الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اعترافات الحريري المتأخرة.. ماذا بعد؟!

عريب الرنتاوي

الأربعاء 8 أيلول / سبتمبر 2010.
عدد المقالات: 2997
اعترافات الحريري المتأخرة.. ماذا بعد؟! * عريب الرنتاوي

 

برّأ "وليُّ الدم" سوريا من دم والده ، واعترف الحريري الابن بأن اتهامه لدمشق بمقتل والده قبل أزيد من خمس سنوات ، كان اتهاماً سياسياً غير مبني على أدلة محسوسة ، وأن من أسماهم "شهود الزور" هم الذي ضللوا التحقيق الدولي في جريمة الاغتيال ، كما أعترف الحريري بارتكابه وتياره ، سلسلة من الأخطاء التي أساءت لسوريا ولبنان وللعلاقة الخاصة والمميزة بينهما ، مثلما أساءت للحريري الأب والابن والعائلة.

هو اعتراف متأخر جداً بلا شك ، فـ"الاتهام السياسي" كان مكلفاً لسوريا ولبنان ، خرج الجيش السوري من بيروت بطريقة لا تليق بتاريخه وتضحياته في ميادين الصراع العربي الإسرائيلي ، ودفع عشرات العمال السوريين حياتهم ثمن موجة الحقد الأعمى ضد كل ما هو سوري في لبنان ، وظل لبنان واقفا على حافة الهاوية منذ ذلك "الاتهام" وحتى اليوم. لكن أن تصل متأخراً خيرّ من أن لا تصل أبدا ، وأن يفعلها الحريري أخيراً ، أفضل من أن يظل دم أبيه مُضغة في أفواه تيار "عملاء إسرائيل" القدامى والجدد ، وهم معروفون جداً ، بل ولقد صرح أحدهم بالأمس (النائب الكتائبي سامي الجميل) بأنه لا يشعر بالخجل لتعامله مع إسرائيل تدريباً وتسليحاً وائتلافا ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

على أية حال ، هي المرة الأولى التي ينطق بها الحريري بالحقيقة في مقتل والده ، بيد أنه وهو المُطالًب دوما بـ"الحقيقة والعدالة" ، لم يقل لنا بعد كيف ستأخذ العدالة مجراها بعد ممارسة "فضيلة الاعتراف بالخطأ" ، من ينصف أربعة من أرفع الضباط في المؤسسة الأمنية اللبنانية قضوا أربعة أعوام في السجون بسبب إفادات "شهود الزور" ، من يلاحق هؤلاء الشهود ويجلبهم للقضاء ، هل سنعرف من "فبرك" شهود الزور وصنّعهم ، لأي غرض ولمصلحة من ، أم أن هؤلاء سيفلتون من العقاب.

قبل أيام قلائل فقط ، سخر الحريري الابن ، ومعه قادة ائتلاف "لبنان أولا" من أكذوبة "شهود الزور" ، ونفوا وجود هؤلاء أصلاً ، ورفضوا الإقرار بأن ملفاً بهذا الاسم قد تقرر فتحه والتحقيق فيه. فجأة يخرج علينا الحريري باعتراف مدوْ بوجود هؤلاء ، واتهام صريح لهم بتضليل التحقيق وحكم عليهم بالإساءة للبنان وسوريا والعائلة ، ما الذي حصل وما هي أسباب هذه الانعطافة الدراماتيكية؟،.

البعض يقول: أن اتهام سوريا بجريمة اغتيال الحريري قد استنفد أغراضه ، سوريا خرجت من لبنان وسحبت جيشها منه ، وأن المطلوب اليوم هو توجيه المحكمة الدولية صوب "هدفْ ثانْ" ، حزب الله في رأس قائمة المستهدفين اليوم ، بعد خمس سنوات من "البراءة والتبرئة" كانت خلالها سهام الاتهام وأصابعة تتجه صوب دمشق ، لكأنه يراد لهذه المحكمة مواكبة الحرب الأمريكية على "محور الشر" وملاحقة أركانه الواحد بعد الآخر.

البعض يقول: أننا أمام تداعيات ومفاعيل قمة بعبدا الثلاثية وزيارة الملك السعودي والرئيس السوري المشتركة لدمشق ، حيث أعتمدت الرياض "تكتيك فك ارتباط سوريا بإيران" ، وأن الإقرار السعودي بدور سوري حاسم في لبنان يندرج في هذا الإطار ، وفي هذا السياق أيضا تندرج التبرئة الحريرية لدمشق من أوزار جريمة الرابع عشر من شباط 2005 ، ومن ضمن هذا التكتيك ، يتكثف الضغط الآن على حزب الله (إيران) بعد أن كان منصباً على سوريا (البعض يدرج اشتباكات برج أبي حيدر بين حزب الله و"المشاريع ـ الأحباش" في سياق الخلاف السوري الإيراني في لبنان وعليه بعد قمة بعبدا الثلاثية ، وهو أمر نستبعده ولا نرجحه على أية حال).

أياً يكن من أمر ، فإن من حق حزب الله الذي تشير كافة "التسريبات" إلى أنه سيكون المستهدف بـ"هراوة" المحكمة الدولية بعد الآن ، أن يخرج لسانه هازئا من "المحكمة الدولية" وساخراً من "عدالتها" ، إذ يكفي أن يعيد إعلام الحزب ، نشر تقارير ميليس وبرامرتس وبيلمار ، حتى يتضح كمّ التناقض و"التسييس" اللذين طبعا التحقيق الدولي في مراحلة المختلفة.

ثم ، إذا كان الحريري جادا فعلا في البحث عن الحقيقة والعدالة ، فإن أولى واجباته كرئيس لحكومة لبنان أن يعيد النظر في ملف "شهود الزور" الذين قال أنهم مسؤولون عن تضليل التحقيق والإساءة للبنان وسوريا والعائلة ، فالحقيقة عن هؤلاء ومن يقف وراءهم هي الطريق الأقصر للبحث عن الحقيقة في مقتل والده ، وإنزال القصاص العادل بهؤلاء ، هو أول غيث العدالة في الجريمة الأصلية.

لا يكفي أن يبرئ الحريري ساحة سوريا ، فعليه الاعتذار منها أيضا ، شعباً وقيادة... لا يكفي أن يعترف الحريري بالإساءة التي تسبب بها "شهود الزور" ، وإنما عليه أن يعتذر من ضحاياهم ، خصوصا الضباط الأربعة وأن يعوض لهم سنوات سجنهم الطويلة وأن يعيد لهم الأعتبار ويعيدهم إلى مواقعهم ومناصبهم ، لا سيما أنهم جميعا ، وبالأخص جميل السيّد ، لطالما وجّهوا له النداء تلو الآخر ، بأن لا تصغي لشهود الزور ، وأن قتلة والدك هم أولئك الذي صنّعوا وفبركوا هؤلاء.

اعترافات الحريري المتأخرة ، ناقصة إن لم يُبتَنى على الشيء مقتضاه ، ومن مقتضيات هذه الاعترافات ، التعاطي مع "قرائن حزب الله وأدلته" بكل الجدية ، بعيداً عن المناكفات المذهبية ، حتى لا يأتي يوم بعد خراب بيروت وطرابس والبقاع ، يقول فيه الحريري في لحظة "صحوة ضمير" أو كنتيجة لتحوّلات محتملة في السياسة الخارجية السعودية ، أن اتهام حزب الله كان سياسياً ، وأن "العملاء الذي تساقطوا بالعشرات في قبضة الأجهزة الأمنية اللبنانية" ، لعبوا دورا مماثلا لدور "شهود الزور" في تضليل التحقيق والإساءة لسنة لبنان وشيعته ولعائلة الحريري وتيار المستقبل وحزب الله.

ومن مقتضيات الاعترافات المتأخرة للحريري الابن ، تطهير تيار المستقبل و"لبنان أولاً" وحركة 14 آذار ، من مدرستين في الغلو والتطرف "تعششان" في أوساطه ، المدرسة الأولى: "اليمين الغبي" وفقا لوصف جنبلاط الذي استمرأ من قبل "التعامل مع العدو" ويستمرئ اليوم العودة إلى بعض فصول ذلك التعاون ، أما المدرسة الثانية: فتتمثل في أيتام اليسار وفلوله ممن انقلبوا من النقيض إلى النقيض ، وباتوا الأشد قربا من "جعجع واليمين الانعزالي" ، هؤلاء كالشيوعيين الذين ينتقلون للعمل مع الأجهزة الأمنية أو العرب الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي: أشد خطراً وفتكاً وتطرفاً.

إن أراد الحريري "الحقيقة من أجل لبنان" فعليه ألا يُغلق الباب في وجه أية فرضية أو احتمال ، وفي المقدمة منها "الفرضية الإسرائيلية" أو حتى "الفرضية الأصولية" ، أما إدارة تحقيق جنائي قضائي في قضية بالغة التعقيد ، بذهنية المتهم الوحيد ، فقد ثبت خطلانها ، وهي أحرجت أصحابها قبل أن تحرج ضحاياها والمستهدفين بها.





التاريخ : 08-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش