الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

درس الاستفتاء التركي .. عربياً

عريب الرنتاوي

الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
عدد المقالات: 3283
درس الاستفتاء التركي .. عربياً * عريب الرنتاوي

 

كثيرون قرأوا نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا من زاوية "ميزان القوى" بين الإسلاميين والعلمانيين ، العدالة والتنمية من جهة ومؤسسة الجيش والقضاء من جهة ثانية. بهذا المعنى ، وضعت صناديق الاقتراع حداً للتكهنات ، وأنهت السجال بفوز حزب العدالة والتنمية بـ"النقاط" على خصومه من العلمانيين.

أصدقاء العدالة والتنمية والمعجبون برجب طيب أردغان في بلادنا ، ليسوا من طينة واحدة ، فجمهور "التجربة التركية" عابر للطبقات والطوائف والايديولوجيات في بلداننا ، ولكل سببه الخاص ومبرراته التي تليق بمرجعياته وتنسجم معها ، بيد أن ثمة ما هو "ناقص" في صيحات الفرح ومظاهر التعبير عن الابتهاج بالنصر المبين الذي حققه الطيب رجب وحزبه.

بعض اليسار والقوميين "العلمانيين العرب" تجاهلوا أن من هُزم في تركيا هم "نظراؤهم ومعادلوهم" من الأتراك ، صحيح أن علمانيي تركيا وطورانييها متطرفون قياساً بالمدارس القومية والعلمانية العربية ، لكن الصحيح كذلك ، أنه يتعين على العلمانيين العرب الاعتراف بأن مدارس شبيهة بمدارسهم هي التي هُزمت في "استفتاء" تركيا ، وأن الأمر يحتاج إلى ما هو أبعد من مظاهر التعبير عن الفرح والتضامن ، يحتاج إلى مراجعة عميقة تستلهم العبر والدروس.

في المقابل ، تبدو المدارس السياسية والحزبية الإسلامية العربية أشد فرحا بنتائج الاستفتاء ، وهي عبرت عن الغبطة بفوز العدالة والتنمية في معركة "التصويت على الثقة" التي جرت بالأمس ، ويحق لهؤلاء أن يفرحوا حد الشماتة ، فالعلمانية التركية شرسة ، وهي من الطراز الفرنسي الطارد للدين والمعادي له ولكل مظاهره.

لكن على الإسلاميين أن يتريثوا قليلا قبل أن يخرجوا ألسنة السخرية والشماتة في مواجهة نظرائهم العلمانيين ، عرباً كانوا أم أتراكا ، فطينة إسلاميي بلادنا ليست من عجينة إسلاميي تركيا ، وأهم دروس الاستفتاء التركي تقول: أن أردوغان وحزبه واجها العلمانيين بسلاح الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ، فانتصرا في المواجهة ، وبدعم أوروبي - أمريكي لم يكن ممكناً على عواصم الغرب أن تُحجم عن تقديمه ، خصوصا بعد أن استعار أردوغان خطابها وشعاراتها ودساتيرها ومفرداتها ، فكيف لها أن تنهى عن شيء وتأتي بمثله ، أنى لها أن تستكثر على الرجل الأخذ بما دأبت على ترويجه من قيم وأفكار ومبادئ.

في الصراع المحتدم على الساحة العربية ، بين إسلاميينا وحكوماتنا (التي لا هي علمانية ولا هي إسلامية ، لكن المؤكد أنها ليست ديمقراطية) ، لا يُعرف عن الإسلاميين بأنهم ديمقراطيون وأنصارّ أشداء للحرية والتعددية وحقوق الإنسان ، الصورة مغايرة تماماً ، وقد نجحت النظم والحكومات العربية في تصوير حربها على الإسلاميين بوصفها معارك دفاع عن الحرية والتعددية والديمقراطية ، وتجارب "الحكم" الهزيلة التي مارسها إسلاميون عرب وفلسطينيون ، أظهرت ضيق هؤلاء الشديد بالديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الإنسان ، وقد كانوا على الدوام يتأرجحون بين الأردوغانية والطالبانية مع ميل راجح لصالح المدرسة الإخيرة.

قد يقول أن سر عداء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإسلاميينا لا يكمن في "نقص ديمقراطيتهم" بل لـ"زيادة" في وطنيتهم المناهضة لإسرائيل ، هذا صحيح ، وصحيحّ إلى حد كبير ، لكن الصحيح أيضاً أن قدراً كبيرا من هذا العداء كان ليتبدد ويذهب جفاءً ، لو أن إسلاميينا تحلّوا بجرعات إضافية من ديمقراطية أردوغان وتسامح غول وسعة أفق العدالة والتنمية ، لو أنهم أداروا السياسة من مقرات الحكومة والأحزاب.

ولمن لا يريد أن يأخذ بما جئنا على ذكره ، نذكّر بأن الترحيب الأوروبي - الأمريكي بالاستفتاء ونتائجه وحيوية الديمقراطية التركية ، يأتي في ذروة احتدام "السجال التركي الإسرائيلي" ، وفي لحظة الاقتراب التركي من قضايا العرب وهمومهم ومصالحهم. هذا الترحيب هو بمثابة الضوء الأخضر لعقد قادم من حكم العدالة والتنمية في تركيا ، بعد أن قدم إسلاميو تركيا نموذجا غير مسبوق لحركة إسلامية (ذات مرجعية إسلامية بالأصح) ، استلهمت القيم الإنسانية العالمية للحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ، وعملت على "توطينها" في البلد الذي كان يوماً ، مركزاً للخلافة والامبراطورية.

علمانيو تركيا لم يفقدوا دعم الشعب والرأي العام التركي فحسب ، بل وفقدوا أيضاً دعم حلفائهم التاريخيين في الغرب والناتو فحسب ، ولم يجدوا النصرة من دول "عالمثالثية" كانت إلى جانبهم في سنوات "الحرب الباردة" و"حلف السنتو" ، من إيران إلى الباكستان مرورا بدول الاعتدال العربي.

لهذا السبب قلنا ونقول للإخوة في حماس ، ولكل الحركات الإسلامية العربية ، أن غزة الديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الإنسان (على سبيل المثال لا الحصر) ، أقدر على مواجهة الحصار وتفكيك أطواق العزل وكسب الأنصار والمريدين ، ورد كيد الاحتلال والمتآمرين والمتعاونين ، غزة هذه ليست بالضرورة منزوعة الأنياب والأظافر ، فالديمقراطية التي نتحدث عنها ، يمكن أيضاً أن تكون "ديمقراطية غابة البنادق" ، ومن قال أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هما صنوان للتخاذل والتفريط ، المتخاذلون لن يكون ديمقراطيين حتى وإن تدثروا بـ"ديكور ديمقراطي" ، والمفرّطون لا يمكن أن يكونوا أحرار لأنهم قامروا بحقوق شعبهم ووطنهم الفردية والجماعية ، وحدهم المستمسكون بجمر الحقوق والمبادئ هم الأقدر موضوعيا على الأقل ، لإعلاء جدران الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، فهل نتعلم من درس الاستفتاء والعدالة وأردوغان والتجربة التركية بعامة ، أم نكتفي بمظاهر الاحتفال الفلكلوري بما يصاحبها من "دبكات شعبية" وطبول وزمور.



التاريخ : 14-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش