الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حقائق رحيل درويش وثقافة الهزيمة

محمد حسن التل

السبت 16 آب / أغسطس 2008.
عدد المقالات: 371
حقائق: رحيل درويش وثقافة الهزيمة
* محمد حسن التل

 

كشفت وفاة الشاعر محمود درويش عن مدى عمق هزيمتنا الثقافية التي تشكل اكبر انعكاسات هزيمتنا على كل المستويات ، فكما قلنا سابقا ان الامة عندما تهزم عسكريا تهزم بالقطع اقتصاديا وثقافيا ، وتشكل الهزيمة الثقافية اسوأ صور الهزائم لان هذه تمتد الى هزيمة الروح وانكسار النفس ، وتصبح الامة تبحر في غير محيطها وتخاطب الغير وتتقمصه وتنمسخ في صورته.

لقد جاء رحيل درويش ليكشف مدى ضعف واقعنا الثقافي والتيه الذي وصل اليه ، وهنا انا لا اتحدث عن تكريم الرجل بمراسم الدفن وغيرها فهذا حقه ، ولكني اشير الى القدسية الكبيرة التي احيط بها الرجل ، وهو الذي لو قدرت له العودة الى الحياة لرفضها ، بل وركلها (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ، فقد وصل الأمر بالبعض ان يصف غياب درويش بقطع الامل بعودة فلسطين وان الثقافة العربية الى زوال ، وان الشعر العربي توقف عن الابداع ، واخرون وصفوه بالاسطورة التي لن تتكرر ، وأحدهم قال ان نموذج درويش لن يتكرر الا بعد الف عام، وكأن رحم الامة توقف عن الولادة وكثير من الامور التي اعتقد أنها اساءت للرجل اكثر مما كرمته ، فنحن عندما نطلق العنان للعواطف الخادعة لتتحكم بمواقفنا ومصطلحاتنا ، نكتشف اننا اوغلنا في الخطأ وتشويه الصورة.

لا أحد ينكر قيمة محمود درويش ودوره في الثقافة العربية الحديثة ، ولكننا ننكر هذه القدسية التي احاطه بها البعض ليعبروا عن نقص في تركيبتهم ومفاهيمهم الثقافية العاجزة ، واعتقد ان البعض بالغ بالحديث عن درويش وعلاقته المزعومة به ، (حيث اكتشفنا بعد الوفاة ان درويش تربطه علاقة شخصية وخاصة بالالاف الذين يعملون او يحسبون على الوسط الثقافي ولا اقول المثقفين،،) ، ووجدوا بوفاته فرصة ليعبروا عن النقص الذي يشعرون به تجاه الرمزية التي ربما شكلها محمود درويش.

لقد اصيبت الثقافة العربية منذ عقود طويلة بالعجز نتيجة دخول دروب جديدة من الوان الثقافة الدخيلة ، فقد حل ما سمي بالشعر الحر مكان العامودي ، حيث القافية والبحر والمعنى الذي يخاطب الروح ويوثّب النفس ، وجاء هذا الشعر في معظمه ليمسخ المعنى ويحجم الصورة ويشوه القافية ، وحلت ما سميت بالقصة القصيرة مكان الرواية فجاءت في معظمها أيضاً بكل هذا المسخ لمفهوم الكتابة.

قلنا ان رحيل درويش كشف عن مدى تخبطنا الثقافي وشططنا في استعمال المفردات والمعاني ، انا لا افهم ان يقول أحدهم ان درويش انتصر على الموت اكثر من مرة، اي اسقاط سخيف هذا؟ فأي مخلوق يستطيع ان ينتصر على قدر الله المتمثل بسهم الموت ، ولو قال انه انتصر على المرض لقبلنا ، أما ان تصل الامور الى هذا الحد من الشطط ، فهذا أمر يدعو الى التفكير مليا بواقعنا الثقافي والذين يعملون في ساحاته وبالتالي محاولة تنظيفه من الشوائب التي علقت به نتيجة ازمان الانحدار والهزيمة.

محمود درويش كما قلنا شاعر عربي ربما نعتز به كشاعر ، مع عدم اتفاقنا مع بعض مواقفه السياسية وهذا حقه وحقنا ، أما ان يتخيل البعض ان بنهايته يغيب الحق العربي في فلسطين وأن هذه القضية الى هنا انتهت وان الشعر العربي لن يلد مثله ، فهذا نرفضه وترفضه روح درويش نفسه ، فالموت غيب كثيرا من عمالقة الشعر والادب العربي الحقيقي وبقيت المسيرة مستمرة وبقيت الثقافة العربية ابان عزها تلد الافا من العباقرة من الادباء والشعراء تفتخر بهم الانسانية جمعاء ، اما التعلق بالاشخاص فهو تعبير حقيقي عن عصر الهزيمة والتراجع والقحط الثقافي.

كل ما سبق لا ينقص درويش قيمته ، ولا شك ان موته ربما يؤثر سلبا على الابداع الثقافي في الوطن العربي ، ولكن هذه المسيرة لن تتعطل وستلد الامة شعراء وأدباء رغم الهزائم والانكسار وسيقيض لثقافتنا العربية والاسلامية من يصحح مسارها ويخلصها من بعض الصغار «الذين يمرون بين الكلمات العابرات» والذين يحسبون انفسهم عليها.

ورحم الله درويش ومئات الشعراء والأدباء العرب الذين مضوا دون أن يأخذوا حقهم من التكريم رغم عبقريتهم وتميزهم.

التاريخ : 16-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش