الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في ملفات ويكيليكس العرب بعيون الامبراطورية<br /> إسماعيل الشريف

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

«الفرق بيني وبين مارك زوكربيرغ – مؤسس فيسبوك- ، أنهم يعتبرونني وغدا، مع أنني أوفر معلومات سرية مجانية عن المؤسسات، ويعتبرونه رجل العام، مع أنه يبيع معلوماتكم الخاصة للمؤسسات مقابل المال» – جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس

لا بد أنك سمعت عن موقع ويكيليكس، الذي أصبح مصدر إزعاج للعديد من الدول، فهو مؤسسة صحفية غير ربحية، ينشر معلومات ووثائق سرية من مصادر مجهولة، تأسس عام 2006 على يد جوليان أسانج.

لغاية الآن فإن موقع ويكيليكس نشر 2325661 وثيقة سرية تضم 2 مليار كلمة، لو تمت طباعتها فستخرج في 30 ألف مجلد.

مع إشراقة كل صباح فإن 71 ألف شخص في 191 بلد يتوجهون إلى أعمالهم في 27 وكالة تابعة للحكومة الأمريكية، منها وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومختلف الأقسام العسكرية. يعملون في 276 مبنى محصن حول العالم، من ضمنهم 169 سفارة أو بعثة لوزارة الخارجية الأمريكية.

وفي داخل كل سفارة، سفير ودبلوماسيون مسؤولون عن مجالات مختلفة، وباحثون متخصصون، ومدراء، وجواسيس بغطاء دبلوماسي، وممثلون لمختلف الوكالات، بعضها لديها قوات عسكرية وقوات تدخل سريعة، ولديها شبكة اتصالات قوية مع الوطن ومع البوارج والطائرات التي تجوب أركان العالم، بعض أنظمة الاتصالات هذه تستخدم للتجسس وبعضها لقطع أنظمة الاتصالات المحلية أو التشويش عليها.

أعتقد بأننا بدأنا بتكوين فكرة عن وزارة الخارجية الأمريكية التي تمثل جميع عناصر القوة لأعظم امبراطورية على مر العصور، فهي تمثل المخابرات والجيش وناسا وتنسق بينهم جميعا، ووزير الخارجية هو مندوب المبيعات الأول للاستعمار الجديد القائم على التجارة الحرة، ويمكن استخدام القوة لتحقيق ذلك، رافضا دائما زيادة المساحة الجغرافية للامبراطورية ضامنا على الدوام التفوق الإقتصادي .

وأعتقد بأننا بدأنا أيضا استيعاب سبب الاهتمام المبالغ فيه بالسفيرة الأمريكية التي شاهدناها قبل أسابيع من قبل سياسيينا ، ونفهم الآن سبب نشاط السفراء في بلادنا، فالسفير يقود سفارة فيها سبعة وعشرون وكالة أمريكية، على رأس أولوياته العمل على استمرار تفوق الامبراطورية وإدارة أعمالها.

وهذه المنظومة المعقدة، ظهرت لأول مرة عام 1973 عندما عين هنري كيسينجر وزيرا للخارجية ومستشارا للأمن القومي في آن واحد، معلنا حقبة جديدة في اندماج العلاقات الخارجية والقوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الاقتصادية.

دائما كان هنالك نظام اتصالات ومذكرات بين أقسام الوزارة، ثم تغير هذا النظام أيام كيسنجر ليؤسس نظام اتصال جديد بين مختلف الوكالات، من حيث كتابتها وفهرستها البرقيات، فوثائق وزارة الخارجية تمر بمراحل غاية من التعقيد ويفرض عليها نظام رقابي صارم منعا لتهريبها للإعلام أو جهات أخرى لما تحتويه من معلومات سرية، فمثلا، الشخص الذي يرى وثيقة ما، لا يسمح له أن يرى نفس الوثيقة إذا ما أضيف إليها معلومات من وثيقة أخرى.

وبدأت هذه الوثائق والمذكرات تتسرب لموقع متخصص لنشرها هو ويكيليكس، مما سبب إحراجا كبيرا للحكومة الأمريكية، فهذه الوثائق قد كشفت عن سياسات الولايات في العالم ودورها في العديد من الأحداث، مما دفع الحكومة الأمريكية في عام 2007 لإصدار فتوى تحرم وتجرم قراءة ونشر وثائق ويكيليكس، ومنعت أدوات البحث من البحث في أي من مواقع الوثائق المسربة، ومنع استخدام هذه الوثائق كمراجع للأبحاث في الجامعات الأمريكية.

في هذا البحث سأحاول من خلال مراجع عديدة والربط بين عدد كبير من البرقيات والوثائق لننظر سوية إلى سياسات الامبراطورية الأمريكية وتأثيرها في عدد من الأحداث التي جرت وتجري في منطقتنا .

يوجد عدد من المراجع الهامة عن وثائق ويكيليكس ، أهمها كتاب

WIKILEAKS FILES : THE WORLD ACCORDING TO US EMPIRE

وساهم في هذا الكتاب عدد من الباحثين على رأسهم مؤسس ورئيس تحرير موقع ويكليكس جوليان أسانج.

أمريكا والطغاة

دأبت الولايات المتحدة على مهاجمة الأنظمة الاستبدادية، وأحيانا تشن حروب مختارة على هذه الأنظمة إذا تطلب الأمر، وتفضح الوثائق أن للولايات المتحدة تحالفات مع عدد كبير من الأنظمة الاستبدادية، وبنفس الوقت فأنظمة أسقطتها الولايات المتحدة كانت تعد أهم حلفائها في السابق كصدام ونوريغا!

ومن الأمثلة الواضحة على دعم الولايات المتحدة للطغاة، جوربانجولي حاكم تركمانستان ، ففي عام 2009 أرسلت برقية من السفارة الأمريكية تتحدث عن استبداد جوربانجولي، ولكن الذي أوصله إلى الحكم عام 2006 هو الولايات المتحدة، فتركمانستان تقع في مركز حوض نفطي كبير وتوفر ممرا للولايات المتحدة لأفغانستان، وفي نفس عام إرسال البرقية توقفت كلينتون في تركمانستان والتقطت لها صورة مع الرئيس، وفي تصريح لها قالت أن مسألة حقوق الإنسان ليست على رأس الأوليات في هذه الفترة، وفي العام الذي تلا الزيارة زادت المساعدات الأمريكية العسكرية من 150 ألف دولار إلى 2 مليون دولار، وفي عام 2012 حصل جوربانجيلي على %97 من الأصوات وما زالت الولايات المتحدة تتمتع بعلاقات دافئة مع الديكتاتور.

بعد الحرب العالمية الأولى أرسى وودرو ويلسون – الذي كان مستشارا لعدد من الرؤساء – ما سمي بعقيدة الليبرالية الدولية، وتفهم هذه العقيدة على أنها تبرير لاستخدام القوة العسكرية والتدخل بحجة حماية أو إنتاج نظام عالمي ليبرالي وهو نظام ديمقراطي اقتصاده حر ويحكمه قانون دولي.

وبدأت محاولات تطبيق هذا النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من رفض هذه العقيدة للاحتلال العسكري إلا أن الولايات المتحدة احتلت الفلبين، وأرسلت قوات إلى هاييتي وبنما ونيكاراغوا، وتدخلت الولايات المتحدة في الثورة المكسيكية عام 1914.

ومع الوقت ترسخت فكرة مفادها أن السيطرة على الأراضي أقل أهمية من التحكم بالأسواق وتطبيق الرأسمالية والسيطرة على الثروات الطبيعية، ففي سوق عالمي تسيطر عليه الولايات المتحدة يتيح لها السيطرة على خيرات العالم وحرية الاستثمار سيعود بوفر مالي هائل على البلاد، وهذا كلفته أقل ومردوده أكبر من احتلال الدول عسكريا، وظهر في تلك الفترة لأول مرة مصطلح «حق تقرير المصير» وتحت هذا المصطلح وبحجته خاضت الولايات المتحدة أعتى الحروب، واستغل هذا المصطلح لتحقيق مصالح الامبراطورية وبالطبع لم يسمح باستخدامه في في الدول المستعمَرة!

وفي الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المتحدة بالاستيلاء على عدد من المستعمرات البريطانية كأحد الشروط للوقوف بجانب الحلفاء، وعندما بدأت حركات التحرر من الاستعمار بالظهور أشيعت نظرية أن هذه الشعوب غير جاهزة لحكم نفسها وهذا يتطلب مرحلة انتقالية قبل الديمقراطية قوامها حكم استبدادي عسكري مستنير، واستخدمت هذه النظرية لتثبيت أنظمة حكم ديكتاتورية أو التخلص من حكام يساريين، فدعمت حكم الديكتاتور موبوتو في الكونغو بعد الاستقلال، وهو شي منه في فيتنام، وخاضت حربا ضروسا في كوريا لثبيت الحكم الاستبدادي آنذاك، ودعمت انقلاب سوهارتو على سوكارنو في إندونيسيا.

وفي الشرق الأوسط ورثت الولايات المتحدة غنيمة بريطانيا، ودعمت أنظمة عديدة مقابل الحصول على العقود النفطية وضمان انسياب النفط إلى الأسواق العالمية، وقامت بترتيب الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني مصدق عام 1953، وبعدها دعمت البعثيين العراقيين في انقلابهم على القوميين العرب، وأصبحت دولة الصهاينة الحليف الأهم لها في المنطقة بعد حرب عام 1967 بعد أن انتصرت انتصارا كاسحا على القوميين العرب، وبعد كامب ديفيد أصبحت الديكتاتورية في مصر الحليف الثاني الأهم للولايات المتحدة، وتكشف الوثائق أن خوف الولايات المتحدة الأساسي من القوميين العرب ينبع من تبنيهم لسياسات اشتراكية من شأنها الإضرار بمصالح الولايات المتحدة الاقتصادية.

وفي حقبة ريغان بدأت بالظهور مؤسسات لدعم الديمقراطية في العالم مثل المعهد الجمهوري الدولي، والصندوق الوطني للديمقراطية، ومن خلالها منحت منظمات المجتمع المدني التي تدعم وتمثل السياسات الأمريكية تمويلا سخيا، وفي الوقت الذي كانت تدعم الولايات المتحدة الأنظمة الديكتاتورية كانت هذه المنظمات تعمل على الأرض لترويج الديقراطية، والشواهد كثيرة خاصة في دول أمريكا اللاتينية، وهذه المنظمات استخدمت أيضا لقلب أنظمة حكم ديمقراطية كما حدث في هاييتي عام 2004، أو محاولة قلب حكم شافيز عام 2002.

في مصر رصدت الولايات المتحدة 20 مليون دولار سنويا «لمناصرة الديمقراطية» وفي نفس الوقت كانت تدعم حكم مبارك ب2 مليار دولار سنويا! فالولايات المتحدة تعلم أن وصول ديمقراطيات حقيقية لن يكون بمصلحتها، لذلك فإنها دائما تدعم المعارضة الموالية لها والتي ستكون بديلا جاهزا لو سقط نظام الحكم.

الشرق الاوسط، أغلى جائزة

عندما بدأت الاحتجاجات في ليبيا ثم ما لبثت أن أصبحت انتفاضة مسلحة، وجه القذافي اللوم لمدمني المخدرات وويكيليكس وحملهما مسؤولية انطلاق المظاهرات، في حين حمّل الأسد القوى الخارجية والمؤامرة الدولية مسؤولية مشكلته، ولكن الحقيقة أن الربيع العربي انطلق من تونس، على يد شباب رفضوا التهميش والظلم وغياب العدالة وانتشار الفساد والبطالة، وأدت المظاهرات في تونس إلى فرار بن علي في 14.1.2011.

هذا النجاح في تونس ألهم المعارضة في مصر الذين كان لهم حضور قوي، فقادوا مظاهرات ضد مبارك بدأت في 25 يناير 2011، وتصاعدت هذه المظاهرات إلى أن استقال مبارك في 11 شباط.

وانتقلت حمى الربيع العربي إلى البحرين والسعودية والجزائر وسوريا وليبيا والأردن وأخيرا تركيا، وكانت وثائق ويكيلكس من أسباب إشعال الثورات، فبعض الوثائق بينت حجم الفساد الكبير في الطبقة الحاكمة في تونس أو استئثار المؤسسة العسكرية باقتصاد مصر، وبرقية من السفير الأمريكي في أنقرة يتحدث فيها عن ثمانية حسابات لأردوغان في مصارف سويسرية.

وفي هذا يكتب صالح علي رئيس تحرير المجلة العالمية للقوة فيقول: لقد لعبت وثائق ويكيليكس دورا كبيرا في إشعال الغضب في الشرق الأوسط وتشكيل رأي عام عالمي لفهم أسباب اندلاع هذه الثورات.

بن علي

أحد أسباب سقوط بن علي في عام 2011 كشف ويكيليكس لبرقيتين من السفير الأمريكي روبرت جوديك، الأولى في أيلول 2008 والثانية في آب 2009، الأولى تتحدث عن فساد أسرة بن علي وقمعية النظام، وتقول البرقية بالنص: سواء أكان نقدا أو خدمات أو أراض أو موافقة يجب أن يمر على عائلة بن علي، حتى قاربكم عائلة الرئيس بن علي ستشتهيه، وعادة فإنها تحصل على ما تشتهيه، فيما يبدو أن نصف مجتمع الأعمال في تونس يدعون أن لهم علاقة ببن علي بالمصاهرة، مع أن تونس تواجه تضخما مرتفعا وبطالة عالية ولا شك أن الشائعات عن فساد الرئيس قد سكبت الوقود على النار. والثانية تتحدث عن حقوق الناس، فتونس كانت دولة بوليسية مع حرية تعبير بسيطة وإهدار كبير لحقوق الإنسان، ويشكي السفير عبر برقيته من قيود على البرامج الأمريكية ومؤسسات المجتمع المدني الموالية للولايات المتحدة، وتنبؤ السفير بأن نظام بن علي لن يصمد.

منذ انقلاب بن علي الدموي عام 1987 قام بإعدام كافة معارضيه، ولكن مع هذا فالولايات المتحدة كانت حليفته خاصة في ما سمي الحرب على الإرهاب، فحصلت تونس على دعم عسكري أمريكي سخي، وكانت الدولة العاشرة على سلم المساعدات الأمريكية، وكانت الولايات المتحدة تعلم على الدوام أن الجيش التونسي ليست له أية أهداف خارجية وإنما هدفه الأساسي هو دعم النظام.

ولعل أهم ما كشفته برقيات السفير أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن ترتبط بنظام آيل للسقوط، وبعد فوز أوباما اقترح السفير جوديك أن تحسن الولايات المتحدة من صورتها في الشرق الأوسط، وأن الدعم العسكري للأنظمة القمعية يجب أن يتوقف.

وشعر التونسيون بالمرارة عندما تسربت هذه الوثائق، وشعر النظام بالخوف وفي شهر كانون أول 2010 حجب النظام المواقع التي نشرت هذه الوثائق، وبعد أيام حرق محمد بوعزيزي نفسه واشتعلت البلاد، وبالطبع تعرفون بقية القصة.

سقوط مبارك

في عام 2009 أرسلت السفارة الأمريكية برقية بخلاصة نقاش مع شخصية مصرية كبيرة، تحدثت عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة وكذلك عن موقف الحكومة من المعارضة، تعترف هذه الشخصية بوجود مظاهرات الخبز ولكن الرئاسة ترى أن هذه المظاهرات لا تشكل تهديدا للنظام، ورأت السفارة أن السياسة لا تخرج المصريين إلى الشوارع وإنما يخرجهم الجوع، ورأت السفارة أيضا أن أحزاب المعارضة ضعيفة ولا تتمتع بقاعدة شعبية باستثناء الإخوان المسلمين، لذلك فالمنطق يقضي أن أي انتقال للحكم في مصر سيرتبه الجيش وغالبا ما سيكون لصالح جمال مبارك.

صورت البرقيات الأمريكية الأوضاع السياسية في مصر على الشكل التالي: الذي يحكم مصر صفوة الجيش، وهنالك تراجع ثقافي واجتماعي، وتزاوج السياسة بالمال كل يخدم الآخر، وأثبت النظام أن لديه قدرة على البقاء وحرفية في التعامل مع المعارضة.

وفي برقية أرسلتها السفيرة الأمريكية مارجريت سكوبي كتبت فيها ملاحظة: لقد تعامل مبارك بوحشية مع الأفراد والمجموعات، ولكن فيما يبدو أن ذلك قد ساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي، ومن الواضح أن هذا الديكتاتور مجرب وهو صاحب نظرة واقعية، وفي نفس البرقية حددت الاستفادة التي تجنيها الولايات المتحدة من دعمها لمبارك وهي واضحة: أن تبقى مصر في سلام مع إسرائيل وأن تكون هنالك أفضلية دائمة للقوات الأمريكية في حرية الملاحة في قناة السويس وللطيران الأمريكي حرية الطيران في المجال الجوي المصري.

إذن فالرسائل التي سبقت الثورة كانت على ثقة بالديكتاتور واعتراف بجهوده في خدمة الامبراطورية.

ومن الوثائق الهامة التي تسربت تفضيل إسرائيل لعمر سليمان مدير المخابرات ليكون خليفة مبارك، وهذه الوثيقة لم تترجم للعربية ولم يتم تداولها في مصر، وفي نهايات عام 2010 خرجت وثائق تتحدث عن أن %40 من المصريين يعيش على أقل من دولارين يوميا، ووثائق أخرى تحدثت عن فساد بعض قيادات الجيش، وقوة وبطش وزارة الداخلية، وثروة مبارك وعائلته التي وصلت إلى السبعين مليار دولار، وتحدثت برقيات السفيرة أيضا عن وحشية رجال الشرطة وبعضها قد سجل وتم تداوله.

فعندما قرر مبارك نشر القوات المسلحة في 28 كانون ثاني، تكشف وثائق عن تنسيق عسكري كبير بين كبار القيادات المصرية والأمريكية. وأحرج نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بلاده في زخم الثورة المصرية عندما وصف مبارك بأنه ليس بديكتاتور وأن عليه أن لا يتنحى، وأضاف: إنه حليف لنا، وبلا أية دبلوماسية فقد بين الموقف الأمريكي المؤيد لمبارك، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير كان أكثر وضوحا من بايدن عندما حذر من أن الإطاحة بمبارك سيفسح المجال لسيطرة المتطرفين.

الولايات المتحدة رأت أن مبارك عليه الاستمرار بالحكم ولكن وجب عليه عمل إصلاحات كبيرة، ولهذه الغاية أرسل أوباما صديقه الدبلوماسي السابق ورجل الأعمال فرانك ويسنر إلى القاهرة واجتمع مع رموز المعارضة، وكان واضحا أن مبارك صديق قديم عليه عمل إصلاحات، ووجب عليه الاستمرار في مكتبه لقيادة وتطبيق هذه الإصلاحات.

والسؤال المهم ما الذي عرضه مبارك على بايدن وبلير جعلهما يتمسكان به؟

الجواب هو حالة من الوئام مع إسرائيل حتى لو كانت على حساب الفلسطينيين، فالولايات المتحدة خشيت من أن وصول حكومة شعبية إلى الحكم في مصر ستأخذ مواقف متشددة ضد إسرائيل وأكثر تساهلا مع غزة، بل وقد يقدمون المساعدات للفلسطينيين، وخشي الأمريكان والبريطانيون أيضا من فتح الأسواق المصرية للاستثمارات الأجنبية وإصلاحات اقتصادية واسعة، والغريب أن الولايات المتحدة رأت أن وصول الإخوان المسلمين للحكم سيضمن استمرار الأسواق المفتوحة.

وتكشف وثائق الويكيلكس أن المعهد الوطني للديمقراطية أغفل تصاعد المعارضة المصرية بعد الانتفاضة الثانية عام 2002 وحرب العراق 2003، فسياسة بوش ربطت بين المساعدات العسكرية وتشجيع الديمقراطية، ولكن مبالغ تشجيع الديمقراطية ذهبت إلى التوسع في التجارة الحرة، وبالطبع فهذه السياسة أغرت الأنظمة فجعلتهم حلفاء للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب وتطبيق التجارة الحرة التي وفرت لهم عوائد مالية وغطاء أمريكي، وتحولت مخصصات منظمات تشجيع الديمقراطية إلى منظمات التجارة الحرة.

وتكشف الوثائق أيضا أن الولايات المتحدة حاولت أن تشارك في حركة 6 إبريل مما أدى إلى توتر العلاقة بين مبارك والولايات المتحدة، وكانت المساعدات الأمريكية لحركة 6 إبريل من خلال تمويل ندوات وحلقات دراسية، والتدريب على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف المحمولة لتشجيع التغير الديمقراطي.

ولكن لم تقدم الولايات المتحدة دعما كبيرا مؤثرا للمعارضة المصرية، وتفاجأت كلينتون عندما زارت مصر في آذار 2011 عندما رفضت المعارضة مقابلتها بسبب دعم الولايات المتحدة لمبارك.

] يتبع

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش