الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دور «المؤاساة» في مواجهة أزمة الاحتكار.. رؤية فقهية

تم نشره في الأحد 8 كانون الثاني / يناير 2017. 09:57 مـساءً

 عمان - الدستور ووكالات

يلجأ بعض المسلمين خلال فترات الأزمات إلى محاولة تخزين العديد من السلع تحسبا لما يمكن أن يترتب على هذه الأزمات من شح لها في الأسواق، بينما يلجأ البعض الآخر إلى احتكارها حتى يرفع سعرها فيما بعد، بهدف تحقيق المكسب المادي السريع، لذا شدد الشرع عن التحذير من هذه السلوكيات التي تنافي الدين، وهو ما أراد أن يؤصله الدكتور محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، بجمهورية مصر العربية خلال بحثه المعنون بـ(الرؤية الإسلامية في مواجهة الاحتكار).

أستهل عفيفي بحثه بالحديث عن مفهوم الاحتكار، حيث أورد أقوال الفقهاء عن الاحتكار ومعانيه، منها ما قاله ابن قدامة في المغني: وأن يكون الشيء المُحتكر من الأقوات التي يحتاج إليها الناس، وأن يُلحِق المُحتكر الضرر بالناس من جراء ذلك الاحتكار، مشيرا أن هذا السلوك في باطنه يعد نوعا من الظلم، واستغلال حاجات الناس لتحقيق الكسب، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (ابن ماجه).

كما أشار فضيلته أن الاحتكار أحد مظاهر الأنانية وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة مما يكون سبباً في خلق الأزمات في المجتمع، وظهور الغلِّ والحقد بين فئاته وقد عمل الإسلام على محاربة ذلك من خلال الحث على توفير السلع التي يحتاجها الناس بالأسعار المناسبة، والسعي في جلبها وضمان وصولها إلى مستحقيها.

كما أشار أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة الحياة التي نعيشها تعج بصور الأنانية والاستغلال بدءًا من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع، فهناك فئات من الآباء والأمهات تقوم علاقاتهم بأبنائهم على الأنانية والأثرة، وعلاقة فئات من الأبناء بآبائهم وأمهاتهم على هذا الحال أيضاً، وهناك فئات من الأزواج تقوم علاقتهم بزوجاتهم على الاستغلال منذ لحظة الاختيار، إنه زواج المصلحة الذي لا يهتم بالمودة والرحمة، بل تحركه المنفعة، فهناك صور كثيرة من العلاقات القائمة على المنفعة الشخصية، مما ينعكس سلبًا على واقع الحياة.

وأن تلك الذهنية التي تنطلق من المصلحة الشخصية دون الاكتراث بمصالح الناس، تعد بمثابة البيئة الحاضنة للاحتكار مما يجعلنا بحاجة إلى التعرف على نظرة الإسلام لهذه الأزمة التي تُمنى بها المجتمعات، وكيف يكون التعاطي مع الظروف القاسية التي يمر بها الناس، هل يقنع الإنسان بدور المتفرج أم يكون له دور إيجابي يسهم من خلاله في حلّ الأزمة، بدل أن يكون من أسباب الأزمة.

أما عن كيفية التعامل مع تلك الأزمات، استشهد بما نقله القرآن الكريم من موقف الأنصار من المهاجرين قال تعالى: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (الحشر:9)، لقد سجل القرآن الكريم تلك الصورة الرائعة من الإيثار الكريم والتطوع العظيم ليكون درسًا عمليًا للناس على مرّ الأجيال.

يقول الطاهر بن عاشور إنك إذا أعمقت التدبر وجدت المؤاساة من مقتضيات الفطرة، فليست المؤاساة بحاجة إلى إيوائها تحت ظل الأخوة، لأن المؤاساة كفاية حاجة المحتاج عند الشعور بأنه محتاج، ومن الفطرة الإنسانية انفعالُ النفس برقة ورحمة عند مشاهدة الضعف والحاجة لاستشعار تألم المحتاج، ثم اندفاعٌ بذلك الانفعال إلى السعي في تخليصه من آلام تلك الحاجة، لا يتخلف هذا الإحساس إلا نادرًا، عندما يحف به عارض يعكسه إلى ضده مثل حال عدم الرأفة مما يُتقي أذاه كالعقرب والسبع.

فالمؤاساة أصل من أصول نظام الإسلام وكانت من أول ما دعا إليه الإسلام ونزل به القرآن في أوائل نزوله قال تعالى:} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16){[البلد:12-16]، ومن آي سورة المدثر وهي أول القرآن نزولاً: }مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ{ المدثر:42-44.

لقد تسابق الأنصار إلى المواساة كل بما يجد فكانوا يواسون المهاجرين بدورهم للسكنى وبأن عرضوا على المهاجرين أن يعطوهم ثمرة نخيلهم، فقال رسول الله: «لا ولكن يكفونكم العمل ويأخذون نصف التمر» (البخاري).

وأختتم عفيفي بحثه ببيان أن هذه هي الرؤية الإسلامية في مواجهة الأزمات والإسهام في حلها بشكل عملي يُشعر المسلم بواجبه الإنساني نحو الناس جميعاً المسلم وغير المسلم، فعلى عهد رسول الله صلى الله عليم وسلم مر المسلمون بأزمات اقتصادية طاحنة في حصار قريش للمسلمين في مكة وفى الهجرة وفي غزوة تبوك وتجهيز جيش المسلمين وفي عام الرمادة سنة 18هـ في عهد عمر بن الخطاب لكن كيف تم التعامل مع هذه الأزمات؟

فمن الأمثلة الرائعة على عهد رسول الله، عثمان بن عفان كان أجود الناس بماله في كل محنة وشدة أصابت المسلمين، فعندما قدم النبي المدينة والمسلمون معه شكا المهاجرون من قِلّة الماء، وتغير طعمه، ولم يجدوا بها غير بئر واحدة ماؤها عذب ولكنها كانت ملكاً ليهودي، كان يغالي في ثمنها ويحتكر ماءها، فقال النبي.. «من يشترى بئر رومة غفر الله له» فأتى عثمان بن عفان وتفاوض مع اليهودي واشتراها ليشرب المسلمون منها، ولما ضاق مسجد الرسول بالمدينة بالمسلمين، حث الرسول المسلمين على توسعة المسجد، فقال من يشتري بقعة فلان فيزيدها في المسجد غفر الله له، فتقدم عثمان واشتراها وضمها لمسجد رسول الله.

إنه نموذج رائع للعطاء والتضحية والقدوة في مواجهة الأزمات، هذا النموذج يُشعرنا بدورنا المجتمعي في مواجهة أزمة الاحتكار وبيّن قدرة كل إنسان على حلّ تلك الأزمة ومساعدة المحتاجين، والتخفيف من معاناتهم من خلال العديد من السُبُل لكن شريطة التسامي على حظوظ النفس والمصلحة الشخصية وتغليب المصلحة العامة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش