الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعضكم لبعض عدو!

حلمي الأسمر

الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010.
عدد المقالات: 2514
بعضكم لبعض عدو! * حلمي الأسمر

 

كعادتك كل يوم ، تجلس أمام الـ"كي بورد" متبتلا تقطر ندما وحيرة ، تشخص ببصرك إلى شاشة الحاسوب ، وتستدعي يوما حافلا بالجري والشقاء والتعب ، تداعب أزرار الأحرف ، تنقش صورة مرتجفة لروح قلقة ترنو لخلاص مؤجل ، ورحيل وشيك أو بعيد ، لا تدري ، تمتشق أبجدية تصهل في روحك ، أو لعلها تنتحب ، أو تتخضب بخفقات قلب مع وقف التنفيذ ، تتأرجح بين رجاء مغتسل بروحانية السحر ، وشهقات مكتومة مغبرة بتراب الجسد ، من أنت؟ وما تريد؟ وإلى أين تمضي؟ لكم ترتجف هذه الأصابع وهي تحاول أن ترسل مكنونات روحك إلى القارىء ، تحسبها جيدا: بوحك محسوب عليك ، كما أنفاسك اللاهثة ، أتصمت؟ أم تقول ما لا يقال؟ أين ينتهي البوح المباح وأين يبدأ التسارع إلى خطو مهتز على الصراط؟ لكأنك تتخيل خطواتك وهي تزل بها القدم فتهوي في غيابة اللهب ، ترتجف الأصابع فتصمت ، وتكف عن النقر ، وتصيخ السمع فتضج خفقات الفؤاد: ألسنا خطائين؟ ألم تبدأ الحياة على هذه الأرض عقابا على خطيئة؟ ألم ينزل أبوك وأمك من علياء الجنة ، "فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مًمَّا كَانَا فًيهً وَقُلْنَا اهْبًطُواْ بَعْضُكُمْ لًبَعْضْ عَدُوّّ وَلَكُمْ فًي الأَرْضً مُسْتَقَرّّ وَمَتَاعّ إًلَى حًينْ".

وتعود من ضجيج النار وأهلها ، فتتنسم عبير العاصفة ، وتهفو إلى مناجاة خالصة خالية من غبار الأرض ولزوجة الطين ، يا لله، كم تجد صعوبة في أن تخلص روحك مما هي فيه ، تستغفر ربك وتسبحه كثيرا ، وتهرع إلى صحائف الشبكة العنكبوتية وما تحفل به من صراع ، فتقر روحك القلقة قليلا ، فهذه هي سنة الأولين والآخرين ، وتعود إلى نقش كلماتك ، ولا تجد بدا من أن تكون أنت: قبضة من تراب ونفحة من روح ، أنت بكل ما فيك من شهوة ونجوى ، من طين وسمو ، من ملائكية ووسوسة ، أنت ببشريتك وتوقك إلى السماء ، فلتكن أنت ولتترك لقلبك أن يخفق كما يحلو له ، ولتترك المدى لروحك كي تحلق إلى الأعالي ، لتكن بشرا كامل النصاب: بترابك وروحانيتك ، فأنت لن تكون إلا ما جبلت عليه ، يجهدك العرق ، وتلهث روحك ، متأرجحة بين هذا وذاك ، فتصيخ السمع لنداء الطين ، ونجوى الروح ، تتعب ، وتشتد عليك وطأة العاصفة المثقلى بالغبار والبرْد ، فتشخص ببصرك إليك ، وتجأر بشكوى مكلومة مكتومة: يا رب ، كن لي عونا ، وملاذا ، ألوذ بك منك ، فلا منجى ولا مهرب منك إلا إليك ، يا رب ، تخرج من أعماقك ، يخضل فؤادك برعشة عصفور بلله رذاذ القطر ، ولا تدري لم يهبط عليك نداء (قيس بن الملوح) أو مجنون ليلى حين تعلق بأستار الكعبة وصاح: اللّهم زدني لـ(ليلى) حبا ، وبها كلفا ، ولا تُنسني ذكرها أبدا ، وقد كان أبوه قال له: تعلّق بأستار الكعبة وأسأل الله أن يعافيك من حبّ ليلى ، ثم تسرح مع "المجنون" وما حل به ، قال الرواة: فمرّ (المجنون) بزوج (ليلى) وهو جالس يصطلي في يوم شات ، وقد أتى ابن عمّ له في حيّ (المجنون) لحاجة ، فوقف عليه ثم انشد يقول:

بربك هل ضممت إليك ليلى.

قُبيل الصبح أو قبّلت فاها.

وهل رفّت عليك قرون ليلى.

رفيف الأُقحوانة في نداها.

فقال: اللّهم إذا حلّفتني فنعم ، فيقبض (المجنون) بكلتا يديه قبضتين من الجمر ، فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه ، وسقط الجمر مع لحم راحتيه ، وعض على شفته فقطعها،.

وتعود من خيالك الذي سرح بك مع المجنون ، فتحوقل ، وتسترجع ، وتشخص ببصرك مجددا إلى شاشة الحاسوب ، فيما العاصفة الغاضبة تزمجر بالغبار والبرْد الشديد فتفتقد جمر ابن الملوح،.



التاريخ : 13-12-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش