الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عملية الخليل من زواياها الأربع

عريب الرنتاوي

الخميس 2 أيلول / سبتمبر 2010.
عدد المقالات: 3283
عملية الخليل من زواياها الأربع * عريب الرنتاوي

 

لا أدري كم عملية من طراز "عملية كريات أربع" يتعين على حماس وحلفائها تنفيذها ، لكي تصبح الإطاحة بـ"المفاوضات المباشرة" أمراً محتماً... لكنني أعرف أننا لن نحتاج لعدد كبير من هذه العمليات قبل أن يتحقق هذا الهدف ، وتصبح عملية السلام العاثرة ، أثراً بعد عين ، وأعرف أيضاً أننا سنحتاج لعدد أقل من العمليات المشابهة ، قبل أن تصدر الأوامر لـ"وحدات النخبة في جيش الدفاع الإسرائيلي" ، بالتوجه إلى غزة وصب رصاصها المصهور فوق رؤوس أبنائها.

نحن أمام الدوّامة ذاتها إذن ، لكأننا لم نتعلم من دورس الجولات المتعاقبة من المواجهات والمفاوضات والعمليات ، دائما نعود للمربع الأول ، ودائما نعاود فعل الشيء ذاته ونتوقع نتائج مغايرة ، وفي ظني أن تجاهل حماس والتنكر لنفوذها الهائل - خصوصا بعد نصرها الانتخابي المبين في 2006 - واستمرار الرهان على فصائل ورموز وشخصيات متآكلة ، هو السبب الرئيس: أولا ، في تفاقم مأزق النظام السياسي الفلسطيني... ثانياً ، في انهيار جهود المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية... وثالثاً ، في انسداد عملية السلام التي ما زالت واشنطن وتل أبيب وبعض أركان السلطة ، يريدونها على أنقاض حماس بما تمثل ومن تمثل ، وفوق جثتها الهامدة.

فالذين يدفعون باتجاه تقدم عملية السلام يقولون لك: إن لم يحصل ذلك التقدم ستقوى حماس ويتعزز نفوذها.... والذي يقدمون الأموال للسلطة وحكومة فيّاض يبررون ذلك في الخشية من "تغول حماس واتساع رقعة نفوذها".... والذين يبحثون عن غطاء عربي للمفاوض الفلسطيني يعزون ذلك إلى ضعف الرئيس مقابل قوة خصومه ومجادليه... حتى الأوروبيون الأكثر حماساً لحماس يضبطون إيقاعاتهم على وقع خطوات ميتشيل وحاجة عباس للدعم ومقتضيات مجابهة التهديد الحمساوي. وبهذا تكون الخلاصة أن "هاجس حماس" بات عاملاً مقرراً للكثير من خطواتنا ومبادراتنا عربا وعجما على حد سواء.

لم يجرب أحدّ خياراً آخر ، من نوع إدماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني وإشراكها في العملية السياسية ، حتى المحاولة اليتيمة التي أعقبت انتخابات 2006 ، جاءت قاصرة ومنقوصة ومشروطة ، صحيح أن حماس شكلت حكومة بيد أنها كانت بلا دسم على الإطلاق ، سحبت منها صلاحيات المال والأمن والسياسة الخارجية والمفاوضات وكل ما له صلة جوهرية بواقع حياة الشعب الفلسطيني ومستقبله ، إلى أن انتهينا إلى ما انتهينا إليه من عمليات حصار وعدوان وتصعيد ما زالت فصوله تتوالى أمام ناظرينا ، فيما المشاهد الأكثر دموية لم تأت بعد.

عملية الخليل بالأمس ، شكلت صفعة للمفاوضات المباشرة والتنسيق الأمني وجهود "تصريف الأعمال" وأجهزتها الأمنية ، كل هذا صحيح ، وسيصح أكثر أن تكررت العملية وخرجت الضفة الغربية عن صمتها واستفاقت من سباتها.

لكن الصحيح في المقابل ، أن كلفة العملية على حماس ستكون باهظة جداً قياسا بما كانت عليه قبل انتخابات 2006 وتشكيل الحكومة ، هذه المرة لحماس عناوين واضحة وثابتة ، هناك أهداف يمكن لـ"لجيش الدفاع" أن يطالها وأن يسويها بالأرض ، هناك ثمن يمكن أن يقتطعه الاحتلال المجرم من رأس حماس وجسمها وبنيتها التحتية والفوقية ، هذه الصورة لم تكن كذلك من قبل ، زمن ياسر عرفات وحين كانت حماس في المعارضة وتحت الأرض ، وليس في السلطة وفوق سطحها ، والأرجح أن كل هذه المتغيرات تدخل بقوة في حسابات حماس وتقييماتها ، وليس صحيحاً أن أحداً لا يكترث بالأثمان فالمقاومة كالحرب والسياسة والتجارة والمال ، تخضع أيضاً لحسابات الربح والخسارة وموازينهما.

عملية الخليل ، لن تغيّر جدول أعمال المفاوضات المباشرة ولا رزنامة أوباما ـ عباس ـ نتنياهو على المدى المباشر ، وإن كانت ستفعل ذلك من دون ريب إن هي تكررت. بيد أن عملية الخليل في المقابل ، ستغير رزنامة الحروب والعدوانات الإسرائيلية المقبلة في المنطقة ، ستقدم موعد الحرب على غزة على موعد الحرب على الجبهة الشمالية - ربما - وقد تُعيد بناء "التواطؤ" الإقليمي - الدولي على القطاع المنكوب والمحاصر ، وستعود الأحلام السوداء لدى بعض جنرالات الأمن الفلسطيني لاستعادة أدوارهم المفقودة في تلك البقعة ، ألم يحشدوا "زبانيتهم" على مقربة من القطاع زمن الرصاص المصهور استعدادا للحظة الصفر لاستعادة "ملكهم" الضائع في القطاع المنكوب؟،.

في النظر إلى عملية الخليل يجب التطلع من زوايا أربع: أولاها أن العملية هي النتاج المنطقي لسياسة التجاهل والإقصاء والتهميش التي تعرضت لها حماس ، وثانيها رغبة حماس بإثبات حضورها والبرهنة بكل السبل المتاحة على أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه ، وثالثها ، الإذلال الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني خلال الأشهر الماضية بهدف "جرجرته" إلى مفاوضات بلا مرجعية ومن دون وقف الاستيطان ، وبموجب "مذكرة جلب" لا جدال فيها على حد تعبير السيدة هيلاري كلينتون... أما رابع زوايا النظر للعملية ، فمنها نرى أن الذين تمرغوا بالذل الإسرائيلي يمارسون إذلالاً غير مسبوق ضد إخوانهم في الوطن من أبناء حماس ونوابها وكوادرها وشيوخها ، وأن الكيل بهؤلاء قد فاض ، وأن توجيه طاقة الغضب الحمساوية من السلطة ضد الاحتلال ، هي سياسة رابحة في الاتجاهين ، إذ أنها تعزز شعبية حماس من جهة وتضعف السلطة وتهز أركان الثقة بمنجزها الأمني من جهة ثانية ، ومن هذا المنطلق فإن من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت العملية قد جاءت في وقتها أم أنها تأخرت عنه عاماً أو عامين على أقل تقدير؟،.

إنه التاريخ ، إذ يعيد نفسه مرات ومرات ، فحركة فتح قائدة النضال الوطني الفلسطيني المعاصر ، التي قد يعتبر كثيرون من قادتها وكوادرها أن عملية الخليل مصممة ضدها وضدهم ، وليس ضد الاحتلال الإسرائيلي ، هي أول من تبنى سياسة "التوريط" ومارس لعبة "لعيب خريب" في علاقاته مع دول الجوار العربي لفلسطين ، ودائما على قاعدة رفض التجاهل والتذويب والطمس والتبديد ، إلى أن جاءها من يلعب معها لعبتها المفضلة ، ووفقا للقواعد ذاتها ورفضا للإقصاء والتهميش والإنكار ، وإذا كان من "درس أول" يتعين على فتح أن تتعلمه من تجربتها الخاصة ومن تجربة حماس معها ، فهو الشراكة والمصالحة والحوار ، بعيداً عن قرع طبول الانفراد والتفرد.

للأسف ، لا يبدو أن هناك من هو على استعداد للاصغاء لدورس التاريخ وعبره ، وستراق دماء كثيرة قبل أن يتيقين "ذوي الصلة والأمر" ، بأن الوقت قد أزف لانتهاج مقاربة أخرى ، نأمل أن لا يتأخر الوقت للوصول بهؤلاء إلى هذه الخلاصة ، ونأمل حين يصلون إليها أن يكون ما زال في الأفق متسع لبارقة أمل.







التاريخ : 02-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش