الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حنان بيروتي بين الشعر والنثر

تم نشره في الجمعة 8 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

د. زياد أبولبن *



من يتابع كتابات حنان بيروتي يجد اخلاصها العنيد للكتابة القصصية، بل إن القصة هي العالم الكبير الذي  تلتقيه منذ سنوات طويلة، تزيد عن الثلاثين عاماً، ثم يأتي كتابها الجديد «لمن أهدي أزاهير العيد!»، وكما نلاحظ من صورة الغلاف أنه يضم نصوصاً نثرية، وإن العنوان ينتهي بعلامة التعجب، ثم يأتي الغلاف لصورتين معبرتين (صورة الأم وابنتها)، وعندما نشرع في قراءة نصوص الكتاب نكتشف هذه العلامة بين حنان الكاتبة وأمها التي رحلت إلى عالم آخر، وتركت أوجاعاً تغص في كل مكان، بل نتلمس هذا الوجع الأبدي في التفاصيل الصغيرة.

احتوى الكتاب على نصوص متعددة، أخذت عناوين رومانسية (الأم، المكان، الحياة، القلب)، وجاء هذا الكتاب في مئتين وستٍ وأربعين صفحة من القطع المتوسط. صادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة في عمان لعام 2013.

بعدما تجاوزت مقدمة الدكتورة هيفاء البخار (نص عصي على التجنيس!)، ومقدمة رشاد أبو دراد (حنان بيروتي.. تُحيك القصة بإبرة الشعر!) وببلوغرافيا مختصرة عن حنان بيروتي ومؤلفاتها والجوائز التي حازت عليها، تبدأ (نصوص الأم) بمقالة بعنوان (أمي.. أحتاج عمراً آخر كي أبكيك!!) وهذه المقالة نُشرت في مجلة العربي، وفازت بجائزة محمد طملية لأفضل مقال صحفيه عربية لعام 2012، ومن يقرأ هذه المقالة يجدها أقرب للخاطرة في مفهوم التجنيس الكتابي، وهذه الخاطرة تقطر ألماً ولوعة عندما يفقد الإنسان أمّه فجاءت، في لغة شعرية أو كما يقولون شعرنة النثر، وفي عبارات كثيرة تقترب من الشعر لغة، ومثله «مَنْ يسند الآن جرحي ويمسّد شعر حنيني الطفولي ويمسح عني وحدتي وعطشي بعدك أمي؟!»ص29، ومثال آخر: «منذُ مرضك وتدهور حالتك الصحية بتسارع رهيب.. و.. وأنا أحسّني أقف على باب آخر لدنياي، أتهيأ مرغمة لأعبر لدنيا جديدة بلا أمي!»ص31، ومثال ثالث «من أين تأتي الأمهات بحكمة التضحية وإرادة الصبر؟! من أين يأتين بهبات التعاطف وهدايا التهدئة وأنّي لهنّ أن يلجمن اللهفة والحرقة في قلوبهن»ص33، وأمثلة كثيرة، بل أكاد أجزم أن الخاطرة أو المقالة قطعة نثرية كتبت بلغة شعرية تعبر عن أصدق العواطف، وهي توجج المشاعر الإنسانية.



جاء النص الثاني بعنوان (إلى أمي!)، وقد كتبت في عيد الأم الأول بعد وفاتها، ونشر في مجلة العربي، فمن عنوان النص نتبين أنه ينطوي على تداعيات التفس وخلجاتها ولواعجها، ويتفق بلغته وصوره الشعرية مع النص السابق، كما جاءت النصوص الآخرى جميعها بما فيها النص الذي اتخذ عنوان المجموعة: (في مقام الحزن عليك أمي!)، (لمن أهدي زهور العيد؟!)، (أمي أكبر من الغياب)، (أدق على أبواب العيد!)، (تعويض اللحظات الهاربة!)، (ست الحبايب)، (ويظل عيدُك عيدي رغمَ يباب الغياب!)، (ثلاث صور لرحيل أم)، (بطاقة لأمي!)، فيما جاءت الخاطرتان من تلك النصوص (غطاءٌ وخبزٌ ورائحة بيت!) و(أتضوّر للحظة دفء!) مرثيتان لرحيل والد الكاتبة، تجيش فيها العواطف، وتتأجج المشاعر مرة أخرى، في صور شعرية متدفقة.

أما الجزء الثاني من الكتاب بعنوان: (نصوص المكان) نص نثري يمزج بين الخاطرة والقصّ، فلغة السرد ضافية على النص، وتقترب اللغة من الشعر كثراً لتصف علاقة الإنسان بالمكان، وعنوان النص جاء سطراً طويلاً: (في حضرة النيل سيف الماء ومتنفس الرحمة.. فتنة السراب وملهى الشمس)، وقد كتبته حنان بيروتي على هامش مشاركتها في مهرجان البحراوي للإبداع الثقافي النسائي العربي الأول في السودان وحصولها على جائزة القصة القصيرة لعام 2005. كما جاء عنوان النص الثاني: (بين كفّي الصّخر الوردي.. رسومات تتحدى الزمن وتعانق الخلود)، وهو نص نثري مفتوح على المكان، متمثلاً بالمدينة الوردية (البتراء).

الجزء الثالث من الكتاب: (نصوص الحياة)، النص الأول (ثمة مطر)، وهو خاطرة في يوم ماطر بإسلوب سرد قصصي، أما النص الثاني فهو (حوار على الهامش)، وهو حوار بين اثنين مجهولين حول مشهد مسرحي فنتازي.

والنص الثالث: (ارتق عمري بما سيأتي من الذكريات)، شهادة إبداعية قدّمت في جامعة آل البيت عام 2002، وهي شهادة إبداعية بإمتياز لغة وأسلوباً، وهي تستحضر الماضي ولحظات الحاضر في تجليات الكتابة النثرية.

ثم يأتي بعنوان آخر في صفحة مئة وستة وثلاثين (شذرات)  فنتبيّن أن حنان بيروتي شاعرة، تقدم مقاطع شعرية في لغة تصل لمواطن الشعور الإنساني مباشرة، وتنقسم هذه المقاطع إلى قسمين كما أظنّ- القسم الأول من (1-24) أما المقاطع في (25)، فهي عبارات تمثل تجربة الحياة العميقة، وهي حكم تنثرها الكاتبة أمام القرّاء في لغة شعرية. ثم تأتي قصيدة (في مدينتي) فتقدم صورة شعرية لمدينة تتصف بالقبح.

في قسم آخر من الكتاب تحت عنوان: (نصوص القلب) هناك نصوص نثرية (حضور محتمل)، و(الحكم عليك بالنسيان)، و(وأسند قلبي إلى جذع دمعة)، و(مزهوة باخضراري)، و(حضور)، و(مساحة حنين)، و(مدى مؤجل من الأمنيات)، و(دعوة).

تبقى هذه النصوص النثرية تحمل عمق تجربة قاصة مبدعة، قدّمتها للقارئ بلغة جميلة، تتوالد منها الصور الشعرية، فهي نصوص تلامس شغاف القلب، وتهز وجدانك من الأعماق.

* ناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش