الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المعمار اللغوي في رواية «أنثى افتراضية»

تم نشره في الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 10:13 مـساءً
د. بلال كمال رشيد *

يعد العنوان أول عتبة نصية، وأول اشتباك بين الكاتب والقارئ، وهو نص بحد ذاته، له دور في الإغراء والإغواء. وكثيراً ما تذهب عناوين الكتب والنصوص الأدبية إلى الإيحاء، لكن رواية (أنثى افتراضية) تجنح إلى التصريح لا إلا التلميح، وتتخلى عن الزخرفة اللغوية والبلاغة الأدبية، ويأتي عنوانها مختصراً كوحدة واحدة، عنواناً رئيساً دون إشارة إلى عناوين أخرى، ويأتي العنوان استعارة من عالم إلكتروني، ومن صفحات التواصل الاجتماعي، حيث بات العالم الافتراضي عنواناً رديفاً لها، وأضحت مفردة «الافتراض» مفردةً سائرةً سائغةً متداولة، وعنواناً دالاً على القاموس اللغوي الجديد . كما تستعير الرواية تلك الاشارات المصاحبة (#، -)، والتي أمست علامات ترقيم و عتبات نصية ترافق النصوص في عالم التواصل الاجتماعي؛ فالعنوان  يُصرح بفضائه الروائي تصريحاً مباشراً، ويتخذ من مفردة « أنثى « كمفردة نكرة فضاء للإغواء والإغراء والتشويق، وهنا يلتقي القارئ مع الكاتب مع مجموعة من الأسئلة التي تتناسل في فضاء التشويق والدعوة إلى الالتحام مع النص، ويأتي دور التفسير والتحليل في البحث عن سبب اختيار الكاتب لهذه المفردة دون سواها، ولماذا التنكير لا التعريف ؟!، ولماذا كانت افتراضية ؟!

ذهب النقاد إلى أن الكاتب هو الناقد الأول للنص، فهو الذي يختار هذه المفردة بالذات ويضعها حيث يرى، ويُجملها بألفاظ أخر، ومنها يشكل بناءه ومعماره باللغة حيث تتشكل من المفردات، وتتحاور وتتجاور، وتخرج عن وظيفتها التوصيلية إلى الوظيفة الجمالية والبلاغية، فلماذا اختار الكاتب مفردة «أنثى» ولم يختر مفردة «امرأة»، وهنا يثبت أن اللغة اختيار، فلو اختار الكاتب مفردة «امرأة» لانحصر المعنى في المتزوجة والمطلقة و الأرملة، ولكنه اختار مفردة «أنثى» لتشمل العذراء و العانس إضافة إلى تلك النساء، ولينتصر للأنثى من حيث جنسها وكينونتها وتشمل كل الصفات ووظائفها الاجتماعية، وقال «أنثى» ليكون مقابلها الرجل، وقال افتراضية لتوازي عالماً حقيقياً واقعياً.  وتأتي صورة الغلاف حاملة ما يحمله النص من ثنائيات، فيكشف عن العالم الأزرق، وهو اللون الحقيقي للعالم الافتراضي الذي فرض علينا، وعالم الواقع يشكل لون البياض كصفحة بيضاء نختلف في تسويدها و تحبيرها بأقلامنا و بصماتنا و أفعالنا .
وتأتي صورة الأنثى مرسومة منحوتة تشير إلى عالم الأنثى بملامح غير مكتملة، وهنا تبرز الثنائيات التي تعالجها الرواية فيما بعد فتظهر في الرواية ثنائيات: الجسد و الروح، الذكر والأنثى، الحقيقة و الخيال، الاسم الحقيقي و الاسم المستعار، الوجه والقناع،القرية والمدينة، الواقعي و الافتراضي، إلى غير ذلك من الثنائيات، فالرواية تقارب هذا العالم الافتراضي وتأخذ منه كل مصطلحاته وعلاماته وصوره التعبيرية وتوظفها مثل : (مفردة الجدار، الحائط، حساب افتراضي ص 70، صديقة افتراضية 71، ملف افتراضي ص 40، العالم الافتراضي : « هذا العالم الافتراضي يقوي فينا الإحساس بالفضول « ص 46، « وجه أصفر تعبيري مبتسماً « ص56 و ص83 و ص87، النكز ص 54، لا يفل الرسالة إلا رسالة ص61، صندوق الرسائل ص162، رسالة : « لا شيء يباغتك في هذا الزمان مثل رسالة « ص 52، النقاط الثلاث: « أرسلت عبارتك وما تزال تنتظر أن تملأ عينيك بالنقاط الثلاث تكشف لك عن أنه يكتب شيئاً لك «  ص 41، « تلقت سماح النص بإعجاب like « ص 85) وما ينتشر في هذا الفضاء من مناسبات: («اليوم عيد ميلاد مازن، ساعده في الاحتفاء بهذه المناسبة « ص 160، ويعلق ساخراً كيف يكون الإعجاب على نصوص التعازي: « غريب أن تحظى نصوص التعازي بإعجابات أصدقاء كان حرياً بهم أن ينزعجوا لا أن يبدو إعجابهم بلحظات ضعفنا.. « ص 184،  إشعار: « هممت بالكتابة لولا أن إشعارا آخر اعتلى دائرة الإشعارات الصغيرة « ص 39)  كما يوظف ما يمكن أن يوقع من أخطاء تعبيرية مثل : (« مساء الخير، شكراً لك على جلتك الدائة - جلستك الدافئة « ص 70-71 )، (تفهم أخطاء الطباعة، مثيرة للدهشة أخطاؤنا التي لا تكتشف إلا بعد فوات الأوان، مشجب هو، نعلق عليه ضعف مهاراتنا أحياناً، واستسلامنا لتسارع القلب أحياناً ص 71).
تخلو الرواية من عتبة الإهداء، وكأن عدم الإهداء إهداء لكل من يتعامل مع هذا الفضاء دون تحديد أو تخصيص، لكنها جاءت تحمله بعتبات نصية كثيرة تحمل نصوصاً و أقوالاً لأدباء، وشعراء و روائين من العرب و الأجانب، ممن كان مشهورا أو كان مغمورا، وهذا يعطي انطباعا بأن الكاتب ينتصر للقول بغض النظر عن القائل، وينتصر للغة و لمفردات اللغة التي تحمل همه و تعكس رؤيته ورؤياه، ولعل أولى العتبات التي حملتها الرواية هي : - لماذا علينا معرفة الأحداث قبل أن نعيشها ؟! - يجب أن نحس أولا بما نريد التعبير عنه ص 5، وهذان قولان كافيان أن يعكسا ما في الرواية من معرفة وإحساس و أن تعكس الصراع الدائر بين الفكر والعاطفة لتخرج تلك الثنائيات التي أشرنا لها سابقاً .
وقد جاءت الرواية حاملة لنصوص شتى، وهي تتكئ عليها كعتبة نصية أو توظفها داخل المتن الروائي وتشير إليها وإلى مصدرها في الهامش الروائي، فحملت نصوصاً لكل من : (محمود درويش، غادة السمان، نزار قباني، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، ليلى الأطرش، لؤي أحمد، هناء البواب، هشام قواسمة، دينا العزة، محمد المجلاد الدهامشة) و غيرهم كثير.
الأسماء مفردات لغوية ولا بد للشخوص من أسماء لتدل عليها، وهذه الرواية تعج بالأسماء و بالألقاب، بالأسماء الاعتباطية أو بالأسماء الفنية، وهي تحاكي وتحاكم العالمين الواقعي والافتراضي، فوجدنا أسماء عديدة مثل : (أمل، ناهد، ربيع، ميسون، محمود) ووجدنا الرواية تقف عند ألقاب وكنى فثمة عند الاسم وأخرى عند المعنى : ( أيكتب رجلٌ اسماً لن ينساه ؟! اسماً حفرته في وجدانه لحظات الحب والحياة، أينتظر عاشق من معشوقته أن تعيد على سمعه اسمها ؟! أينتظر الدكتور من أمله أن تقول له أنها أمل ص 216)، ولتقف عند الكنية عندما تكون أمل أم سبأ : (لماذا قالت لي: لكن نادني أم سبأ ؟! أتراها إجابة ذكية عند نطفة سؤال لم يكتمل ؟ ربما قالت، لأفهم أنها سيدة فأعرف حدود الرقعة منذ البداية ولا أمنح جنودي هامش مناورة أكبر ص 66 )، والاسم بحد ذاته يصبح قناعا فيتخذ ربيع من اسم زاهر قناعا له ص 24، واسم ربيع يصبح علاقة فارقة لرجل يتاجر بالأكفان، كما تحاكم الرواية أصحاب الكنى والألقاب وهي عبارة عن أقنعة في هذا العالم الافتراضي مثل : أسيرة البستان، وأمير الظلام، شيخة الخليج : - (الاعجاب الثاني كشف عنه إشعار من أمير الظلام، للظلام أمراء في هذا الزمن يتلثمون به، ويعيثون فيه صمتاً ومراوغة . الإعجاب الثالث سجلته شيخة الخليج، وما أكثرهم شيوخ هذا العالم الافتراضي وشيخاته) ص 86، والأسماء في العالم الافتراضي أسماء متعددة قابلة للتغيير و التبديل حسب الحالة و هي تتناوب بين الكبت والإفصاح.
وتتأثر اللغة السردية بالعالم الافتراضي الذي تكتب عنه؛ فجاءت المفردات وفية لهذا العالم فكانت بعض التعابير مثل : ( النميمة الافتراضية ص18، التسول الافتراضي ص 37، الحمام الافتراضي الزاجل ص 165، معتقلات افتراضية ص208).
ويلحظ قارئ رواية «أنثى افتراضية « تأثر كاتبها بلغة القرآن الكريم؛ فهو يوظف المفردة القرآنية أو الأسلوب القرآني في نسيج سرده ومن ذلك قوله : (ألهى أفكارها التكاثر ص 245 )، (وقد ارتفع منسوب عاطفتها تاركة روحه عصفاً مأكولاً ص 81 )، (كعهن منفوش، كانت صورة الحاضرين ص 68 )، (تهز كتفيها كجذع نخلة تساقط على كتفيك دموعاً تبكيها ص 107)، (أطعمها الله بك من جوعٍ، وآمن روحها من خوف ص 106)، (شغفتها حباً في وقت يرهقك جسدك فيه وهناً و عجزاً ص 112).
لقد استطاع فادي المواج الخضير أن يبني عالمه الافتراضي بلغة راوٍ عليم بخفايا النفس وراوٍ عليم بالقول و الفعل، فجعل من ضمير المخاطبة راوياً يَسمع ويُسمع، يرى و يُري الأشياء على حقيقتها، ولئن كان العالم الإلكتروني يُعيد صياغة عالمنا الواقعي ويفرض علينا واقعاً جديداً ويهدد الكتاب الورقي بالانقراض، ويفرض فيما يفرض لغة مستعارة من لهجة محكية أو لغة أجنبية، لغة هجينة ملأت بالأخطاء النحوية والإملائية؛ فإن فادي المواج الخضير يأتي هذا العالم الافتراضي ويفرض الكتاب الورقي ليكون هو الوعاء والحاوي، ويفرض فادي لغته بأصالتها وبيانها وجمالها وهي تتناص مع هذا النص أو ذاك، ليعيد للحرف العربي صوته وصورته ومكانته، يؤرخها ويدونها على الحائط الافتراضي دون أخطاء، فيدمج الماضي بالحاضر، ويقارب بين لغة الروح والجسد، ويبني عالما جديدا بلغة فصيحة تفصح عن الضمير المكبوت، بلغة جديدة وعصرية.

* أكاديمي وناقد من الأردن.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش