الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مصر .. من اختطاف الثورة إلى اختطاف الدولة

عريب الرنتاوي

السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
عدد المقالات: 3283
مصر .. من اختطاف الثورة إلى اختطاف الدولة * عريب الرنتاوي

 

مُطمئناً إلى نجاحه في إدارة “ملف التهدئة” على جبهة غزة، و”عودة الروح” لدور مصر الإقليمي، والارتياح الأمريكي لأدائه باحتواء “عامود السحب”، والرضا الإسرائيلي لاستئناف مصر دور “الوسيط” و”الضامن” للتهدئة...نفّذ الرئيس المصري محمد مرسي “انقلاباَ أبيض”، جمع بنتيجته، مختلف السلطات والصلاحيات بين يديه، ما حدا بخصومه ومجادليه، لوصفه بـ”الفرعون الجديد” و”الحاكم بأمره” و”الديكتاتور” الذي جاء في أعقاب سقوط “ديكتاتور”.

بموجب الإعلان الدستوري الجديد، حصّن الرئيس قراراته وإجراءاته، من “النقض” و”الطعن”، وأسقط حق السلطة القضائية في الاعتراض على قراراته و”تشريعاته”، وسلبها سلطة تعيين النائب العام...وهو اليوم، رئيس السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، لقد جمعها في شخصه، كما لم يفعل محمد حسني مبارك أو أنور السادات من قبله.

في غياب البرلمان (المحلول)، تصدر التشريعات عن قصر الرئاسة، وفي ظل حكومة بقيادة الإخواني هشام قنديل، دانت السلطة التنفيذية لمرسي وجماعته، واليوم لم يعد للقضاء سوى المصادقة على قرارات الرئيس والتصفيق لها...لقد اختُزلت الدولة في شخص رجل واحد، لم يمض في السلطة سوى أشهر معدودات.

الجمعية الدستورية المولجة وضع دستور جديد للبلاد، باتت حكراً على الجماعة والسلفيين...غادرتها الأحزاب والقوى المدنية، واستقال من عضويتها كتاب ومثقفون، وقاطعتها الكنائس الثلاث، والمستشار القبطي الوحيد في قمة الهرم القيادي المصري، سمير مرقص، قدم استقالته احتجاجاً على الإعلان الدستوري الجديد...لم يبق على مقاعدها سوى ممثلي الإخوان والسلفيين، وهم وحدهم من سيضع دستور مصر ما بعد ثورة يناير...فأي دستور سيصدر عن هؤلاء، وأية ثورة تلك التي يجري اختزالها وتكييفها على مقاس فريق واحد من أفرقائها.

قبل هذه الخطوات، كان الرئيس قد نفذ انقلاباً شاملاً في مختلف مؤسسات الإعلام القومي، ذهب برجالات العهد القديم (غير المأسوف عليهم) وأحل محلهم، رجالاته وأعوانه والمحسوبين على جماعته...هذه هي التعددية التي يبشر بها الإخوان على ما يبدو، وهذه هي الدولة المدنية التي يروجون لها...دولة الإخوان والسلفيين...دولة اللون الواحد، دولة “الحاكم بأمره”...لقد اختطفوا الثورة التي بدأت من دونهم، وها هم اليوم يسعون الى اختطاف الدولة التي يريدون بناءها على صورتهم وشاكلتهم.

وإمعاناً في التضليل، وبغرض تمرير مشروع إحكام قبضة الإخوان والرئيس على مصر، جرى تضمين الخطوات الرئاسية الأخيرة، عدداً من مطالب الثوار...وتحديداً تلك التي تندرج في سياق “العدالة الانتقالية” و”عدم الإفلات من العقاب”...لكأن الإنصاف للشهداء والثوار، وحماية الثورة، لا يتحققان إلا بالانقلاب على “فلسفة الثورة” وإحلال دكتاتورية فردية جديدة، محل الديكتاتورية الفردية البائدة، وحزب حاكم جديد محل حزب حاكم قديم...لكأن الثورة يتعذر حمايتها، من دون الارتداد على شعاراتها.

مصر في خطر...خطر الانقسام الداخلي يتفاقم، وخطر الإخفاق في تلبية تطلعات ثوار التحرير بات داهماً...خطر عودة “الدكتاتورية” و”التوتاليتارية” يقرع الأبواب...خطر الاستمرار في التبعية والاستتباع يتكرس بزيادة الاعتمادية على المساعدات الأمريكية وصندوق النقد الدولي...يجري ذلك كله، فيما الحرب الإسرائيلية على غزة، تعيد للاتصالات المصرية – الإسرائيلية حرارتها، ومن المُنتظر أن تشهد انتعاشاً إضافياً، “تحت عنوان” حفظ التهدئة والوفاء بالتزاماتها، ومن بين هذه الالتزامات، ضبط تهريب السلاح إلى قطاع غزة.

أهمية ما يجري في مصر، من امتحان لتجربة “الإخوان” في الحكم، لن تقتصر على مصر وحدها، بل تمتد بآثارها إلى مختلف الساحات العربية، فمن سيصدق الإخوان في الدول التي لم يصلوا فيها للسلطة، بأنهم سيخلصون لشعاراتهم وهم في المعارضة...من سيصدق مزاعمهم عن “الشراكة” و”المدنية” و”الديمقراطية” و”التعددية” و”احترام الرأي الآخر”، وهي الشعارات التي تُداس بالأقدام اليوم في مصر.

لا بديل عن حماية الثورة، وحمايتها من الإخوان هذه المرة، لا بديل عن “الشارع” الذي أطاح بمبارك ونظامه، للإطاحة بميول الاستفراد والتفرد، الديكتاتورية والتوليتارية...لا بديل عن توحد مختلف القوى اليسارية والقومية والليبرالية والحراكات الشبابية في وجه سياسة الاستئثار والهيمنة، لا بديل عن قطع الطريق على “الشمولية” قبل أن تتمكن من القبض على مفاصل السلطة والدولة والقرار.

التاريخ : 24-11-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش