الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

انتصار للأرمن أم ثأر لإسرائيل ؟!

عريب الرنتاوي

السبت 6 آذار / مارس 2010.
عدد المقالات: 3282
انتصار للأرمن أم ثأر لإسرائيل ؟! * عريب الرنتاوي

 

طريف ما حصل بالأمس في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي ، برغم خطورته الشديدة ، فالنواب الأمريكيون ، تقمصوا ثياب المؤرخين ، وكرَسوا جزءا من وقتهم "الثمين" لإعادة قراءة تاريخ العلاقات التركية - الأمريكية ، وأمكن لهم بعد أن أدلوا بمداخلات لا تتعدى مدة الواحدة منها الخمس دقائق ، أن يخضعوا هذا التاريخ "للتصويت" في اللجنة ، وبالنتيجة فاز التيار المؤيد لنظرية "الإبادة" العثمانية للأرمن على التيار المناهض لهذه النظرية ، وبفارق صوت واحد فقط ، 23 نائبا أيدوا النظرية 22و نائبا عارضوها ، ولكم أن تتخيلوا لو أن "أزمة المرور" في واشنطن أخرت نائبا أو اثنين من الوصول للجلسة في الوقت المناسب ، وكيف كان يتعين على "التاريخ" أن يسلك مسارا آخر ، لو تعادلت الأصوات أو انقلبت المعادلة.

من الآن فصاعدا ، سيكون الرئيس الأمريكي بعد اليوم ، مطالبا (وليس ملزما على ما أظن) باستخدام تعبير "الإبادة" في خطاباته الرسمية في كل يأتي فيها على ذكر "قضية الأرمن" ، ولا أدري في الحقيقة كم مرة يجد الرئيس الأمريكي نفسه مضطرا للانتقال من موقع السياسي ورجل الدولة ، إلى موقع "المؤرخ" ، وما القيمة السياسية التي ينطوي عليها قرار اللجنة ، غير تخريب العلاقات الحساسة بين تركيا وأرمينيا.

واللافت للانتباه أن اللجنة المذكورة ما كانت لتلتئم على هيئة "مجموعة بحث تاريخية" هكذا صدفة ومن دون مقدمات أو بلا دلالات سياسية ، فثمة قوى ضغط وجماعات مصالح تقف خلف هؤلاء النواب الذين رفعوا رايات "العدل والإنصاف" للأرمن ضحايا العسف التركي المزعوم ، ولعل أهم هذه القوى والجماعات "اللوبي اليهودي" الذي يسعى في معاقبة أنقرة وأردوغان والعدالة والتنمية ، انتقاما لمواقف تركيا من غطرسة إسرائيل وعدوانيتها ، وانتقادات أنقرة المتكررة لسياسات واشنطن في العراق وإيران وغيرهما ، على أمل أن تعود تركيا "لأطلسيتها" ، وتصطف من جديد في خنادق "التحالف الاستراتيجي" مع إسرائيل.

لقد كشف مناهضو القرار من بين أعضاء اللجنة ذاتها ، عن "ازدواجية معايير" المشرّع الأمريكي ، الذي لم يكلف نفسه يوما عناء البحث عن العدالة والإنصاف في مذابح السود والهنود الحمر ، والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبت بحقهم ، بينما يهب هؤلاء المشرعون هبة رجل واحد ، انتصارا للأرمن من الأتراك ، وعلى مبعدة ألوف الأميال بعيد عن حدودهم.

لقد تنقلتُ أمس الأول بين المحطات التلفزيونية ، تارة لتعقّب التقارير عن مداولات اللجنة وقرارها ، وأخرى لمتابعة التقرير الذي بثته في الوقت ذاته ، محطة البي بي سي ، عن "جرائم حرب محتملة وجرائم مرجحة ضد الانسانية" التي اقترفت ضد مدينة الفلّوجة ، والتي تشهد سنويا ، ومن العام 2005 ولادة أكثر من ألف طفل مشوه: هذا برأسين وذاك بعين واحدة في أعلى جبينه ، وتلك بأربعة وعشرين أصبعا ، وآخر بقلب ينزف دما ، إلى غير ما هناك من صور تقشعرّ لها الأبدان.

وإذا ما أضفنا لكل هذا وذاك ، مسلسل التحقيق الذي يجريه مجلس العموم البريطاني في "الحرب على العراق" ، والذي يبث مباشرة على الهواء ، وقد بلغ ذروته بالأمس أيضا ، بالاستماع إلى شهادة رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون ، وما تكشفت عنه كل وقائع التحقيق من كذب وتزوير وتلفيق ، لتبرير حرب لا مبرر لها ، فإن الخلاصة التي ننتهي إليها هي أن فاقد الشيء لا يعطيه ، وأن من تنقصه الأهلية الأخلاقية والقيمية ، لا يمكن أن ناصحا وواعظا وأنموذجا ، وأن على الولايات المتحدة أن تنظف "اسطبلات اليانكي" قبل أن تنصح الآخرين بتنظيف بيوتهم وتعقيمها.

لجنة الشؤون الخارجية ليس الجهة صاحبة الولاية والاختصاص لقراءة التاريخ وإصدار الأحكام على وقائعه ، وقرارها الأخير يأتي في توقيت غير مناسب على الإطلاق ، ويلحق ضررا بالغا بالتطور الملموس الذي طرأ على العلاقات التركية الأرمنية ، وهو من قبل ومن بعد ، قرار سياسي - ثأري بامتياز ، لا يشبه سوى قانون "محاسبة سوريا وتحرير لبنان" ، وهو مجرد من أية قيمة قانونية أو أخلاقية.



التاريخ : 06-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش