربة الشاعر، ورغباته النفسية .
يمتلك كل لون مقومات جمالية، تجعله أكثر قابلية للتشكّل الفني، إذ يستثير الفنان إمكانات اللون، لتجسيد تجربته الشعورية، ومنحها قدراً أكبر من التحفّز الذهني الذي يُغني عملية التلقي بأدوات خطاب جديدة .
إنّ تحوّل اللون من مجرد رؤية بصريّة إلى تشكّل شعري نابض بالحيوية أمرّ واضح في ديوان( للنخيل قمر واحد) للشاعر علي البتيري، ما جعله أحد المفاتيح النصيّة المؤدية للمعنى، فضلاً عن دوره في الكشف عن بنية النص، وتحولاته الفكرية العميقة.

لقد جاء اللون في قصائد الديوان كاشفاً للرؤيا، ومحيطاً بآلام الشاعر، وجراحه النازفة، ما سمح للألفاظ الانصهار في قالب فني مبدع أشبه باللوحة التشكيلية ذات الخيال الخصب، حيث يقول في تصوير قمره(1):
قمرٌ راكضٌ كجوادٍ مضى يتشكّلُ في دمنا
حجراً ورغيفاً ونخلة ليلٍ مضاء..
يعيد ليافا الحزينة ذاكرة البرتقال
يفاتحني بحديثٍ له جذوة الاشتعال:
ثلجهم أسودٌ.. غارقٌ في السواد،
ولهم سفنٌ في الزمان الأخير،
تجيء مُحمّلةً بالجراد..
فالقراءة الأولية للنص تكشف عن لوحة فنية، ذات رؤية جماليّة بألوان مختلفة، تشكّل في مجموعها مشهداً بصريّاً، يحمل إحساساً حادّاً بمرارة الواقع، وانعكاساته في وجدان المبدع، إذ إن حمّرة الدم تتداخل مع سواد الليل، ممّا يجعل الثلج يتخلّى عن لونه الأبيض، ليكتسب هذه القتامة. وما هذا التشكيل اللوني الذي يجسّده الشاعر في نصه إلا تعبير واضح عن حزن مقيم أفقد الأشياء طبيعتها اللونية المألوفة، لتكتسب لوناً آخر أكثر مناسبة للواقع المعبَر عنه.
إنّ انزياح اللون عن أفقه البصري أمرّ محبب في الإبداع الشعري؛ لأنّه يُخرج النص عن نثريته، ومباشرته التعبيريةّ، ويكسبه طابعاً شعريّاً أكثر إيحاءً، وطرقاً لوجدان المتلقي، الذي يعود بذاكرته إلى جذور اللون الفكرية، ودلالته النفسية، والاجتماعية، والأسطورية التي تُعين في عملية التلقي.
إذ يبدو ارتباط  إبداع الشاعر بجمالية الفن التشكيلي واضحة في الديوان، فكلاهما يأتي بصوره « من دوامة الحياة، وفوضاها الدوارة»(2)، ممّا جعل من إمكانية التقابل اللوني أمرّاً ممكناً في ظل واقع مضطرب، كما في قول الشاعر معبراًَ عن بشاعة فعل المحتلّ بوطنه(3):
إنهم يرسمون لنا في الفضاء الذبيح
منازل جدرانها من غبار
وأبوابها من عظام مقابرنا،
وزهور حدائقها من شظايا قنابلهم
إنهم يشنقون عصافير أفراحنا
في عيون الصغار
ليبقى لنا حزننا
وملوحة ماء البحار..
فالتركيب اللغوي للنص الشعري، يكشف عن رؤية لونية واضحة، إذ جاء الفعل (يرسمون) دالاً بصريّا للآخر ببشاعته، وقسوة أفعاله، ممّا أحال الزهور إلى شظايا، والفرح إلى حزن مقيم.
إنّ ممارسة الشاعر لفعل التشكيل اللوني وثيق الصلة بتجربة شعريّة خصبة، تتكفل فيها الثقافة المعرفية « بمدّ نسغ التأويل، ورفده بكلّ الإشارات التي لا تظهر على السطح دائماً، وإنما تحتاج إلى المضي قدماً إلى المسكوت عنه في الأعماق»(4).
إذ يصيغ الشاعر تجربته الشعرية بقالب فكري، يجسّد الطبيعة ويجعل منها روحاً تنبض ببهاء اللون، وقوة تأثيره في النفس ، كما في حديث الشاعر للنهر(5):
دفقاتُ يا نهرُ،
تعيدُ لذاكرتي أيامَ صباي
إذ كانت تعلو أو تهبط،
في نهرٍ يتدفقني
فأعانقُ في زهوٍ مجرايْ
عشبُ ضفافك يوقظ من نوم القيلولةِ،
عُشب دَمي المتندي بدموع خلاياي
ومراياكَ المائية يا نهرُ
كثيراً ما تشبهُ عند غروب العُمر مَراياي.
إذ يبرز اللون الأخضر بعشبيته الحالمة، وروحه المتجددة ذا صلة واضحة بآلام الشاعر، ومعاناته المستمرة، ممّا سمح بحدوث انزياحات لغوية ذات منشأ نفسي، وما االانزياح اللغوي (عُشب دَمي المتندي بدموع خلاياي) إلا انعكاس لحالة القلق الوجودي التي يحياها الشاعر نتيجة لاقترابه من الموت.
لعلّ هذه الدلالة اللونية التي اكتسبها الدم في النص السابق، يقود إلى أمرين ، وهما: إنّ اللون الأحمر المألوف للدم، جاء في سياق الحديث عن الحياة العادية، ببعدها المألوف، أمّا الأمر الثاني، فيقترن بتحوّل الدم من لونه الأصلي إلى لون أكثر دلالة على فلسفة الكون، المنبثقة من الطبيعة، وتحولاتها من الخصب إلى الجدب، والزوال.
لذلك جاء خطاب الشاعر للنهر يحمل صفة لونية، ترتبط بلون النهر الهادر، ممّا ينسجم مع فعل الانتهاء الذي كان محصلة الشاعر الحياتية، كما في قوله(6):
اجعلني في قبضتك الفضية شلالاً
يسقط بجنون عُذريّ،
علّي أشهدُ في مرآة الصدمةِ مسقط
رأسي
علّي في هاويةِ السقطةِ تلوَ السقطةِ،
أبصرُ وأنا أهوي نفسي..!
يمتلك اللون ـ بوصفه علامة أيقونية ـ إمكانية تأويلية واسعة، تُحيل إلى مخزون نفسي عميق، ورؤيا شعريّة، تثير الحواس، إذ إن تموضع الأشياء داخل الفضاء الشعري، لقتنص منها الشاعر ما يُناسب تجربته، ويُحيلها إلى كلمات دالة، كما في قوله(7):
فاشهدوا أيها الذاهبون إلى الموت،
قبل أوان الرحيل...
أن أرض اللظى والنخيل
سوف تخرج في أخر الليل،
أثقال عشقٍ دفين
أردنا لأسراره البيض والحمر،
أن لا تُذاع..
إنّ إكساب الشاعر لأسراره اللونين: الأبيض، والأحمر تعبير شعري، يقود إلى منحى تصويري أكثر تعبيراً عن النفس، كما أنّه يُسهم في « خلق بنية إستعارية داخل القصيدة الحديثة.. ولذا تحققُ التشكيلات الاستعارية، والمجازية المختلفة، والصورية بشكل عام وظيفة مزدوجة: خلق المشهد الصوري، أو الأيقوني من جهة، والاندماج ضمن نظام التعبير الرمزي العلامي من جهة أخرى»(8).
لذلك جاء سؤال الشاعر للمحبوبة/ الوطن في قالب لوني؛ ليُضفي على المشهد الشعري طابعاً من الدهشة، والحزن معاً في ظل انتشار فعل الفقد، وانكسار الذات، كما في قوله(9):
لماذا  تدثرَ فيك الربيعُ،
بثوب الخريف الرماديِّ،
والموت ما زال ينشر أكفانه البيضَ
رايات صمتٍ ترفرف في حَيِّنا؟
لماذا تغيبين عن ساحة الريح
والريحُ تنشب أظفارها السودَ في لحمنا
لماذا تموتين قبل قيامةِ عشقي
وأحيا أنا؟!
إذ يحمل التساؤل أنات النفس المعذبة العاجزة أمام فعل الموت، وسعيها الدؤوب للبحث عن الحياة، بعيداً عن قسوة الغياب، وعذاباته، ممّا يُبرز ثنائية الحياة، والموت في قالب تشكيلي، يستلهم مخزون الألوان الدلالي؛ ليكشف عن رؤيا نازفة، ترتبط فيها الألوان بدلالات فكريّة ذات ارتباط بتجربة الشاعر الحياتية، كما في قوله(10):
لماذا تَشُقِّينَ بالصَّدِّ حبة قلبي نصفين،
والقلبُ بستانُ عشقٍ خفي
يتمتم باسمك من مطلع الوردِ حتى
بياض الكفن؟
إنّ ارتباط اللون الأبيض بالكفن، جعل منه لوناً دالاً على الموت بدلاً من الحياة، ممّا يكسبه خصوصية تعبيرية واضحة، تتصل بمنظور الشاعر الفكري، منتج للدلالة في مجالين هما:» المجال الاجتماعي الذي يقدم دوراً دلالياً للألوان منبثقاً من ثقافة المواضعة التي يعمل اللون من خلالها. والمجال النفسي الذي يشكّل اللون فيه أداة تكشف عن الدور الدلالي النفسي»(11).
تتضح دلالة اللون الأخضر الفكرية في رثاء الشهيد، إذ يمتلك هذا اللون طاقات إيحائية واسعة، تتجاوز حدود الزمان، والمكان، لترسم أبعاداً جديدة، تُبرز عظمة حدث الفقد، وقيمة الدماء النازفة، ودورها في استشراف الزمن المستقبلي(12)، كما في قوله(13):
حين تتبعت البرق الأخضر في عينيك النائمتين،
وقابلني رعدٌ دمويٌّ راح يقهقهُ كالمجنون،
أخذت الأرض، تجردتُ من الوعي تماماً، أصبحتُ قتيلاً
يمشي في غاب الكلمات بلا أصحابٍ،
لم ينشلني من هاوية الموت سوى النقش على صوانة صمتي
إذ يظهر التوافق الواضح بين البرق الأخضر، والرعد الدموي؛ لإنتاج فعل الشهادة المتجدد، في إطار ثوري، يحمل الحرية، والفداء. لذلك جاء إلحاح الشاعر على اللون الأخضر واضحاً؛ لإكساب المحسوسات معنى دلالياً جديداً، يخرج بالتركيب اللغوي من نسقيته المعروفة، كما في خطابه للشهيد(14) :
سأبارك موسيقاكَ بإصغاء جراحي.
سأنام على حَجَرٍ يتبقع بدم الشهداءِ،
لأحلم باللوز الأخضر والزعتر،
بالنعناع وبالماء الرقراق
فاللون الأحمر يمدّ اللوتن الأخضر بالإبصار، والتوهج، ويبعث الحياة في النفوس من جديد، فهو بداية مرحلة، وليس انتهاء، ممّا يحيط عالم الشهيد بحالة من القداسة، لا يمكن بلوغها إلا بالتضحية، كما في قوله(15):
من أين أجيئك بالوردة في ناصية القول الموقوف على
دفترك الأحمر يا ولدي..
من أين سأبدأ كلماتي..؟
دليني يا قارئة الحظ الدموي فذاكرتي
غابة نخلٍ تتفلت من طوفان النار..
يتهاوى السعفُ الأخضرُ من مهجتها حتى
تلتفّ الساقُ المحروقة بالساق..
من أين سأدخل كهفك ياآخر شهداء عشيرتنا
والقمر العربي محاق..؟
وما عبارة (والقمر العربي محاق..؟) إلا إدانة واضحة للواقع العربي، في ظل حالة الانكسار العامة، واستمرار فعل الفقد، لذلك ظهرت الحاجة ملحة لإذكاء فعل الشهادة في النفوس، والبحث عن زمن جديد تحياها الأمة بعيداً عن زمنها المنكسر، وهذا لا يتأتى إلا ببلوغ الشهادة، واستدعاء زمانها الخصب الذي تحتضنه الذاكرة.
إنّ شعريّة اللون الأخضر لم تتوقف عند أبعاده الفكرية، والدلالية، والنفسية، بل تجاوزتها إلى بعد استعاري واضح، أسهم في إحداث تأثير جمالي في نفس المتلقي، وتحفيزه لبلوغ مرامي النص، كما في قوله(16):
هي الأرض تخضُّر في مقل الشهداءِ،
وتزهرُ في مهجِ المبعدين..
هي الأرض تخشع مثل المصلّين،
عند التشهُّدِ بين رباط الجريح
وقيد السجين..
أمّا اللون الأسود فمعروف بدلالته الحزينة، وقتامة الرؤيا، وانبعاث الموت من بين جنباته، ممّا يبعث على التشاؤم،إذ كثيراً ما ربط الناس» الخوف من المجهول بالسواد»(17). كما في خطاب الشاعر للبحر، حيث يقول(18):
أيها البحرُ،
قطفنا زهرة العمر معاً،
وعلى الميناء عينُ الماء تشهد..
أن قلبي زروقٌ للعشق لم يتعب
لدى تغريبة الموج،
ولكنّ الرياحَ السودَ غطتْ مسرح الماء،
وأخفت عن عيوني ألف مشهد
لكن حالة الموت، والضياع التي يبعثا اللون الأسود لا تلبث أن تتوقف أمام عنفوان الشهادة، كما في قصيدته( بيان لشهيد الانتفاضة) حيث يقول معلناً عن سقوط الحزن أمام نشوة الشهادة (19):
لعلمك، نار الزغاريد عند زفافي، بعرس البلاد..
أطاحت بكلّ طقوس الحداد،
فقمنا.. وقامت صبايا فلسطين، يُعلّنّ بدء القيامة،
في كوكب الصابرين، يراشقن باللوز والبرتقال،
طيور الدم المقدسية، كلّ صباح يفاتحن ورد القلوب،
بزلزلة العشق،
لقد كشفت دلالة الألون، وتوظيفها في ديوان(للنخيل قمر واحد) عن دلالة لغوية، وفكرية عميقة، أوقدت شعريّة النص، وأمدته بوهج التجسيد، وإيقاع الشعر العذب، إذ نجح الشاعر في استثمار الطاقة الإيحائية للألوان، وجعلها جزءاً من رؤيا شعريّة نابضة بالحياة.
الهوامش:
1ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ط1، أمانة عمّان الكبرى،2007م ، ص ص 8 ـ9.
2ـ فرانكلين ر. روجرز: الشعر والرسم، ترجمة مي مظفر، ط1، دار المأمون بغداد، 1990م، ص 56.
3 ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ص10.
4 ـ بسّام قطّوس: عتبة التأويل وعتمة التشكيل، ط1 ، 2011م، ص 161.
5 ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ص 13.
6 ـ المصدر نفسه، ص 18.
7 ـ المصدر نفسه، ص  ص 22 ـ 23.
8 ـ فاضل ثامر: اللغة الثانية، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، 1994م، ص 34.
9 ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ص 37.
10 ـ المصدر نفسه، ص 39.
11 ـ فايز القرعان: الألوان ودورها البلاغي في إنتاج الدلالة» شعر حيدر محمود نموذجاً»، مجلة دراسات( العلوم الإنسانية والاجتماعية) المجلد 35، العدد الثالث، 2008م، ص 406.
12 ـ يُنظر: عماد الضمور، ظاهرة الرثاء في القصيدة الأردنية، ص ص 281 ـ 282.
13 ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ص112.
14 ـ المصدر نفسه، ص 114.
15 ـ المصدر نفسه، ص ص 114 ـ 115.
16 ـ المصدر نفسه، ص 133.
17 ـ أحمد مختار عمر: اللغة واللون، ط2، عالم الكتب، القاهرة، 1997م، ص 201.
18 ـ علي البتيري: للنخيل قمر واحد، ص 142.
19 ـ المصدر نفسه، ص 145.

* ناقد وأكاديمي من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش