الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

احتلالات الأرض الرخوة

تم نشره في الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً



  محمد العامري

مرة اخرى نحاول ان نؤشر على ما يجتاح الثقافة العربية من بؤس بائن بينونة كبرى، بؤس الوعي الذي يتمنطق في كرنفاليات بائدة لا تمكث ولو لساعات بعد مغادرتها، كما لو اننا امام مفاهيم جاهزة تم تبنيها دون وعي بما ينبغي فعله تجاه المتغيرات السياسية والبنى الاجتماعية السريعة، البنى الاجتماعية التي ركلت القراءة جانبا لتنام في وسادة الكترونية كي تصطاد احلاما سريعة لا تعبر عن أي  منظومة نفسية ولا ثقافية تخصنا في الوقت الحاضر.

وارى الى انحسار الجدل في مفاهيم الثقافة الجديدة وما يدور الان هو محض تغميس خارج الصحن، يتم تناوله في المقاهي التي امتلأت فناجينها بالثرثرات السطحية حول مواضيع عميقة.

فلا جدال في مسألة دور الفعل الثقافي في التقدم البشري، فالعالم الان يتحدثون عن الثقافة بوصفها رافدا اقتصاديا، ومحركا مهما لعجلة الرقي الانساني في مواجهة التطرف.

لقد كان غرامشي بوصفه احد أوائل المفكرين الاشتراكيين العظام الذين اشاروا الى عمق خصوصية المسألة الثقافية، وتمظهراتها في تحولات المجتمعات الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء، فمن لم يملك ايدولوجية ثقافية صلبة، وثقافة  تمتلك في تناياها الخطاب الانساني البعيد لا يمكن لها ان تؤسس لشيء ذا اهمية في الاقتصاد والثقافة والسياسة، فما نشهده الان من غياب شبه كامل للنقد الثقافي بشتى انواعه، هو محض وجبة شهية لمحتلي الابداع بغير حق ابداعي، والمسألة واضحة تماما فما نشهده من تجارة للنشر وارتكاب معاصي كبيرة بحق النصوص وتقديمها لقاريء ليس لديه الوقت ليفرز الغث من السمين، هو صورة جديدة لاحتلالات مركبة لارض رخوة من الممكن ان تتيح لاي كائن لديه الفراغ ان يرقص فيها، بل ويجمع من اللايكات بما يتجاوز المديونية الثقافية في الاردن، فما وصلت اليه المديونية المعرفية هو اخطر بكثير من مديونية الدولة الاردنية.

فقد احتشدت الدكاكين الثقافية باعداد هائلة من الشعراء والروائيين، فقد قال لي مثقف عربي مرموق يا محمد اعتقد ان عدد الكتاب في الاردن يفوق عدد سكان الاردن ذاتها، فادهشتني المفارقة التي وصل اليها هذا المثقف واستذكرت مقالا مهما للكاتب المعروف خيري منصور في مقال له في القدس العربي بعنوان « شعراء بلا قصائد روائيون بلا روايات» حيث يقول منصور في بداية مقالته : «في غياب النقد الذي يعادله حضور الممالأة والمقايضات والحكّ المتبادل، فقدت الكتابة وفي مقدمتها الشعر الكثير من هيبتها التقليدية، فهي خارج اهتمام الدولة إلا بقدر ما هي موظّفة لصالح الميديا، أو لاستكمال مهرجانات تهدف إلى حجب الفساد الثقافي، والأنيميا التي أفقدت مهنة الكتابة مناعتها».

فما قاله الكاتب يثير لدينا مجموعة من الاسئلة الخاصة بمبضع النقد الذي اصبح بادِحا لا يستطيع ان يجرح نصا ليكشف عن هِناته او مثالبه، فادرك القاريء الطيب ان كل ما يقع تحت يده هو شعر عظيم فالتبست الاشياء، فقد ضاع فوكو وكذلك ارثر ارمبو ومحمود درويش والمتنبي في خضم المعمعة التي تعاني من فقر الدم الابداعي، فمفردة الحك اشبه بمثل شعبي يقول «حُكْلي تحُكْلَكْ» فالحك اجتاح الفضاء العربي جميعا، فما ان تعرف اسم الشخص الذي ينظم نشاطا ثقافيا ما، حتى تعرف الاسماء التي ستشارك في هذا النشاط دون اعلانها، فقد أُصبنا بفعل قبلي ثقافي اصبح له فساده الخاص، فمأسسة الفساد الثقافي ظاهرة تكد يوميا لتغييب حقيقة النصوص المتجاوزة، واظهار نصوص قبيلتها الفاسدة، والتي تعاني من عماء في مساحة الضوء.

فما خلفتْه مسودات الارض اليباب لاليوت يعتاش عليها هؤلاء لقرون قادمة وكذلك ما تركه بيكاسوم من اسكتشات لعمله المذهل الجيرنيكا يقتات عليه اشباه الفنانين، اننا نمكث في نظرية الشبه بعيدا عن الجوهر.

فقد نحتاج الى نار مجوسية قديمة كي نُجَوْهر ما تقدمه الساحة الثقافية، ليبقى منها ما التصق بالرحيق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش