الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كوكب من جلد منفوخ!

خيري منصور

الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010.
عدد المقالات: 1791
كوكب من جلد منفوخ! * خيري منصور

 

أكثر من جائزة نوبل ، وأكثر من براءة اختراع يستحق ذلك الذي حول كوكب الأرض بقاراته الخمس او الست إلى كرة جلدية مملوءة بالهواء.. ومن يسمع الندوات والبرامج المكرسة لكرة القدم يظن لأول وهلة ان الحديث عن مستقبل هذا الكوكب ، فالكلمات المستخدمة كبيرة والمصطلحات مسعارة من تاريخ الحروب والحديث عن الجماهير يوشك ان يدفعنا للاعتقاد بأن الناس لا يأكلون ولا يشربون ولا يعملون ولا ينامون ، لأنهم مستغرقون طيلة الوقت بانتظار فوز هذا الفريق أو ذاك..

نحن نعرف جذر المسألة ، منذ خمسينيات القرن الماضي عندما تحول انصار فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ الى بديل لأحزاب ومنذ كان الانتساب لهذا النادي أو ذاك بديلا عن الانتساب لفكر أو هوية ، ولا ادري لماذا يصر العرب على عدم قراءة عشرات الكتب التي كتبت عن سايكولوجيا اللعب في الخمسين سنة الماضية وفي مختلف عواصم الدنيا ، فاللعب بكل اشكاله هو تنفيس بريء وسلمي عن فائض طاقة العنف ومن سموا ثقافة اللعب القائم على التنافس النظيف الروح الرياضية لم يخطر ببالهم ان الكرة سوف تجرهم الى روح اسبارطية ، وهي في نهاية المطاف مجرد كرة من جلد ، مليئة بالهواء ويكفي ان يلمسها دبوس أو ابرة كي تنبعج وتتحول الى قطعة جلدْ مجعدة ملقاة على الرصيف،

وحسب احصائية قدمها صحفي عربي ذات يوم فان عدد من يحضرون ندوة فكرية قد لا يتجاوز واحدا بالألف من عدد من يملأون مدرجات الملاعب ، واذكر ان مباراة بهذه الكرة الجلدية جرت قبل ربع قرن بين العراق وسوريا كانت حربا بديلة سواء بالرصاص الذي اطلق في الهواء وكان يكفي لتحرير عشر قرى فلسطينية أو بالولائم الاعلامية التي لم يحلم بها الايوبي وهو يصلي في القدس بعد تحريرها..

اننا احيانا نناقش نتائج الظواهر ، بعيدا عن جذورها ، وجذر هذه الظاهرة كان سياسيا واعلاميا بامتياز قبل نصف قرن ، لصرف الناس عن اي حراك فاعل ، لهذا نقول: بأن من استطاع ان يختزل الكرة الارضية بقاراتها الى كرة جلدية لا تكفي اذا شطرت حذاء لطفل هو بالفعل يستحق جائزة كبرى ، وبراءة اختراع ، فالعواصم العربية تقفر من المارة عندما تنشب هذه المباريات وتوشك الحياة ان تتعطل ، وهناك عواصم عربية قد لا يجد المريض فيها من يسعفه اثناء المباراة وقد تموت الحامل ومن في بطنها لان العالم يتوقف.

العرب الذين اساؤوا فهم الهاتف والفاكس واخيرا الانترنت فحولوا هذه الادوات الى وسائل للنميمة وتدمير الوقت اساؤوا ايضا فهم اللعب ، فأي قدر هذا؟ وما الذي فعلته النخب الاكاديمية خصوصا هؤلاء الذين يشتغلون في حقول علمي النفس والاجتماع لتنوير الناس وافهامهم ان اللعب ليس حربا وان الهزيمة والنصر فيه من طراز آخر ، بحيث يعانق المنتصر المهزوم واحيانا يعتذر اليه ، كما كان الفارس اليوناني يفعل ازاء خصمه اذا انتصر عليه فهو يقدم اليه سيفه وينحني امامه،

وإذا صح ان كل ما يزيد عن حده يتحول الى نقيض ، فان واقعنا العربي هو تضاريس نموذجية لهذه الزيادة ، بل الافراط في كل شيء ، فالنكتة لا تضحكنا الا إذا كانت غليظة وفاحشة ، والمأساة لا تؤثر فينا إلا إذا كانت قبرا جماعيا ، لهذا افهم الآن ما قاله شاعر انجليزي عن قصيدة السياب بعنوان المومس العمياء..

فقد قال ان هذا الشاعر اضطر لأن يجعل من بطلة قصيدته مومسا وعجوزا وعمياء كي يعطف الناس عليها وكانت صفة من هذه الصفات الثلاث تكفي،،

التاريخ : 27-12-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش