الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مهدي الكرنز .. مرب عتيق يغادر الدنيا حبورا وقورا دونما تلمس للأضواء

د. مهند مبيضين

الثلاثاء 1 أيار / مايو 2012.
عدد المقالات: 1176
مهدي الكرنز .. مرب عتيق يغادر الدنيا حبورا وقورا دونما تلمس للأضواء * د. مهند مبيضين

 

توفى فجر الخميس المربي والتربوي مهدي الكرنز، تربوي معتق، تحاشى كل الاضواء، وكان في سيرته الكثير مما يذكر، ويستحق التذكير بعدما كنت اجريت معه لقاءً بتاريخ 15/2/2010، وكان يومها المعلمون في بداية حراكهم المطالب بالنقابة، وكان يحن ويأمل ان يرى النقابة وهي مؤسسة وطنية تربوية، وظل يردد ان الأصعب هو ما لم يأت بعد في التعليم.

قدّم الكرنز لوزارة التربية نظام عمل المدارس لفترتين، وأسهم في أواسط الثمانينيات من القرن المنصرم بوضع خطة الدولة لتنمية التعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصر كبار وزارء التربية، محمد نوري شفيق وإسحق الفرحان وعبدالسلام المجالي وذوقان الهندوي وغيرهم.

كان يرى أن إصلاح التعليم أساسه تحسين ظروف المعلمين، وتوفير المعلم الجيد لا يتم إلا بعودة الوزارة لنظام ابتعاث المدرسين الذي كانت تطبقه أواسط الخمسينيات من القرن المنصرم.

ولد المرحوم مهدي حسين الكرنز في بلدة الفالوجة، جنوب غرب الخليل بـ40 كيلو مترا، العام 1939، ولقب «كرنز» تركي يشير إلى معنى الشقاوة، وجزء من العائلة يسمى بالكيلاني.

التحق بمدرسة قرية الفالوجة في العام 1946، وظل حتى العام 1948 «تركها بعد الثالث الابتدائي بسبب الحرب والاحتلال». إذ وصلت العائلة قرية دورا الخليل، وفي مدرستها أتمّ بقية صفوف الدراسة، لكنه أنهى التوجيهي في مدينة الخليل.

مراحل الدراسة مخزن الأصدقاء، ومنهم ساكب النجار وعدنان أبورجب وعبدالفتاح النجار والمهندس وليد الدويك، ومن معلميه: توفيق القيسي، وعرفات التكروري، وأكرم دودين، ومحمد موسى، وجميل بنوره، وعثمان قطيط، وغيرهم.

بعد الثانوية، درس في العام 1957 السنة الأولى في الكيمياء بجامعة بيرزيت، وبعد عام أرسل في بعثة دراسية للجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الكيمياء، الطريق لبيروت كانت صعبة «عند منطقة عالية بين دمشق وبيروت كانت مغلقة؛ بسبب الحركات المسلحة بين القوميين السوريين وحزب الكتائب.. ومكث أسبوعا حتى فتحت الطريق». وفي بيروت «سكن بالجامعة، وبدأ الأمن غير مستتب ثم هدأت الأمور بعد قليل».

بيروت كانت موئلا، وملتقىً لمجموعة من الأردنيين المبتعثين وغيرهم، ومنهم محمد الجابري وأحمد التقي من مبعوثي وزارة التربية والتعليم، والمهندس نور الدين الجوهري، وعبد الرؤوف الروابدة، وعمر الشيخ «كان العدد الكبير منهم من الصيادلة والمهندسين، وبشكل خاص في الزراعة، ومنهم منصور بن طريف رحمه الله.

أساتذة المرحلة المؤثرون بحسبه، منهم قسطنطين زريق، وعبد العزيز الدوري، ومحمد يوسف نجم، وإحسان عباس، و»كان هؤلاء مؤثرين والوعي السياسي طاغ عليهم».

الأفكار، كانت تتضارب بالطلبة ومتاحة للكل «حزب التحرير كان مطارداً، لكننا كنّا نجد منشوراته في المكتبة، الحياة السياسية كانت مفتوحة، وكنت أذهب وأحضر جلسات مجلس النواب، التي كانت مدرسة بالنسبة لنا، ولم أتأثر سياسيا، فلم أذهب للأفكار القومية.. بسبب ثقافتي الدينية».

تخرج العام 1961 في الجامعة الأميركية، فعيّن مدرسا للكيمياء في المدرسة الفاضلية، كان معه في التدريس المرحوم خالد الردادية وعبد الله الهندواي، وبقي في المدرسة الفاضلية حتى العام 1964؛ إذ أرسل بعدها في بعثة دراسية للجامعة الأميريكة في بيروت لدراسة الماجستير، وكان معه في رحلة الابتعاث الثانية أحمد التل وصالح الزعبي ومنذر صلاح وسعد مجاهد وأحمد التقي.

لم يستمر كثيراً في بيروت «آنذاك أرسلنا كلّنا لدراسة التربية وجاء بذهني ترك التربية وإتمام دراسة الكيمياء». حاول تعديل بعثته، لكن الوزارة رفضت.. راسل جامعة الشرق الأوسط التكنولوجية في أنقرة، وقبل فيها وتخلى عن البعثة في الجامعة الأميركية، وكان «معه منذر صلاح وسعد مجاهد».

اعتبروا جميعا فاقدين لوظائفهم بحكم القانون، وصاروا مطالبين بالتزام البعثة، وتشمل رواتب عمل ثماني سنوات، لكن الصدف أحيانا تحل المعضلات يقول: «كنت في زيارة للسفارة الأردنية في أنقرة، والتقيت بالدكتور محمد نوري شفيق، الذي صار وزير تربية، فعاتبني: أين أنتم أيها الهاربون فقلت له ما حصل، فطلب أن نرسل له كتاباً بتأجيل الخدمةـ وكتبنا له فأجّل لنا الخدمةـ بدل المطالبة بالالتزام».

عاد لعمان بداية شهر شباط(فبراير) 1966، وعين موجهاً تربوياً في لواء إربد، الذي كانت تتبع له تربية المفرق وجرش وعجلون.

إمكانات التعليم آنذاك «ضعيفة جداً برغم إخلاص القائمين على التربية، أذكر أنه كان في قرية بلعما التابعة لجرش معلمة في مدرسة مكونة من غرفة واحدة، وكل طالباتها يتقنّ كلّ المهارات، وسألت عن السبب، فجاء الجواب أن المعلمة تبقى في المدرسة طوال الوقت؛ ما يتيح للطالبات الذهاب إليها بعد الدوام وتعلم المهارات».

شهد الكرنز الحالة ذاتها في منطقة «سبع اسير» في المفرق، لم تكن هناك أيّ مفردة من مفردات المدارس الحالية، لكن الناس كانوا «مؤمنين بالعمل وبأهمية العلم ومكانة المعلم «أذكر أنهم كانوا من قرية راجب يرسلون الخيل للمشرف حتى يزور المدرسة».

كان يتذكر من مديري إربد الذين خدم معهم عبد الوهاب الخطيب، والوزير أحمد العقايلة، ومصطفى الكسواني، بعد فترة وجيزة غادر إلى قطر في إجازة إعارة؛ للإشراف في دار المعلمين «أنهيت إعارتي لما وجدت تلاعبا في الاتفاق الذي أبرمته، ولم أرتح فعدت إلى إربد».

عاد لعمله في تربية إربد موجها، ثم لما تأسست الجمعية العلمية الملكية أعير لها في العام 1971، بدأ باحثا، وانتهى مديراً لدائرة البرامج التربوية، عمل مع مديري الجمعية، ومنهم انطوان زحلان، ثم كامل جبار، وعبد السلام المجالي «بعهد المجالي انتهيت من إعارتي العام 1974، ثم عدت لإربد مساعدا لمدير التربية».

انتقل بعد العمل في إربد مساعدا فنيا لتربية «ضواحي عمان» لمدة أربع سنوات، بعدها عمل مستشارا ثقافيا في السفارة الأردنية في بلغراد، وظل مدة ثلاث سنوات بين عامي 1978-1981.

يروي حياة وظروف الطالب الأردني هناك، لكنه أثبت في عمله أن عمل الملحق الثقافي ليس البقاء في مكاتب السفارة، عدد الطلبة كان نحو3000 طالب «كانوا مسيسين ويبقون فترة طويلة بالدراسة «أذكر أن أحد الموظفين في السفارة وقال بدنا نصدق على شهادة صاحبها له 19 سنة».

الأردنيون في بلغراد عاشوا حقبة مهمة، فيها السياسة وقلة المال المرسل، وآمال الأهل الضائعة، أوالتي كانت تتحقق «بعد نشاف الدم في أجساد الآباء»، تأخر الطلبة دراسيا، بدا أمرا عاديا «كانوا في وضع تعيس أغلبهم يتزوجون ويكذبون على أهلهم، وهم مخفقون في مسارهم التعليمي وتنقطع اخبارهم» يروي قصصا كثيرة «ذات مرة جاء سؤال عن طالب طب اختصاصي، ولما أجريت الاتصالات وجدت أنه لم يكمل السنة الأولى من الجامعة».

يؤكد أنه تعب كثيرا حتى أرسى قواعد الاتصال مع الجامعات الأجنبية هناك، التي كانت «تعتبر علامة الطالب سرية»، فقام بزيارة رؤساء الجامعات والعمادات الطلابية «كان يجب إقناع الجامعات بهدفنا، وفي النهاية بدؤوا يرسلون النتائج»، لكنه يؤكد أن جزءاً من حالة الطلبة الصعبة كان نتيجة لانعدام التواصل معهم ومتابعتهم من قبل المعنيين.

عاد الكرنز في العام 1981 مديرا للخدمات ثم للشؤون التعليمة في دائرة عمان بالتربية، التي كانت تضم الزرقاء ومأدبا، ثم أصبح مديرا عاما بالوكالة في العام 1985، بعد ذلك انتدب إلى وازرة شؤون الأرض المحتلة «كانت هناك خطة للتنمية في الضفة الغربية وغزة، وقمت بوضع خطة التربية للسنوات الخمس القادمة، وكنت مستشارا للوزير مروان دودين ومديراً لدائرة التربية في تلك الوزارة».

لم يكمل عمله في وزارة شؤون الأرض المحتلة «أنهى وزير التربية، المرحوم، ذوقان الهنداوي انتدابي، وعدت مديرا لتربية وتعليم عمان الكبرى التي تضخمت عمان جدا، وكان فيها 21 ألف معلم يومها».

ظل مديرا لتربية عمان الكبرى «واشترطت عدم الخضوع لأي مداخلات وواسطات ولم أرضخ لأي وساطة من وزير أومتنفذ». جراء ذلك نقل مستشارا للوزير وبقي أشهراً، ثم عُيِّن مديرا لتربية الزرقاء، وبعدها مديرا لتربية السلط، من ثم أحيل مع مجموعة من قيادات التربية إلى التقاعد. ثم أعادتهم محكمة العدل العليا، وكان معه عزت جرادات وذوقان عبيدات، ليعمل بعد ذلك مديرا عاما للتخطيط والبحث التربوي، ثم أمينا عاما مساعدا، حتى تقاعد العام 1995.

من الوزراء الذين أحدثوا أثرا في التربية والتعليم عبد السلام المجالي، وذوقان الهنداوي، وحكمت الساكت «كان طيبا وعادلا ويسمع للموظف»، وعبد الوهاب المجالي.

التربية كانت على الرغم من المال القليل مؤسسية، والكل يعطي» واختلال الموزاين اليوم أدى إلى حالة من التردي «صحيح أن لكل جيل ميزاته لكن المؤسسية كانت موجودة، ولا يعني وجود مدارس متقدمة أننا أفضل حالا إن لم يرافق ذلك تحسين في العقليات أوفي أجواء التعلم».

علة العلل، التي قوّضت أداء المعلمين، كان يراها الكرنز رحمه الله في تدني سلم الرواتب، لذلك صار المعلم «يغيب ويعمل شوفير تكسي أوصنايعي ويطلع في اليوم راتب شهر، هذه العادة بدأت بعد الحرب اللبنانية حيث خرج المعلم من عمله لعمل آخر صار كحيل وطريش..إلخ».

يوم كان أوائل التوجيهي يذهبون في بعثات لدراسة الإنسانيات «تلك السياسة جاءت بمعلمين كبار..»، ويوم كانت الوازرة تنتقي للبعثات خيرة الخيرة وكليات المجتمع لها دور واعتبار كان التعليم بخير «كان التعليم الخاص للضعفاء، وأبناء التجار، وكان خريج المدرسة الرشيدية في القدس مفضلا على خريج المدرسة الخاصة». أصعب مراحل التربية والتعليم في الأردن كانت برأي الراحل هي التي لم تأت بعد، فكان يرى أن الثورة الاقتصادية والتفاوت بين أجور المدرسين وانتشار التعليم الخاص في المنازل جعلت وتجعل من المعلم «لا يكتفي بما يتلقى، وبالتالي ينظر للخارج ليزيد دخله، وهذا أدى لاختلال الميزان بين الطالب والمعلم».

أما أخطر شيء يمر به التعليم فيكمن برأيه رحمه الله في «وضع البيئة المدرسية وبخاصة في الأطراف». وهو مدير لتربية عمان طبق نظام الدراسة بفترتين «قمت بدراسة ووجدت أنه لا بد من نظام الفترتين، وكنت اقتبست التجربة من يوغسلافيا، فمن ناحية اقتصادية أنت تشغل مبنى بضعف العدد، إذا كان المبنى يتضمن خدمات لكل مدرسة، فتوفر قيمة بناء جديد، وتعكس التوفير على راوتب المعلمين، وهذا نظام خلاّق لبلد اقتصادياته، مثل الأردن».

تزوج في العام 1967 من المرحومة نجود سبع العيش، وأنجب منها أربعة أبناء مروان، وهو أستاذ هندسة جامعي، ومعن يعمل مهندسا، ومهند موظف بنك، وناديا تعمل صيدلانية. توفى الكرنز حبورا وقورا هادئ النفس، فجر الخميس السادس والعشرين من نيسان لعام 2012. رحمه الله واسكنه فسيح جنانه.

[email protected]

التاريخ : 01-05-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش