الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من هم ضيوف «موائد الرحمن»؟!

عريب الرنتاوي

الجمعة 3 أيلول / سبتمبر 2010.
عدد المقالات: 3287
من هم ضيوف «موائد الرحمن»؟! * عريب الرنتاوي

 

أعود إلى منزلي معظم الأيام ، قبل دقائق من موعد الإفطار ، استمتع بقيادة السيارة في شوارع شبه خالية ، وأسعد بعبور "المستديرات" من الرابع إلى الثامن - فضلا عن دوار الداخلية - من دون عناء ولا مشقة ، إلى أن تمسك بي "عجقة السير" ما بين السادس والسابع ، هناك حيث "المقر الدائم" لواحدة من "موائد الرحمن" ، تنتظرني طوابير السيارات المصطفة على يسار الشارع ، وأحيانا يكون هناك على هيئة وقوف مزدوج.

ما الأمر ، ولماذا كل هذه الحشود ومن أين يأتي كل هؤلاء "الزبائن" ، وأي ضيوف على "موائد الرحمن" أولئك الذين يمتلكون سيارات خاصة أو عمومية ، أو يعملون عليها ، هل أعيد تعريف الفقر والفقراء و"المسكنة" والمساكين ، هل يمكن أن يصنف فقيراً من يمتلك سيارة خاصة ، أياً كان نوعها أو موديلها ، طالما أنه قادر على ملء خزانها بالبنزين العادي - وليس السوبر - ألا يستطيع رجل كهذا أن يشتري لنفسه أو لعائلته وجبة إفطار... إن كان هؤلاء هم فقراء الأردن ، فإنني أدعو الله أن يديم علينا نعمة الفقر وأن يوسع من جيوبه ومساحات انتشاره ، أما إن كان هؤلاء من المتكسبين الذين ينافسون الفقراء الحقيقيين على وجبة مجانية ، فإن الأمر مقلق بكل مقاييس الأخلاق ومعايير القيم والمُثُل.

في بلد يكثر فيه الحديث عن "العائلات المستورة" ، وتتطوع فيه "تكية أم علي" لـ"تفطير" العائلات في بيوتها حفاظاً على كراماتها ، في بلد تكثر في "الشعارات" عن عزة النفس والأنفة ، نرى طوابير جديدة تصطف على "موائد الرحمن" تاركين سياراتهم الخاصبة على مبعدة بضعة أمتار من مائدة الإفطار ، ومن دون حرج أو خجل من منافسة الفقراء والمحتاجين.... يبدو أن بعض الناس في مجتمعنا باتوا أقل إحساسا بالحرج وأقل اعتناء بالكبرياء ، المهم توفير "سعر الوجبة" أو الحصول على وجبة أفضل من تلك التي تنتظرنا في منازلنا ، أو ربما هي عقلية "الكسب والتكسب" ونظرية "إللي ببلاش كثّر منه".

على أية حال ، يبدو أن خبراء "عالم الرحمن وموائده والشهر الفضيل" قد تنبهوا قبلي لهذه الظاهرة ، فأخذوا يقلصون من مساحة موائدهم وتعدادها ، بل وآثر بعضهم أن يعيد التفكير في أنماط الإحسان للفقراء والتبرع لهم ، مباشرة ومن دون منافسين فضوليين وشرهين ، وربما هذا ما يفسر جزئيا انكماش ظاهرة موائد الرحمن من سنة لأخرى ، لقد أتى زمن كنا نرى في كل زاوية مائدة ، أما اليوم فالصورة تبدو مختلفة قليلا ، وثمة ما يقال عن تراجع في منسوب "الكرم الخليجي" هذه السنة ، وليس لدينا ما يؤكد أو ينفي أمراً كهذا.

والحقيقة أننا نأمل أن يكون انكماش "موائد الرحمن" عائد فعلاً وحصراً لهذا السبب ، وأن تكون معدلات الانفاق الخيري في رمضان في تزايد أو على حالها في أقل تقدير ، ذلك أن آخر ما نحتاجه في هذه الأيام الصعبة ، هو تراجع نسب وأرقام ومعدلات هذا العمل الخيري ، وتحديداً في هذا الشهر الفضيل ، فالفقراء الحقيقيون في تزايد وجيوبهم في اتساع وأعدادهم بمئات الألوف ، وهم ينتظرون أن تصل إليهم يد العون ، وأن تصل إليهم في أماكن تواجدهم وبما يحفظ لهم آدميتهم وكرامتهم ، ويحول بينهم وبين الفضولين والمتكسبين الذين لولا بقايا ماء وجه وذرة حياء لنافسوا المتسولين على إشارات المرور وعتبات المساجد.

لا نريد مأسسة للعمل الخيري ، ولا مزيد من الضوابط والقيود التي تجعل منه عبئا على صاحبه ، كل ما نريده هو مزيد من الوعي والإبداع في تقديم الغوث لمستحقيه والمساعدة لمحتاجيها ، حتى لا يضيع مال الزكاة والعون والخير في غير مقصده ولا يصل إلى وجهته المقررة.

فالمأسسة التي قد يفكر فيها البعض ، تخضع العمل الخيري والطوعي والإنساني إلى حسابات "البيروقراطية" وأولوياتها ومعاييرها ، ولطالما انتهى العمل الخيري والطوعي إلى طريق مسدود عندما أخضع لقيود المؤسسة البيروقراطية وحساباتها وهواجسها وانحيازاتها ، وعلينا ألا نبالغ ولا ننجرف وراء "شغف" المأسسة وهوسها.

ثم أن العمل الخيري والطوعي ينبغي أن يُبقي حرية القرار والمبادرة لصاحبه ، فهو من يضع عناوين أجندته الإنسانية ، وهو من يقرر بشأن كيفية صرف أمواله ، شريطة أن تكون المسألة برمتها منزهة عن أية أغراض خارجة عن المألوف.

وكل رمضان وأنتم بخير.



التاريخ : 03-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش