الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رسالة ثالثة إلى أختي الغائبة

تم نشره في الجمعة 8 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

إبراهيم عقرباوي *



أيها البحر..

كن رحيماً وهادئاً وودوداً إلى أبعد مدى، ومُدَ يديك لمصافحة روحي المتعبة، وكن خير جليس لمن أتاك باسطا كفّه للسلام، وفاتحاً قلبه للبوح لشاطئك المؤنس وحدة الغريب.

أيها البحر..

إحرص أن لا تُفرّط بلون السماء على وجهك، وإطرح سواد حزني إلى البعيد البعيد. على شاطئك أمدد جسدي المضروب بأسى فراق «منى أختي» التي تذكّرها الموت العاتي فأرداها جثة آثرت الإختباء تحت أطباق الثرى، وأوغلت عميقاً في طمس أي أمل في رجوعٍ ولو أخير.

إقبلني أيها البحر بكامل فجيعتي بها، وتحسري على النوى، وهجائي للردى، الذي يلوح في كل مدى.

أيها البحر..

أدرت ظهري للمدينة الصاخبة الضاجة بألوان المباهج والمسرات، اُلمنسية قلبي وجه «منى» الأليف كغروبٍ رمضانيٍ شهي يفتح أبواب الذكرى والحنين، هارباً من الملهاة، مدججاً بمأساة موتها المظلم، فاقبل إقبال وجهي عليك، وشوقي لبثك أسرار غربتي في وجود إنعطب معناه فور دخول ابنة أمي جدثها المأهول بالغوامض، المستورة عن وعيي المشهود.



سأبوح لك أيها البحر بأن عالماً بلا «منى» كعصفور في غرفة بلا شبابيك ولا أبواب. عالم خالي من «منى» يعني أفراح بلون الفجيعة، وآمال محدودة، ورغبات ضامرة، وطموحات قصيرة المدى، وأحلام جافة كاليأس. لا يأس مع كأس أماني، وانطلاق خيول المخيلة صوب شفير هاوية الخذلان، وسقوطها في نهر التحرر من موت «منى» الطاعن وجودي بحراب ألم رحيلها، وصدمة الوعي بفقدان حنان حضورها الطاغي.

لا يأس جوار إبريق الرؤيا الكريم، الساقي ليل حزني جمال وجهها السماوي، الدافعي لتقبيله بوفاءٍ ولهفةٍ خالصين.

* * *

لم يدر بخلدي أن رحيلك سُيخلّف فراغاً مهولاً لا يكافح ولا يزول. جثم واستبد بأيامي المترنحة بعد انتهاء قصة حياتك في حياتي، هذا الانتهاء الذي أورثني غُصصاً تترى، والتياعاً مريراً، وأخلّ بنسق نهاري، وأربك ليلي، وعصف بكياني برداً وريحاً وزمهريرا.

ما إن تأكد رحيلك، حتى غادرت النضارة وجه الصباح. وتعافى الذبول بعد هجعة طويلة في مرقد اللامبالاة، ومستقر الركود. وفارقتني حماسة إنجاز ما رسم في البال، وصاغته يد الإرادة الواثقة. وتمادى شيطان الوساوس المخيفة في حفر أنفاق يأسٍ في جوانيتي الملطخة جدرانها بنعيق غربان البين، وأحزان المساء، وكوابيس بُرهات الضعف العمياء. جوانيتي المسكونة أيضاً بهبّات ضياء صريحة البوح، وهالات نور فصيحة البيان، والتماعات بروق صادقة الوعد بغدٍ يحاط برعاية، وحاضر يكلل بطمأنينة، ونهاية تمجد لقاء الأحبة لا بد، بعد الفوز العظيم عند مليك مقتدر.

ما ان تأكد توقف ساعة رؤيتك  واحتجابك عن عيون عشاق عينيك الطيبتين حتى ارتعشت أنفاس الاقبال على الدنيا، وارتعدت فرائص خيول المطامح الجامحة فور انكشاف هاوية النهاية الخاتمة، وانطفأت مصابيح الألق، وانكمشت نوايا من رام حيازة المجد وبلوغ المنى الكامنة لها المنايا، وانكفأت محاسن الظنون، وأناشيد الثقة العتيدة بطول بقاء في حلبة صراع الفناء والإفناء.

ماذا فعل موتك بي؟

فنيت عيناً وأثراً، وطيفك ظل صديق نهاري الذي فيه يدنو مني انهيار صبري وتصدع احتسابى، ويصده يقين بحكمة المحي المميت... وخليل ليلي الذي فيه تتصارع من حولي كوابيس العزلة، وفقر الذات، وتشتبك بأحلام تلد حكايات مختومة بالخيبات، وتقذف زوابع أسى، وتنسج قصائد  تبشر بظلمة وردى، ووحده العليم ذكره يخرجني الى النور من الظلمات، ووجهك الصبوح يمحو لوحات الغثيان النفسي العصيب.

بعدك ضللتُ الطريق -عن سابق  قصد  وتصميم- الى بيتك الذي هشّم  ملامحه رحيلك المباغت، وما عادت النفس تطيق مزيداً من الجراح، لإن عين قلبي تبصرك ماثلةً كالحب داخل البيت، وأمامه، وحوله، وكأنك لم تغادريه كعادتك في الإنتماء إليه. فلم تغادريه لتذهبي الى شواطئ اللهفة، وتجدد أنفاس الأمل، أو تيممي صوب مدن الغرب أو الشرق كالمحظوظات من بنات جيلك، إنما زهدت بالتطواف رغم ازدحام دخيلتك بأضواء الرغائب، وقنعت باليسير من المشاوير المحروسة بنجمات البراءة، ورضيت بزيارات للأقربين، تطرد الوحشة بغيث عطاياها العميم.

الحق أنطق به حين أخبرك أن روحك الطاهرة ما زالت ترخي جدائل أشعتها على المكان بأكمله، وبهيمنةٍ فريدة. لا أُحدًّثُ نفسي بتناسي سيرة رحلتك الحميمة في حياتي. حياتي هذه التي انحدرت تحت خط الإفتقار للألفة، وتحت خطي الفقر لتواصل غير عليل مع الآخرين بعد فقدان موسيقى صوتك - مدفأة العائلة في حضن الشتاء الودود -، وعطر أنفاسك - نجمات السهر البريء من الإساءات - في باحات صيف التلاقي المديد.

أين أذهب؟

والجهة التي كنت تسكنينها اشتكت لروحي من فقد حضورك الذي يملأ المكان حبوراً، وأضواء محبة، ونرجس رضا. لا جهة أذهب اليها. فالجهات الأربع أصبحت وأمست يباب صدى ولظى، وصحراء جرداء فارغة من نبوءة أنس، أو بشارة فرح، أو وعد بلقياك.

أين اذهب؟ والوالدين والأعمام والعمات جميعهم بيدي دفنتهم في مقبرة الحزن المهيب والدمعات العالقة في مآقي الزائرين.

مهمتي المؤقتة «حفار قبور مغلاق شرور ولا فخر!»

أما أنتِ، فغيري من الأقربين مَن جرؤ على دفن جسدك الذي فرّ من واقع حنيني الكامل لبقائه حياً في قلب الحياة.

احتلني جبن فريد القوى، كبّل ارادتي من الأقدام على غمر وجهك بالتراب. لم تطاوعني يداي على حثو ولو قبضة من تراب، وأنا الذي حفرت قبوراً وقبوراً، ودفنت أعزاء كثر، وأحباء أكثر، لإنكِ بعدهم جميعاً أديت أمانة الرعاية، ورعيت عهد الأخوة، وعاهدت القلب على الحب رغم تقلبات الأمزجة، وهطول أمطار الحوادث، ومرور سحب المواقف القاتمة في أفق صباحاتنا، وأماسي المشاعر المختلطة.

أين أذهب؟ وحفنة الأصدقاء ذهبوا إلى جحيم الخيبة، وغادروا دونما أسف إلى محطة «أنا وبعدي الطوفان».

أين أذهب؟ واخوان الصفاء الذين كانوا خير سند في الملمات والخطوب العسيرة، والأمتع مجالسة في اليسر والرخاء، إستحالوا إلى إخوان أفاعي، وأبناء ثعالب.

أين أذهب؟ والأماكن بعدك صارت كمائن أذى، ولوحات توحي بالخراب. والشوارع في مدينة السأم سوادها يذكرني أني الوحيد بلا هوادة. لكم هي صغيرة وبائسة دموعي المسفوحة في شوارع النهار، وعلى وسائد الليل، أمام فداحة وبلاغة الفقد المكين!

* * *

ما جزعتُ حين أغمضتْ  عيناكِ إغماضتهما الأخيرة.

ولكن عبرات عيني ما فتئت تخنق فيَ حساسين الحماسة للحياة.

وحزن غزا كياني كحزن يعقوب الصبور على الصدّيق يوسف، يتبعه حزن، وحزن، اتسع واتسع حتى كادت تبيّض عيناي، وتسّود بيض الأماني بأيام عمرٍ تجرد من المباهج.

موتك أفزع الهداهد والحمام والقبرات واليمام في حقول دنيانا التي كانت تسهر على أنغام تشابك أغصان أحلامنا الساهمة، والطامحة إلى حفنة حظوظ في الدنيا، وحزمة عزائم تطرد الهزائم، لترقى بنا إلى مقامات سماوات الوصول الروحي المهيب.

موتك كان الإنفجار المباغت الذي إنخلع له قلب الكائنات، ونثر في الفضاء أسراب الطيور من الحدائق والبساتين، وغابات المطر والدموع.

ها أنذا كشيخٍ أعجف أضناه بُعدك، فجلس مستسلماً فوق صخرة لا قلب لها، وتحت شجرة عاقر، وغرق في أساه. على شفتيه يستقر ملح دمع عينيه، وعلى عينيه غشاوة من غيمات الدمع النابعة من فصل التياعه البنفسجي الولود.

ضاعت بوصلة سفني بعدك في بحر الشمس والنجوم، وهامت روحي على وجهها، وتفرق عني كل أمري.

أتدرين ما حدث بعد تلاشي رسمك من أمام نواظرنا؟

لا جديد ولامبهر سوى غيابك عن هذا العالم المغرق في الوحشة المستحوذة كأسوأ خيار، والموغل في الوحشية المبررة كأقبح اختيار، السادر في ظلمة الظلم، وتيه زوابع بدائية هوجاء.

لا جديد بعد انقضاء عهد حب الجلوس بين يديك، والأنس بك، والإستلقاء تحت سقفك المانح نفوسنا سكينة ورضا. كل الامور تجري كما لا يليق، والأشياء تسير في غير الدرب المشتهى. لم ينخسف القمر لموتك، ولا انكسفت الشمس، لا... ولا ارتطمت الكواكب ببعضها، ولا اصطدمت النجوم الهائلة أيضاً، ولا المجرات المهولة فقدت رشدها، فأختل نظامها، وترنحت، وتناثرت في الكون ضاربة الأرض والمشتري وزحل والمريخ، وانفقأت عين الشمس. ما حدث شيء من هذا البتة. الكون يسير وفق خطة رسمت، وباقي لما وجد لأجله. بموتك فقط خسر الوجود ياسمينة تبث آمال، وتحث بني الإنسان على خير اليوم وقادم الأيام، وبموتك فقط خسر العالم كَمّاً وفيراً من الخير والجمال والإحسان، وكسب ويكسب وزناً فائضاً من الشر والقبح والإساءة، وفقد ويفقد منهج حياة فضلى، يخرج الناس من غابات «البقاء للأقسى « إلى مواطن الرحمة المثلى.

فنامي قريرة العين حبيبتي، وأريحي فؤادك من مشاهد معاركات الوجود الدامية، ومصارعات اثبات تفوق الإنسان على أخيه الإنسان بضراوة الحيوان.

نامي يا قمر الحب المزهر، وانتظري قارب قلبي الموشك على الإبحار إليك.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش