الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جورج حداد . مسند حبّ ومكمن نجوى

محمد حسن التل

الاثنين 29 حزيران / يونيو 2009.
عدد المقالات: 371
جورج حداد .. مسند حبّ ومكمن نجوى
* محمد حسن التل

 

من أصعب الامور على النفس والروح ، ان يتهاوى من تحبهم ومن عشت في ساحاتهم ، واحدا تلو الاخر ، بدءا بوالدك.. وليس انتهاء بأحد معلميك.

الاستاذ جورج حداد الذي صدمنا ناعيه امس الاول ، واحد من الكبار الذين عايشتهم ، على امتداد اكثر من عشرين عاما ، منذ بدايات عملي في الصحافة ، حيث شاءت الاقدار ، ان اكون مسؤولا عن مقاله في "الدستور" طيلة السنوات الماضية ، وان يكون الواحد في بداية عمره المهني ، مسؤولا عن اجازة مقال كاتب كبير كالراحل جورج حداد: فهذه مسؤولية ليست بالسهلة ، فالرجل كان يتمتع بفكر عميق ، وقلم جريء ، ورأي مسدد ، لا يخشى فيه لومة لائم ، واعترف انني حتى بعد ان تسلمت زمام المسؤولية الاولى في تحرير "الدستور" ، ظلت يدي ترتجف عندما أهمّ بشطب عبارة من مقالة ، تكون في مقاييسنا تجاوزت السقف ، لانني كنت اعرف ان صباح اليوم التالي ، سيكون عاصفا عبر مكالمة من ابي ادونيس ، لا تخلو من شتائمه المحببة ، التي تتحول الى نصائح ، وكالعادة يشتد الجدال الممزوج بالمحبة ، وتنتهي المكالمة بصلحة ، ثم اعود في اليوم الثاني الى نفس فعلتي ، ويعود هو الى وخزه؟،.

الاستاذ جورج حداد واحد من القلائل على مستوى الوطن العربي ، فهم خطورة الصهيونية على امتنا ، وظل ينادي ويحذر من هذا الغول المفترس ، حتى اخر نفس لفظه. عشق وطنه الاردن عشقا لا حدود له ، وقاتل عن الهوية الاردنية ، على امتداد اكثر من نصف قرن ، لترسيخ الهوية الوطنية في اذهان الاجيال ، كتب في سبيل ذلك آلاف المقالات ، والقى مئات المحاضرات ، التي تدفع في هذا الاتجاه ، حتى على مستوى الاغنية ، حيث كتب كلمات عشرات الاغاني الوطنية ، في وقت كانت تشتد به ، الهجمة على الهوية الاردنية. كان ابو ادونيس ، الذي جرحنا غيابه امس الاول ، فارسا في هذا المجال ، لانه كان يعتبر الفن النظيف جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السليمة.

فلسطين كانت بالنسبة له ، جرحا عميقا في خاصرة الامة ، وكان يردد ان الامة لن تقوم لها قائمة ، حتى تدفن هذا الجرح ، ولن تنتصر في معركتها المصيرية في فلسطين ، الا بعد ان تفهم الصهيونية على حقيقتها ، وظل ينادي أن صراعنا مع اليهود ، صراع وجود لا صراع حدود.

قاتل بشراسة الفارس ، ليكشف تأثير الصهيونية على المسيحية ، وكان رأيه في هذا الموضوع واضحا ، وكما دافع عن المسيحية ، دافع عن الاسلام بضراوة ، خصوصا في العقد الاخير ، الذي حاول الغرب به ، تشويه صورة الاسلام ، وكان يعتقد ان اسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومسيحية سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام ، من مشكاة واحدة.

غاب امس الاول جورج حداد بجسده ، ولكن امثاله لا يمحون من ذاكرة امتهم ، لانه ظل ثابتا على مبادئه ، وواثقا من نصر امته ، حتى اخر لحظة من عمره.

ابو ادونيس ، كان مدرسة في الصحافة النظيفة ، والفكر العروبي النظيف ، وشكل حالة خاصة في هذه الميادين ، على امتداد عقود طويلة ، ولمن لا يذكر: فان عنوان هذا المقال ، هو نفس عنوان مقال الاستاذ جورج حداد ، في رثائه لوالدي رحمه ا لله تعالى قبل ثمانية اعوام ، "حسن التل مسند حب ومكمن نجوى" وبالفعل كان الراحل جورج حداد مسند حبّ لكل من حوله ، ومكمن نجوى لهم.

وها انا احاول ان ارد له بعض الجميل بعد التحاقه بأحبابه ، تُرى هل نجد من يكتب عنا عند رحيلنا في هذا الزمن الرديء ، ان كنا نستحق الرثاء؟.

وداعا يا ابا ادونيس ، وداعا لمحبتك ، وداعا لعنفك المحبب ووداعا لواحد من الكبار ، الذين نفتقدهم عندما تشتد الازمات ويزدحم الخَطْب ، انه الموت يا سيدي ، الحقيقة التي قهر الله تعالى بها عباده ، والتي لا نملك الا ان ننحني امام عظمتها رغم قسوتها.

وفي النهاية ، لا املك الا ان اردد موال الحزن الاردني ، الذي كان يردده الراحل دائما ، ورددّته امهاتنا وجداتنا: "جديد يسلّم عالعتيق ، يُقلّه ترى صاحبك من يوم الفراق حزين".

التاريخ : 29-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش