الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المعلم من وجيه إلى مجرم .. كلنا مسؤولون!!

محمد حسن التل

الأربعاء 10 آذار / مارس 2010.
عدد المقالات: 371
المعلم من وجيه إلى مجرم .. كلنا مسؤولون!! * محمد حسن التل

 

حالة العنف التي تطفو على السطح بين الحين والآخر في مدارسنا ، ويكون المعلم طرفاَ أساسياً فيها ، وبدأت تأخذ طابع الظاهرة ، تؤشر على منعطف خطير في مسيرتنا التربوية ، التي انحرفت منذ زمن طويل عن مسيرتها ، وكانت أولى إشارات هذا الانحراف ، إغفال دور المعلم الحقيقي والأساسي ، في بناء المجتمع ، واختلال النظرة لأهمية دوره.

لقد تركنا المعلم يخسر كل شيء ، بدءاً من موقعه الاجتماعي ، وانتهاءً بدخله المادي ، الذي تآكل بشكل جعله في أدنى سلم الدخول ، وبالتالي أصبح المعلم ، ليس من الطبقة ذات الدخل المحدود ، بل من الطبقة المسحوقة ، مما دفع المعلم المحترم - في معظم الأحيان - إلى أن يعمل سائقاً لتاكسي بعد الدوام ، أو عاملاً في فرن ، أو محاسباً في سوبرماركت. وكثيراً من المهن ، التي لا تتناسب مع وظيفته الأساس ، أو يقع تحت ضغوط الدروس الخصوصية ، وبالتالي تحت ابتزاز الطلاب وأولياء أمورهم ، ويقدم التنازلات تلو الأخرى ، حتى يستطيع أن يؤمًّن لأسرته حياة شبه كريمة.

منذ عقود ووضع المعلم المعنوي في مجتمعنا يتآكل ، أمام سطوة المهن الأخرى ، وبما انه مُخّ العملية التربوية: فقد تراجعت هذه العملية ، بل انزلقت في وادْ سحيق ، واتسع الفتق على الراتق ، والكل يتفرج ، اللهم باسثناء المبادرات الملكية التي ظهرت مؤخراً ، على يدي جلالة الملك عبد الله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله ، حيث يولي القصر هذا الملف اهتماماً كبيراً.

لقد استأسد التلميذ على المعلم ، في معظم الحالات المعنوية والمادية ، حيث انقلبت المعادلة وتشوهت الصورة ، وأمام تهميش صورة المعلم ، تراجعت بشكل حاد نظرة المجتمع إليه ، وانهارت قيمته المعنوية بين الناس ، حتى باتت الكثير من العائلات ، ترفض حتى تزويجه ، بحجة وضعه الاجتماعي المتدني والدخل المادي الضعيف ، وبالتالي فقد المعلم ثقته بنفسه ، وأدى ذلك إلى فقدان ارتباطه الروحي بمهمته المقدسة ، وأصبح الكثير من المعلمين ، يمارسون سلوكات بعيدة وغريبة ، عن مكانة ومهابة العملية التربوية ، التي كنا نباهي بها الدنيا.

لقد كان المعلم وجيهاً في مجتمعه ، يلجأ إليه الناس في حل كل مشاكلهم الاجتماعية ، لأنه كان يتبوأ مكانة متقدمة في السلم الاجتماعي ، ونظرة الناس إليه ، قبل أن تمارس على دوره ، عمليات التفريغ والتشويه.

المعلم اليوم أصبح لا يفرق كثيراً من الناس بنظرتهم إليه ، عن المجرم في كثير من الاحيان ، نتيجة لكثرة الحوادث التي تقع في مدارسنا ، ويكون المعلم في غالبها - كما قلت - طرفاً أساساً والمعتدي،. هل من المعقول أن تعلن منظمة اليونيسيف ، أن 300 ألف طالب ، يتعرضون سنوياً ، في مدارس الأردن ، للعنف بكافة أشكاله الجسدية والنفسية ، ونبقى مكتوفي الأيدي ، دون دراسة حقيقية لأسباب هذا العنف ، لاجتثاثه من جذوره ، فالفرق كبير بين أن يهاب التلميذ المعلم ، وبين أن يكون خائفاً مرعوباً منه.

لقد ظُلم المعلم في جميع النواحي ، حتى التشريعية ، حيث أغفل التشريع على مدار عقود طويلة ، تطوير دور المعلم وتحصينه ، أمام الانفجار المجتمعي ، الذي يجتاح حياتنا ، وبالطبع أثر ذلك على أدائه وسلوكه ونظرته إلى مهنته.

لا نستطيع ان نفهم ، لماذا مثلا ، حُرم المعلم من الوصول إلى الدرجة الخاصة الا بعد عشر سنوات من بقائه في الدرجة الاولى ، عن دون موظفي الدولة، ونادرا ما يصل المعلم إلى هذه الدرجة قبل التقاعد. ولماذا لا يستفيد المعلم ، من القروض السكنية ، التي تقدمها الدولة ، إلا بعد خدمة طويلة تتجاوز 20 عاماً ، أي بعد ان يكون قد أُنهك على مدار السنوات الطويلة ، وبدأ يفكر بالتقاعد ، أليس الأجدر بنا ، أن نؤمًّن له حياة كريمة ، وهو في عزّ عطائه ، حتى يؤدي دوره بروح مرتاحة وثّابة.

إننا نطالب باعادة الهيبة إلى المعلم ودوره ، ولا يأتي ذلك إلا بدعمه ، على كافة المستويات المعنوية والمادية ، على أسس تشريعية متطورة ، تحصّنه وتعيده إلى ما كان عليه ، قبل الحالة المزرية التي تجتاح أحواله ، وبالتالي انعكست على مجمل العملية التربوية.

علينا أن نعترف أننا جميعاً مسؤولون عن الحالة ، التي وصلت إليها أوضاع المعلم ، وكيف تحوّلت صورته في أذهان كثيرين ، إلى مجرم يؤذي تلاميذه بدل ان يربيهم ويعلمهم ، وإذا بقينا ندير الظهر إلى هذا الواقع ، ذي الصورة القاتمة ونكتفي بالتنظير الذي لا فائدة منه: فسندفع الثمن جميعاً.

التاريخ : 10-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش